الحلقة الثالثة: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛ دراسة أصولية تطبيقية
ذ. محمد الغالي
الحلقة الثالثة:
فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة،
دراسة أصولية تطبيقية
ذ. محمد الغالي
الحلقة الأولى: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة، دراسة أصولية تطبيقية
الحلقة الثانية: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة، دراسة أصولية تطبيقية.
المبحث الثاني: عناصر فقه التنزيل وخصائصه.
المطلب الأول: عناصر فقه التنزيل.
لكي يكون التنزيل سليما وبعيدا عن الزلل والانحراف، لا بد له من مجموعة من العناصر المهمة التي تساعد على عملية تنزيل الأحكام الشرعية، وهي:النص والواقع والمكلف. فالنص هو “الدليل الذي يراد تطبيق حكمه و علتهو مقصده، والواقع هو ميدان الفعل والتصرف الذي سيكون محكوما بذلك النص وموجها نحو مقاصده وغاياته، والمكلف هو المؤهل عقلا وروحا وبدنا للملاءمة بين النص وأحكامه ومقاصده، وتنزيل ما ينبغي تنزيله من معالجة شرعية لمشكلات ذلك الواقع وأقضيته وأحواله”[1].
ولكي يتضح دور كل عنصر من هذه العناصر لا بد من التفصيل التالي:
- العنصر الأول: النص أو الدليل:
نعني بالنص في فقه التنزيل الدليل الذي يُراد تطبيق حكمه على المكلف، سواء كان النص من الكتاب أو السنة، والنص بهذا المعنى يمر بمرحلتين:
أ- المرحلة الأولى: فهم النص: وهنا يجب استحضار جملة المعلومات اللغوية والأصولية الضرورية في فهم النص الشرعي وإدراك مقصده وعلته وحكمه، وذلك مثل:”عموم اللفظ وخصوصه وظاهره وباطنه الذي لا ينصرف إليه إلا بدليل”[2]، يقول الإمام الباجي: “إذ لا يعدل عن الظاهر إلا بدليل”[3]، كما يجب إدراك”عامه وخاصه، ومطلقه ومقيده، ومفرده ومشتركه، ومنطوقه ومفهومه، وأمره ودلالته على الوجوب إلا إذا دل الدليل على غير ذلك. وكذلك ناسخه ومنسوخه وأسباب نزوله ووروده وتدرجه في بيان الأحكام، والتفاته في ذلك إلى الرفق والتخفيف والتيسير”[4].
فهذه المعلومات اللغوية والأصولية وغيرها وجب استحضارها لفهم النص ومن أجل الاستنباط أولا ثم التنزيل بعد ذلك. ومن أراد فهم النصوص والأحكام ينبغي أن يكون ذلك في إطار عادة العرب في الكلام والتواصل أيام نزول التشريع، وليس في إطار ما شهدته اللغة من تطور وتوسع بعد ذلك، “سواء في مدلول ألفاظها، أو في مدلول نظمها، وهذا لا يغفل جوانب الاستفادة من ذلك التطور واستثماره في الفهم”[5].
لكن هذه الاستفادة يجب أن تكون في حدود ما تعارف عليه في اللغة العربية زمن نزول الوحي ، حتى لا نقع في تأويلات وإسقاطات تبدع في الدين ما ليس منه. وقد أكد الإمام الشاطبي على هذا المعنى وربط فهم الوحي بضرورة فهم لسان العرب في قوله: “فمن أراد تفهمه -يقصد الوحي- فمن جهة لسان العرب يفهم، ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة…فإن قلنا إن القرآن نزل بلسان العرب، وإنه عربي وإنه لا عجمة فيه، فبمعنى أنه نزل على لسان معهود العرب في ألفاظها الخاصة، وأساليب معانيها، وأنها فيما فطرت عليه من لسانها تخاطب بالعام ويراد به ظاهره، وبالعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه، والظاهر يراد به غير الظاهر، وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره، وتتكلم بالكلام ينبئ أوله عن آخره، آو آخره عن أوله، وتتكلم بالشيء يعرف بالمعنى كما يعرف بالإشارة، وتسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة، والأشياء الكثيرة باسم واحد، وكل هذا معروف عندها لا ترتاب في شيء منه هي و لا من تعلق بعلم كلامها”[6]. هكذا تظهر أهمية المحافظة على اللغة العربية باعتبارها لغة التنزيل الذي لا تفهم أحكامه ومعانيه ومقاصده إلا بفهم صيغها وأساليبها المعهودة عند العرب في عصر التشريع.
ب- المرحلة الثانية؛ تنزيل النص: إذا كانت مرحلة الفهم أخذت من كتب الأصوليين الحظ الوافر والحيز الأكبر من حيث طرق استنباط النص، وكيفية تفسيره وتأويله، فإن مرحلة التنزيل لم تحظ بهذا الاهتمام ولم تنل حقها في التنظير الأصولي، حتى جاء الإمام الشاطبي رحمه الله وتطرق لشيء من ذلك من خلال حديثه عن تحقيق المناط وتحقيق المقاصد وتحقيق المآلات باعتبارها أسس وقواعد عامة لفقه التنزيل. وتعتبر مرحلة التنزيل هذه التمرة العملية لمرحلة الفهم، وإذا لم يكن للفهم واقع ينزل عليه فلا قيمة و لا أهمية للفهم أصلا.
إن النظر إلى النص من خلال مرحلة التنزيل يخالف النظر في النص مرحلة الفهم، حيث نرتقي بالنظر في واقع النص وملابساته وقرائنه وظروفه وأحواله، حتى يستطيع المجتهد تنزيله تنزيلا واقعيا سليما وصحيحا حسب مقاصده. لأن “الوقائع التي عالجتها النصوص إبان نزولها وقائع حية لاتصالها بالإنسان الحي-المكلف- ودراستها على أنها كذلك هو المنهج الصحيح الذي ينسجم مع منطق الحياة التي يتصف بها هذا الإنسان”[7].
ولا يصح في فقه التنزيل الاستشهاد بالنص من غير الجمع لكل حيثياته وملابساته، وجمع النصوص الواردة في الباب موضوع النازلة، كما لا يصح الاستدلال بالنصوص دون فهم سبب نزولها أو ورودها واستحضار سياقها التاريخي بالإضافة إلى سياقها النصي، كما لا يصح الاحتجاج بأجزاء من آيات أو بعض من الحديث دون إتمام المعنى وبلوغ المقصد منه. ولهذا “يكون إسقاط النصوص الشرعية من غير مراعاة لمجال التنزيل، يسيء إلى النص وإلى الدليل الشرعي”[8]، ويحقق نتائج عكس مقاصده.
- العنصر الثاني: الواقع أو البيئة.
تعد دراسة واقع الإنسان وبيئته من أعقد الدراسات وأعسرها، وذلك لطبيعة ذلك الواقع وتداخل معطياته وخيوطه وظواهره، وتسارع أحداثه وقضاياه ونوازله، لذلك فإن فهمه يعد أمرا مهما جدا عند عملية الاجتهاد التنزيلي، ولهذا “استحضره السلف والخلف بتفاوت من حيث مقدار الفهم ودرجات صوابه وملاءمته للحقيقة، ورتبوا عليه أحكامهم وفتاواهم و آراءهم، وأبرزوا بجلاء تحقيق قاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان والحال وتبدلها -فيما يقبل التبديل وليس في القواطع- بتبديل الواقع الحياتي ومشكلاته وظواهره وحوادثه”[9].
ويعد الواقع هو السياق التاريخي الذي يعيش فيه مجتمع ما، “ويندرج في ذلك عنصر الزمان والمكان والبنية التحتية والبنية الفوقية ومختلف فئات المجتمع ومؤسساته المعنوية والمادية”[10].
ويمثل الواقع بالنسبة لفقه التنزيل شرطه الأساس وميدانه الذي ينزل فيه، لأنه لا يوجد تكليف ينزل على مكلف مجرد عن واقعه، فكان النظر إلى الواقع عند التنزيل أمرا مهما لا مناص منه. ولا يجادل أحد في أن الاجتهاد الأصولي يأخذ بعدين: بعدٌ يتجه النظر فيه إلى النص من حيث ألفاظُه وعباراته ومعانيه. وبعدٌ يتجه النظر فيه إلى الواقع الخارجي وما يتبعه من لواحق وإضافات لتحديد محل الحكم وتحقيق مناطه الذي يرتبط به.
وقد نقل ابن القيم عن الإمام أحمد الخصال الخمس التي يجب أن تتوفر في من ينصب نفسه للفتيا، وبعد جرده للأربعة الأوائل[11]، قال:”وأما قوله الخامسة؛ معرفة الناس، فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم، فإن لم يكن فقيها فيه، فقيها في الأمر بالمعروف والنهي -عن المنكر- ثم يطبق أحدهما على الآخر، وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، فإنه إذا لم يكن فقيها في الأمر له معرفة بالناس تصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمحق بصورة المبطل وعكسه، وراج عليه المنكر والخداع والاحتيال، وتصور له الزنديق في صورة الصديق، والكاذب في صورة الصادق، ولبس كل مبطل ثوب زور تحتها الإثم والكذب والفجور، وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم لا يميز هذا من هذا، بل ينبغي له أن يكون فقيها في معرفة مكر الناس وخداعهم واحتيالهم وعوائدهم ، فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال، وذلك كله من دين الله”[12].
والمقصود بمعرفة الناس أن يعرف واقعهم ومجتمعهم وكل ما يحيط بهم “أن يعرف الواقع الذي يجتهد فيه، فهو لا يجتهد في فراغ، بل في وقائع تنزل بالأفراد والمجتمعات من حوله، وهذا هو الذي نسميه فقه الواقع”[13]. والواقع ليس إلا مجموعة الوقائع الفردية والجماعية، الخاصة والعامة، ومن ثم فإن فهم ذلك الواقع هو “فهم تلك الوقائع واستيعابها، وتبين طبيعتها وخصائصها، حتى يسهل تنزيل الحكم الشرعي عليها”[14]، وهذا ما عبر عنه الأصوليون بتحقيق المناط العام والخاص.
أما المواءمة بين النص والواقع واعتبار ذلك عند التنزيل فيكون من خلال فقه التنزيل الذي هو أعم من فقه الواقع، لأن “فقه التنزيل هو انبعاث من النص إلى الواقع، وفقه الواقع هو انبعاث من الواقع إلى النص”[15]، لذا اعتبرنا “فقه الواقع” مقدمة أساسية من مقدمات فقه التنزيل كما سيأتي بيانه.
- العنصر الثالث: المكلف أو الإنسان.
المكلف هو من تعلق حكم الشارع بفعله، ويعبر عنه الأصوليون بالمحكوم عليه. والتكليف في الشريعة هو الخطاب بالأمر أو النهي، كما يعتبر المكلف محور عملية الاجتهاد ومدارها، “فالنصوص ما جاءت إلا للمكلف، والواقع ما حدث إلا به، والذي يهمنا من المكلف عقله الذي يلائم بين مدلول النص وحوادث الواقع”[16]. واتفق العلماء على أن العقل هو أهم شروط التكليف، لأن العقل هو المخاطب في الإنسان.
فالشرع ما نزل إلا ليخاطب عقل المكلف، والعقل ما بلغ رشده وصوابه إلا بتوجيه الوحي وتصويبه، وتحديد دوره وصلاحياته،وهو الذي يتعامل مع نصوص الوحي وأدلته، ويفهم معانيها ومدلولاتها، ويستنبط مراميها وأسرارها ومقاصدها، لأن العقل شرط التكليف وأساس الدين.
وإذا علمنا أن سبب نزول الشريعة هي العناصر الثلاثة المكونة لفقه التنزيل وأولها الإنسان المكلف، فهذا الأخير هو كذلك يتفرع إلى ثلاثة عناصر فرعية؛ فإذا نظرنا إليه “بوصفه شخصا، تميزت فيه كليتان جامعتان هما: النفس والعقل. وإذا نظرنا إليه بوصفه نوعا برز عنصر ثالث وهو النسل”[17]. فالعناصر الفرعية للإنسان المكلف هي: العقل والنفس والنسل، باعتباره شخصا ونوعا. يقول الشيخ الطاهر بن عاشور:” إذا نحن استقرينا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع، استبان لنا من كليات دلائلها ومن جزئياتها المستقراة أن المقصد العام من التشريع فيها هو حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان. ويشمل صلاحه صلاح عقله وصلاح عمله وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه”[18].
هذه العناصر، والتي تدخل في المقاصد الضرورية، هي محاور الوجود الإنساني، والهدف منها الارتقاء بالحياة الإنسانية عبر المراحل الثلاثة: الضرورية والحاجية والتحسينية، وبأحكام شرعية تناسب كل مرحلة.
ويمثل عبد الوهاب خلاف لهذا الارتباط بين المراحل الثلاث بقوله:”أما البرهان على أن مصالح الناس لا تعدو هذه الأنواع الثلاث، فهو الحس والمشاهدة، لأن كل فرد أو مجتمع تتكون مصلحته من أمور ضرورية وأمور حاجية و أمور كمالية، مثلا: الضروري لسكنى الإنسان مأوى يقيه حرّ الشمس وزمهرير البرد ولو مغارة في جبل، والحاجي أن يكون المسكن مما تسهل فيه السكنى، بأن تكون له نوافذ تفتح وتغلق حسب الحاجة، والتحسيني أن يجمل ويؤثث، وتوفر فيه وسائل الراحة. فإذا توافر له ذلك فقد تحققت مصلحته في سكناه، وهكذا طعام الإنسان ولباسه وكل شأنه من شؤون الحياة”[19]. وليست هذه المقاصد الشرعية المذكورة مستقلة عن بعضها، وإنما يكمل بعضها بعضا، فالضروريات تكتمل بالحاجيات والتحسينيات، والحاجيات تجملبالتحسينيات فهي مرتبطة بينها ارتباط تكامل.
ولبيان أن الإنسان -المكلف- هو محور التشريع، وجب التذكير بالاعتبارات التالية:
أ- الأهلية والخصوصية: فالإنسان يمر بعدة مراحل، فهو قد يكون جنينا في بطن أمه وقد يكون طفلا غير مميز وقد يكون مميزا، وقد يكون بالغاً وقد يكون راشدا، والشريعة وضعت لكل مرحلة تصحب الإنسان أحكاما تناسبها. وكذلك فإن الإنسان تعتريه حالات نفسية أو صحية أو عقلية، تجعل المكلف غير قادر على التطبيق، مما يوجب على المشرع تحديد الحكم المناسب للمرحلة والحالة بعينها،”فهو معلوم ومعقول أن تكليف من ليس له عقل أو من لم يتهيأ عقله بعد، سواء بعدم نضجه بتمام البلوغ آو بتمام الاستعداد والاقتناع، هو في حكم تكليف المجانين والبُله الذين وإن كان لهم عقل فهو في عالم المادة أو الحس المتمثل في كتلة المخ المحفوظة في الدماغ، وليس عقلا يتمثل في ملكة الفهم والاستيعاب والتميز والتفكير”[20].
يضاف إلى ذلك اعتبار الخصوصية بين المكلفين، فالتنزيل لا يكون عاما في كثير من الأحيان، بل يجب مراعاة خصوصية المكلفين، فما يجوز لمكلف قد لا يجوز لمكلف آخر ولا يتحمله، وما جاز لمكلف أو مجموعة من المكلفين قد يكون حراما على بعضهم…وهكذا.
ب- الحرية والإسلام: أن يكون الإنسان حرا مكلفا سليما ليحصل الامتثال لأمر الشارع ويتم تنزيل النص بشكل صحيح وطبيعي. والعقل الذي نتكلم عنه هنا –كشرط للمكلف سبق ذكره- ليس عموم أي عقل، بل هو العقل الإسلامي الذي ينبغي أن يتحرك في دائرة الشرع وضوابطه، وليس في منظومة الهوى والتلذذ والتشهي. وإذا قلنا العقل الإسلامي، قصدنا به العقل الذي يتخذ من الإسلام منهجا له في تحركه وفعله واستنتاجه وحكمه. ومعلوم شرعا وعقلا وحسا ومنطقا أن”الإسلام دين الفطرة السليمة ورسالة الإنسانية في اعتدالها وقيمها، فأحكامه وتوجيهاته مستساغة عقلا، ومبرهنة منطقا، ومقبولة طبعًا ومألوفة فطرة، ومستحسنة عرفا وعادة، وهذا الذي عبر عنه قديما بتطابق المنقول مع المعقول، وما يظن أنه مخالف لذلك فهو راجع إلى أن الأمر بين الوحي والعقل في المناط والمحل الواحد لم يتحقق على الوجه المطلوب”[21].
ج- حال المكلف وفقه الاستطاعة: أو ما يعبر عنه بالمناط الخاص في الأحوال، فتختلف قدرات المكلفين ضعفا وقوة في الإيمان والصبر والتحمل ورسوخ القدم في الدين، والاعتياد على المشقة والتعبد، وتفاوت في العزيمة والهمم، والله تعالى لا يكلف الإنسان إلا ما تطيق نفسه. ولذا طلب من المكلف التدرج في تلقي الأحكام الشرعية، كما كان التنزيل من أول الأمر، ولهذاأشار الشاطبي عند كلامه على المشقة غير المعتادة وأثرها في سقوط التكليف:”أن تكون المشقة غير معتادة، لكنها صارت بالنسبة إلى بعض الناس كالمعتادة، ورُبّ شيء هكذا، فإن أرباب الأحوال من العباد والمنقطعين إلى الله تعالى، المعانين على بذل المجهود في التكاليف، قد خصوا بهذه الخاصة، وصاروا معانين على ما انقطعوا إليه، ألا ترى إلى قوله تعالى: “وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين” البقرة؛45، فجعلها كبيرة على المكلف، واستثنى الخاشعين الذين كان إمامهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الذي كانت قرة عينه في الصلاة حتى كان يستريح إليها من تعب الدنيا، فقام حتى تفطرت قدماه، فإذا كان كذلك فمن خُص بوراثته في هذا النحو نال من بركة هذه الخاصية أرباب الأحوال وغيرهم”[22].
فالأشخاص المكلفون لا يستوون قوة وضعفا، وغنى وفقرا، وأمنا وخوفا، لذلك “تعينت مراعاة خصوصية مثل هذه الأوصاف في كل شخص، فليس الحكم للقوي مثل الضعيف، ولا للغني مثل الفقير، ولا للآمن مثل الخائف، ولا من كان في حال السعة كمن كان في حالة الاضطرار والحاجة”[23].
وهكذا نكون قد تعرفنا على العناصر الأساسية لفقه التنزيل: النص والمكلف والواقع.
المطلب الثاني:خصائص فقه التنزيل.
تمتاز الشريعة الإسلامية عن غيرها من الشرائع الأخرى بمجموعة من الخصائص تشكل المرجع العام والإطار الشامل والنظري للتشريع في الإسلام، فالشريعة رحمة كلها وعدل كلها، وما جاءت إلا لتحقيق مصالح العباد الآجلة والعاجلة، مما يجعلها صالحة لكل زمان ومكان، مرنة في قواعدها، وشاملة في مقاصدها، ونبيلة في وسائلها. بقدر ما هي تسع كل جديد، فهي كذلك ثابتة ومنسجمة في أركانها. وهذا كله من مظاهر إعجازها، لأن الذي رسم معالمها هو الوحي الإلهي، والذي حدد وظائفها ومقاصدها هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
ورغم ما قلناه عن الشريعة ومميزاتها، فإن ذلك يبقى في حكم النظري إن لم ينتقل من مرحلة فقه الفهم إلى فقه التنزيل، ومن فقه الواقع إلى فقه التطبيق، واعتبار المقاصد ومراعاتها في عملية الاجتهاد التنزيلي، إذ أنه كما “ينبغي تقييد المقاصد بالأدلة الخاصة والشروط القريبة، فيجب كذلك تقييدها بتلك الضوابط العامة والشروط الإجمالية، وإدراجها ضمن كبرى اليقينيات الدينية والمقررات الشرعية بغرض حسن التطبيق وتمام الجمع بين الكلي وجزئياته”[24]. وإذا كان الاستدلال على خصائص الشريعة يكون باستقراء نصوصها وأحكامها، فإن الاستدلال على خصائص فقه التنزيل كمنهج تطبيقي للشريعة يكون باستقراء قواعده وأركانه، وهنا الخلاف. فلذلك يتميز فقه التنزيل عن غيره من مناهج التشريع في القانون الوضعي بخصائص تصدر عن طبيعة مقوماته وأساسه والوظائف المنوطة به.
ويمكن أن نستنبط مجموعة من الخصائص لفقه التنزيل، نذكر أهمها حسب الأولوية وباختصار فيما يلي:
1- الأصالة والربانية:
الأصالة هي التمكن والثبوت والإحكام، وهي ضد الزيف والدخل والغش[25].ولكي يكون فقه التنزيل أصيلا ومتصفا بصفات الشرعية والربانية، لا بد له أن يرتبط ارتباطا متينا بالوحي، بالنداء الإلهي الموجه للإنسان من لدن خالقه، مرتبط بالسنة النبوية الشريفة. فالقرآن والسنة هما المصدران الأصيلان اللذان تقوم عليهما أصالة فقه التنزيل. قال تعالى في المصدر الأول: “ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا” النساء؛82، يقول ابن كثير في التفسير تعليقا على هذه الآية: “يقول تعالى آمرا عباده بتدبر القرآن، ناهيا لهم عن الإعراض عنه، وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، ومخبرا لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، ولا تضاد ولا تعارض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو حق من حق، لو كان مفتعلا مختلقا، كما يقوله من يقوله من جهة المشركين والمنافقين في بواطنهم (لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) أي: اضطرابا وتضادا كثيرا.أي: وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله”[26]. فأصالة فقه التنزيل من أصالة التنزيل نفسه.
وعن المصدر الثاني يقول تعالى:”وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى” النجم؛3_4. وليس يقصد بالأصالة هنا، ما هو متداول في عرف الناس من تقوقع على القديم ورفض كل جديد مهما يكن في القديم من الضرر، ومهما صاحب الجديد من نفع، وليست بأي حال رفضا لكل ما جاء من الغير، “لأن إبقاء كل قديم على قدمه وإغلاق باب الإبداع والاجتهاد والاستفادة من خير الكسب البشري هو سبيل العاجزين”[27]، وليس في الأصلين (القرآن الكريم والسنة الشريفة) في هذا السياق، وبالاستقراء، إلا التشنيع والذم لهذا الاتجاه، بل لهذا شرع الاجتهاد استنباطا وتنزيلا باعتبار متغيرات الأزمنة والأمكنة وتطورها، فكان أصلا أصيلا مؤصلا من الكتاب والسنة وعمل أهل الاعتبار من الصحابة والتابعين والعلماء الراسخين.
وتميز فقه التنزيل بخصيصة الربانية يستلزم الانقياد والامتثال إلى أحكامه، طوعا وعبادة وقربة إلى الله واستشعارا لمعنى قوله عز وجل:”فلا وربك لا يومنون حتى يُحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ويسلموا تسليما” النساء؛65، مع إناطة جميع تصاريف الحياة بتحقيق عبادة الله عز وجل وإفراده بالألوهية والحاكمية، والامتثال الأكمل والخضوع الأتم بأحكامه المتمثلة في هديه والمنزلة في وحييه، تحقيقا لقوله سبحانه:”وماخلقت الجن والانس إلا ليعبدون” الذاريات؛56.
وأصالة فقه التنزيل وربانيته سنكتشفها في الجزء التطبيقي من الباب الثاني من هذا الكتاب حين نقف على اجتهادات الرسول صلى الله عليه وسلم وتطبيقاته لتعاليم المدرسة الإلهية، وكيف صار صحابته الكرام على نفس النهج النبوي في حياتهم معه وبعده.
2- الشمولية والتكامل:
إن فقه التنزيل لا يقتصر على ناحية دون أخرى، بل يشمل مختلف مجالات الحياة، ولا يتقوقع في زمان دون آخر، لكنه يشمل كل المجالات وينظر إلى الماضي والحاضر ويستشرف المستقبل، يشمل الدعوة والدولة، والدنيا والآخرة، يفسر التاريخ والواقع لفتح النظر المستقبلية.
وهذا التميز كله مستمد من خاصية الربانية والمرجعية الإلهية التي أعطت المشروعية لفقه التنزيل وشموليته واتخاذه منهجا لتنزيل الأحكام على المكلفين وتحقيق مقاصدهم. ومن أراد أن يفقه الشريعة حقا، ويعرفها على حقيقتها كما أراد منزلها، وكما دعا إليها رسول الله، وكما فهمها أصحابه وتابعوه بإحسان؛ فإن عليه ألا ينظر في نصوصها وأحكامها مجزأة مبعثرة، لا رابط بينها و لا صلة لبعضها ببعض، بل عليه أن يربط بين أجزائها بعضا ببعض، وينظر في أحكامها نظرة شمولية مستوعبة، يقول القرضاوي: “لا ينبغي أن يستهويه تقسيم الفقهاء قديما، أو القانونيين حديثا، لأبواب الشريعة وأحكامها إلى عبادات وأنكحة، ومعاملات وجنايات وعقوبات، وأقضية ودعاوى وسياسة شرعية، وجهاد وعلاقات دولية، فإن الفقيه الحق يجد بين هذه الأبواب كلها ترابطا في كثير من الأمور، بحيث يؤثر بعضها في بعض، ويستمد بعضها من بعض، ويفسر بعضها بعضا، ويخدم بعضها بعضا”[28]. وبهذا التكامل يستطيع فقه التنزيل مواكبة مشكلات الواقع وحلها.
ومناط التكامل والتنسيق في فقه التنزيل هو مناط الشمولية فيه، وهي ربانية، والتكامل في الأصل أن تعمل أجزاء الكل بانتظام وتعاون في خدمة مقصد مشترك، بحيث “لا تتنافر ولا تتضارب ولا يصطدم بعضها ببعض لا ترى بينها إلا الوحدة والانسجام، كما أنها تتناسق أيضا مع ما يجاورها أو يتصل بها من أشياء، وهي خصيصة شرعية كونية واضحة في كل ما خلق الله وشرع”[29].
ولفقه التنزيل وصف التكامل من جهة أخرى، باعتباره منهج التوفيق بين الوحي المجرد والواقع الجاري، إذ “قد تطرأ على عناصر الواقع من الملابسات ما تصير به بعض أفعال الإنسان مؤدية، لو أجريت بحسب الحكم الديني المجرد، إلى إلحاق ضرر به في ناحية أخرى من نواحي حياته قد يكون أبلغ من النفع الذي يحصل بذلك الإجراء”[30]. فقيمة التكامل في فقه التنزيل هي فهم واقع المكلف وما يليق به وبتصرفاته حسب الظروف والأحوال المحيطة بحياته.
3- الواقعية والأخلاقية:
يعتبر فقه التنزيل صلة وصل بين الوحي والواقع، هنا تكمن واقعيته، ونقصد بواقعية فقه تنزيل الأحكام “كونه نسقا مخصوصا قادرا على معالجة الأوضاع الواقعة في حياة المسلمين بمراعاة خصوصياتها وملابساتها”[31]، وصمود الشريعة بمقاصدها خلال أربعة عشر قرنا، وقدرتها على التطبيع في العصر الحالي في مواطن شتى من المعمور، وصلاحية نصوصها ومبادئها التي جمعت بين الثبات والتطور، بين الأصالة والاجتهاد، بين أدلة نقلية وأصلية وأدلة استصلاحية وتبعية، واتصاف المقاصد بالوضوح والظهور والانضباط ، ما يثبتها أمام المتغيرات والتطورات، ويزيل عنها سلبيات التوظيف والتعسف بسبب الاضطراب العقلي وتشويشه، وتعارض الميول والأهواء، وتضارب المنافع والمكاسب. “إن كل ذلك يدل على أن المقاصد لم تصلح لزمان ماض فقط، ولم تناسب أمة دون أمة؛ فهي مسايرة للواقع الإنساني في سيرورته التاريخية، وهي تستمد خاصية الواقعية من نفس واقعية الشريعة وملاءمتها للتطبيق في كل زمان ومكان، ومسايرتها وانسجامها على مختلف البيئات والظروف”[32]، ودليل هذا نجده في شواهد التاريخوالواقع والأدلة والنصوص.
ولا تتحقق خصيصة الواقعية هذه إلا بجملة من الإجراءات يرجع بعضها إلى “التعامل مع الواقع المراد ترقية التدين فيه، ويرجع بعضها الآخر إلى التعامل مع الإقتضاءات الأصلية المراد صياغتها صياغة واقعية”[33]، وهنا قمة التحدي لفقه التنزيل وكيف له أن ينزرع في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وأن ينتقل من مثال إلى واقع؟
ويرتكز فقه التنزيل على الطابع الخلقي القيمي الإنساني، لأن أخلاقية الشريعة تجسد أسمى مقاصدها، بقيامها على كبريات الفضائل ومكارم الأخلاق وعظيم القيم، وسعيها إلى تمكين مكارم الأخلاق في النفوس ومبادئ العدل والحرية والشورى والمساواة الاجتماعية والتسامح الراقي والأمانة والأخوة والمحبة والتعاون، واستهجانها لمظاهر الفساد والظلم والاستبداد والغدر وخيانة الأمانة وكل مظاهر الجشع والاستغلال، وغير ذلك مما يبين أرقى مقاصد الشريعة وأحلى مطالب الرسالة المحمدية بعد توحيد الله وعبادته. فقد جاء في الهدي النبوي الرائع بيان الغرض من البعثة في قوله صلى الله عليه وسلم: “إنما بعثت لأتمم مكارم (وفي رواية صالح) الأخلاق”[34].
وبناء عليه كان فقه التنزيل، وهو الخادم الوفي للشريعة، ذا نزعة أخلاقية لا تحيد به عن استشراف المُثل الخيرة والقيم الفاضلة تثبت موضوعية التشريع وصرامته في آن واحد. وإن قام فقه تنزيل الأحكام على سلوك نظم تجريدية ، وملاحظة أوضاع عمومية وربط المشروعية وأناطها بما عهد في الغالب من ظاهر الأحوال، فإنه أحاط أيضا بالخصوصيات التي تلحق بعض المحال والمناطات، “لأن نوازع الضعف البشري قد تتحرك كوامنها في بعض الأحوال لتتمرد على سلطان الشرع، أو تتحايل على أحكامه وتكاليفه، وقد تجعل منها سبيلا إلى خرق أصول العدل وقيمه، لذلك رفع من شأن القيم الأدبية إلى أن اعتبرها مناطا للصحة والفساد في تصرفات المكلفين، فجعل من النية أو الباعث معيارا لصحتها أو بطلانها”[35]. فإذا كان مطلوبا من فقه التنزيل أن يكون واقعيا فالمفروض عليه أن يحافظ على أخلاقيته.
4- العقلانية والغائية:
إن المقاصد الشرعية المقدرة تتلقاها عقول العامة والخاصة بالقبول والتأييد، لما فيها من مطابقة الفطرة ومسايرة الأعراف ومناسبة العقول. فمقاصد الكليات الخمس، وسيادة الشورى والعدل، ورفض الظلم والغدر، ومعاقبة الجاني، ومحاربة الظالم، ونشر الأمانة والصدق ومحبة الخير، وتنفيس الشدائد عن المنكوبين وتفريج الكرب عن المدينين، ومنع الغرر والضرر والإعانة على المعروف والفضائل، والحث على الطهارة في المكان والزمان والثياب والبدن، والتربية على طهارة اللسان والنفس والقلب، وتنظيم الزواج المشروع والحفاظ على النسل ومحاربة الفساد وغير ذلك من المبادئ والمقاصد على تنوعها واختلاف مراتبها -كلها- “تتسم بالمعقولية والمنطقية، ولا يجحدها إلا أصحاب العقول المختلة والأمزجة المهتزة”[36]. فلما كانت الصبغة العقلانية حاضرة بقوة في تحديد مفهوم المصلحة في التشريع الإسلامي من خلال إعطاء سائر التصرفات بعدا منطقيا، فإن تلك القواعد ترجمت حضور المعنى العقلي في مفهوم المصلحة وطبعت قواعد منهج فقه التنزيل بطابع العقلانية.
وكل ما يبدو من تعارض ظاهري بين المنقول والمعقول، “فهو راجع إلى أن المنقول ليس في وسع العقل فهمه واستيعابه، أو أنه محمول على ظاهره، ولكن التأويل الصحيح يزيله، أو أنه أدعي أنه منقول، وهو غير ذلك، أو أن العقل قد أخطأ فيما توصل إليه من نتائج”[37]. و يقع مثل هذا في أخبار الآحاد.
ومن الخصائص المهمة لفقه التنزيل؛ خاصية الغائية أو القصدية، فإذا كان الاجتهاد التنزيلي يقوم أساسا على المقاصد الشرعية، فإن معرفة مقصد الشارع من الحكم الشرعي يعين على فهم النص على وجهه الصحيح، “ثم تساعد على حسن تنزيله على الوقائع سواء من جهة الاهتداء بفهم المقصد العام في تنزيل الحكم الكلي على الجزئيات، أو الترجيح بين ما ظاهره التعارض”[38]. وبهذا يكون فقه التنزيل هو المعيار في ترتيب المقاصد الشرعية الضرورية، وإلا قد يقود غير ذلك إلى الخطأ في تطبيق الشريعة لأنه ثمة رؤية خاطئة في النظر إلى هذه المقاصد، وهي رؤية تقوم على “تعيين المقاصد أو المصالح بناءً على المفاهيم السائدة في المجتمع، أو بناء على المفاهيم التي يحملها أهل النظر، أو المعرفة والخبرة، أو القرار في المجتمع وقد تكون هذه المفاهيم متأثرة بالأحكام الشرعية وقد لا تكون”[39]، وبهذا الاعتبار تكون هذه المقاصدُ مصالحا وتعد شرعيةً، فينبني التشريع عليها، ويُعدُ المؤدي إليها والخادم لها شرعياً، والهادم لها مفسدة وممنوعا أو حراما.
وبما أن فقه التنزيل يسعى إلى تطبيق الحكم الشرعي مع تحقيق مقاصده ومصالحه، وجب الأخذ بعين الاعتبار أصل المآل، “فمآل التطبيق هو الذي يكيف الفعل بالمشروعية وعدمها، لأنه من البديهي أن تطبيق أيّ حكم في الشريعة، إذا تحقق المجتهد أو غلب على ظنه، أنه يفضي في ظرف من الظروف، إلى مآل يناقض هذه (المقاصد) التي استهدفها التشريع، فإنه لا يجوز المصير إلى ذلك بأي حال من الأحوال، لمنافاة ذلك للنظام الشرعي العام في مقاصده وأهدافه، ولا يقول بهذا عاقل فضلا عن مجتهد”[40].
ولهذا رأى الإمام الشاطبي أن النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا، سواء كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، لأن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام آو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك من فعل، “إذ الحكمة لا تقتضي التطبيق الآلي للأحكام دون النظر لما قد يؤول إليه ذلك التطبيق وما يسببه من تداعيات قد تعود على المقاصد الشرعية بالنقص، بل هو محكوم بأصل النظر في المآلات الواقعة أو المتوقعة”[41]. وعليه تكون غاية فقه تنزيل الأحكام هو جلب المصالح ودرء المفاسد، وأن اعتبار المآلاتوالمقصدية المستقبلية ركن أصيل في فقه التنزيل.
5.المرحلية والمرونة والتدرج:
من خصائص فقه التنزيل مراعاة المرحلية التي يعيشها المكلف والواقع الذي تحدده المرحلية، وهكذا كانت الأحكام التشريعية تنزل مناسبة لمرحلة المكلف وواقعه، وما يستدعي ذلك من مرونة وتوازن ووسطية وتدرج.وقد كانت هذه المرحلية المتدرجة في تنزيل أحكام الدين سنة نبوية، في التبشير بالإسلام، حيث كانت الأحكام التعبدية والأحكام المنظمة للحياة تنزل في الوحي منجمة، ويربى عليها المسلمون منجمة كذلك، وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاما “خلصت الحياة بالتدرج من الجاهلية إلى الرشد، وأنجزت أحكام الدين في واقع الحياة، وكما كان التدرج في تنزيل الأحكام كميّاً بتواليها أحكاما بعد أخرى، فقد كانت كيفيا أيضا بتصاعد الحكم الواحد من الأخف إلى الأشد في التكليف إيجابا وتحريماً، كما هو معلوم في إيجاد الصلاة وتحريم الخمر”[42].
ويظهر ذلك جليا في فرض العبادات، فالصلاة فرضت أول ما فرضت ركعتين، ثم أقرت في السفر في هذا العدد، وزيدت في الحضر إلى أربع في كل من الظهر والعصر والعشاء وثلاث في المغرب، والصيام فرض أولا بالتخيير، والزكاة فرضت بمكة مطلقة، حتى قيدت في المدينة، والمحرمات أيضا لم يأت تحريمها دفعة واحدة، فلم يكن من الحكمة فطام الناس عنها بأمر مفاجئ يصدر لهم، وإنما الحكمة إعداد إيمانهم لتقبلها، وأخذهم بقانون التدرج في تحريمها. عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: “إنما نزل أول ما نزل منه(القرآن) سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا تاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدا… الحديث”[43].
فمن الخطأ إذن في فقه التنزيل القفز على المرحلية وضرب الواقع الذي يعيشه المكلف في التنزيل للأحكام، ومن هفوات بعض الدعاة في واقعنا اليوم معارضتهم لأسلوب المرونة والتدرج، وتراهم يدعون إلى تطبيق الشريعة وتنزيل أحكامها بشكل شامل ومكتمل للأحكام الدينية وفي جميع مجالات الحياة. والتدرج الذي نعنيه هنا ونقصده هو التدرج في التنزيل؛ أي تنزيل الأحكام على واقع المكلف، وليس التدرج في الأحكام ذاتها، “هو تدرج في التنفيذ وليس تدرج في التشريع، فإن التشريع قد تم واكتمل بإكمال الدين وإتمام النعمة، وانقطاع الوحي”[44].
وهذه السنة الإلهية في رعاية المرونة والتدرج وغيرهما من الوسطية والاعتدال، ينبغي أن تُتّبع في سياسة الناس عندما يُراد تطبيق نظام الإسلام في الحياة اليوم، ولا نعني بذلك التسويف والتأجيل في التنفيذ، لكن نعني بها تعيين الهدف، ووضع خطة، وتحديد المراحل، بوعي وصدق، بحيث تسلم كل مرحلة إلى ما بعدها بالتخطيط والتصميم والتنظيم والزحف حتى تحقيق كليات المنهاج النبوي وجزئياته.
ومن مستلزمات المرحلية والتدرج، هناك الوسطية والتوازن، وهما عماد فقه التنزيل وسماته التي يقتضيها إجراء قواعده على الوحي والواقع، فالوسطية هي العدل والخيرية في كل شيء، قال تعالى: “كنتم خير أمة أخرجت للناس” آل عمران؛110، والرسول صلى الله عليه وسلم أفضل البشر وخيرهم، وقد قال عن شخصه وأصله الشريف: “أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله تعالى خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين، فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا، فجعلني في خيرهم بيوتا، فأنا خيركم بيتا، وأنا خيركم نفسا”[45]. كل هذا التميز لكي يكون تشريعه خير تشريع وأوسطه، ومنهاجه النبوي خير منهاج وأمته خير أمة عرفتها البشرية.
أما التوازن في فقه التنزيل فهو يعتمد على تحقيق المناط منه، والذي يقوم أساسا على فقه الموازنات الذي “يسدد جلب خير الخيرين ودفع شر الشرين، أو تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما”[46]. ولكمال فقه التنزيل لا بد له من أسس وقواعد ومستلزمات.
في الحلقة القادمة إن شاء الله سنتعرف وإياكم على أسس ومستلزمات فقه التنزيل.
يتبع…………
[1] الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، 1/57.
[2]المرجع السابق، 1/58-59.
[3] الإشارة في أصول الفقه، سليمان بن خلف الباجي، ص:92.
[4] الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، 2/59.
[5] فقه التدين فهما وتنزيلا، النجار، 1/91-92.
[6] الموافقات، الشاطبي، 2/65-66.
[7] الحكم الشرعي، رشيد سلهاط، ص:206.
[8] فقه التنزيل، أحمد المعماري، ص:81
[9] الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، 2/66.
[10] جدل الأصول والواقع، حمادي ذويب، ص:21.
[11] قال ابن القيم: “لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال؛ أولها: أن تكون له نية، فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نور، والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة، والثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته، والرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس، والخامسة: معرفة الناس” ينظر: إعلام الموقعين، 4/241.
[12]إعلام الموقعين،ابن القيم، 4/223-224.
[13] في الفقه والفتوى والاجتهاد، القرضاوي، ص:30.
[14] الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، 2/68.
[15] فقه التنزيل، أحمد المعماري، ص:89.
[16] الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، 2/77.
[17] الحكم الشرعي، رشيد سلهاط، ص:85
[18] مقاصد الشريعة الإسلامية، ابن عاشور، ص:63.
[19] علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف، ص:119.
[20] الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، 2/89 وما بعدها.
[21] الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، 2/81.
[22] الموافقات، الشاطبي، 2/135.
[23] الاجتهاد تأصيلا وتأريخا وتجديدا، محماد رفيع، الناشر: المركز العلمي للنظر المقاصدي في القضايا المعاصرة، الطبعة الأولى، سنة:2022م، ص:61.
[24] الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، 2/25. وينظر: ضوابط المصلحة، البوطي، ص:116.
[25]ينظر:الصحاح، الجوهري، تاج العروس، الزبيدي، (مادة: أصل).
[26]تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 2/364.
[27] الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد، يوسف القرضاوي، ص:24.
[28] دراسة في فقه مقاصد الشريعة، القرضاوي، ص:149.
[29] مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، القرضاوي، ص:127.
[30] فقه التدين فهما وتنزيلا، النجار، ص:192.
[31]المرجع السابق، ص:180.
[32] الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، 2/29-30.
[33] فقه التدين فهما وتنزيلا، النجار؛ ص:181.
[34]أخرجه الحاكم في المستدرك، من كتاب آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم: 4280، وقال: “هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه”. والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الشهادات، باب مكارم الأخلاق ومعاليها، رقم:20782. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم:45.
[35] اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات، عبد الرحمان السنوسي، ص:45.
[36] الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، 2/32.
[37] فقه التدين فهما وتنزيلا، النجار،1/49.
[38] في الاجتهاد التنزيلي، بشير بن مولود، ص:50.
[39] المقاصد عند الإمام الشاطبي دراسة أصولية فقهية، محمود عبد الهادي فاعور، 1/241.
[40] المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي، فتحي الدريني، ص:193-194.
[41] الاجتهاد التنزيلي، بشير بن مولود، ص:13.
[42] فقه التدين فهما وتنزيلا، النجار، 1/99.
[43] أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن، رقم:4707.
[44] السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها، القرضاوي، ص:305.
[45] أخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في فضل النبي صلى الله عليه وسلم، رقم:3614، وقال: “حديث حسن”. وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم:1472.
[46] مجموع الفتاوي، ابن تيمية، 20/30.