منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كعب الصدق بين الاختيار والاختبار

كعب الصدق بين الاختيار والاختبار/ الأستاذ مصطفى الشاح

0

كعب الصدق بين الاختيار والاختبار

بقلم: الأستاذ مصطفى الشاح

كان من فخر الصحابة الذين وشحوا بوسام العز والصدق “فقد شهد المشاهد كلها مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فالصحابة مجاهدون حاضرون رهن إشارة القائد لا يتخلفون ولا يتقاعسون، بل تجدهم متحمسين لبذل الأموال والأنفس حتى ينالوا أعظم ما ينال: “الشهادة في سبيل الله””، لأنهم علموا أن الشهيد حي عند ربه يرزق فرحا محبا للقاء مولاه، ثم إن التخلف عن الجهاد حليف النفاق وخيانة للعهد وحاشا الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أن يثاقلوا إلى الأرض اذا قيل لهم انفروا في سبيل الله.

وجاءت تبوك في عز الحر ووقت جني الثمار ونادى المنادي: “حي على الجهاد” وبدأ الكل يعد العدة ويرتب للخروج نصرة لدين الله. ورفع المنافقون شعار الخذلان “لا تنفروا في الحر”: فتنة وخبال.

العزيمة لا تنتظر المترددين والإرادة الصادقة تحرج المتخادلين والتسويف قد يضيع الفرصة حتى على المؤمنين الصادقين، وراح الجيش بقيادة الرسول العظيم متوكلا على مولاه غير ملتفت ولا عابئ بمتخلف، لم يبق في المدينة إلا الصبيان و َالنساء والعجزة والمتخلفون من الرجال. ومن بين من تخلف ثلاثة من كرام الصحابة ذكرهم القرآن الكريم وعاتبهم وعاشوا اختبار صدق شاق وعسير قل نظيره في السيرة النبوية.

يحكي كعب بطل القصة أنه هيأ راحلتين وتهيأ بكليته للخروج ولم يكن يخطر بباله التخلف عن الركب لكنه تلكأ وتردد وقت العزيمة وحين فاته الركب رفع لافتة كتب عليها: “غدا ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم”.

سأل عنه الرسول القائد أين كعب؟ فتكلم بعضهم بسوء ودافع والتمس له البعض العذر. لكن كعبا حبسه غذر النفس والتسويف سلاح إبليس اللعين الفتاك.
وجد كعب نفسه بين جدران تنكرت له ووجوه لا يلتمس فيها خيرا وضاقت عليه الأرض بما رحبت.

رجع ركب الجهاد واعتذر من اعتذر وكذب من كذب لكن كعبا اختار الصدق وعلم أن ثمنه غال وباهض والضريبة سيدفعها أضعافا مضاعفة لكنه وكل أمره لله واستودع وديعته عند الذي لا تضيع عنده الودائع.

صدر الحكم السماوي على كعب ومن معه كالتالي كما يحكيه هو بنفسه:

“ونهى رسول االله صلى االله علیه وسلم عن كلامنا أیّها الثلاثة (نحن الثلاثة)، قال: فاجتنبنا الناس، أو قال: تغیّروا لنا، حتى تنكرت لي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسین لیلة! فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بیوتهما یبكیان! وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمین، وأطوف في الأسواق، ولا یكلمني أحد”

قد يقبل كعب جفاء الصحابة والناس وخصامهم وقطيعتهم رغم قساوتها وحرها. لكن أن يحرم الجلوس مع رسول الله والكلام معه والنظر في الوجه الشريف والأنس بحديثه والسلام عليه وأن يخلع عنه رداء ووسام وشرف الصحبة المباركة لسيد الخلق فهذا أمر تنوء بحبله الجبال وقلوب الرجال!!!!!

يروي المشهد كعبا بحرقة وألم ممزوجة بأمل وطمع في نوال ما يجود به الرحمة المهداة من عفو ونظرة عطف عساه يخفف عنه لوعة الحرمان وجفوة الخلان:
“وآتي رسول االله صلى االله علیه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأسلم عليه فأقول في نفسي: هل حرك شفتیه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قریبا منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني………….”

وبينما كعب يسلي النفس بالفرج والعفو الشامل بعد أن مرت أربعون يوما كاملة، وإذا بالخبر يأتيه كالتالي:

“إن رسول االله صلى االله علیه وسلم یأمرك أن تعتزل امرأتك”

ابتلاء وأي ابتلاء وتمحيص صدق الطلب وصدق الوجهة.!!!

بعد هذا الخبر نتساءل: ماذا اقترف كعب حتى يعاقب ويمتحن بهذا الشكل؟ هل مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ذنب عظيم وإثم كبير؟ وما السر الذي جعل كعبا يصبر ويصابر رغم قساوة الحكم؟ لماذا انظبط الصحابة للأمر النبوي ولم يخالفوه؟

أسئلة ملحة وبالغة الأهمية ولكل رؤياه وتحليله وتبقى الصحبة والمحبة ورابط العقيدة أقوى رباط يهيمن على القلوب ويوثق الصلة مع المحبوب. فكيف إن كان المحبوب المصحوب سيد الكائنات ونور الأراضين والسماوات وشفيع الخلائق يوم الزحام يوم تنشر الصحف بين يدي رب الأرباب.

وبعد خمسين يوما جاء الفرج ونادى المنادي:

یاكعب بن مالك أبشر فخررتُ ساجدا، وعرفت أنه قد جاء الفرج! فآذن رسول االله صلى االله علیه وسلم بتوبة الله عز وجل علینا، حین صلى صلاةَ الفجر، فذهب الناس یبشروننا.

أسدل الستار عن قصة من أروع القصص حفظها التاريخ ورددها المسلمون عبر الأزمان لأخذ العبرة والدرس حتى يكون بناء مجتمع العمران الأخوي على أساس متين وسليم، ويكون للاحقين نصيب جزيل من نبع الخير كله: “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين” ونختم بتنبيه للإمام الحسن البصري فيما أخرجه بن أبي حاتم عنه قال : “يا سبحان الله ما أكل هؤلاء الثلاثة مالا حراما ولا سفكوا دما حراما ولا أفسدوا في الأرض أصابهم ما سمعتم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت فكيف بمن يواقع الفواحش والكبائر”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.