الحلقة 15: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛ دراسة أصولية تطبيقية
ذ. محمد الغالي
الحلقة 15: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛
دراسة أصولية تطبيقية
ذ. محمد الغالي
البعد التنزيلي في فقه السيرة النبوية
تمهيد:
قرر الإمام الشاطبي بأن الشارع الحكيم قد اهتم بالبعد التنزيلي في التشريع؛ و رعى في إثبات بعض الأحكام وسنها طبْع الإنسان، فقال: “المطلوب الشرعي ضربان؛ أحدهما: ما كان شاهد الطبع خادما له معينا على مقتضاه، بحيث يكون الطبع الإنساني باعثا على مقتضى الطلب، والثاني: ما لم يكن كذلك”[1].
كما نبه إلى أن الشارع الحكيم قصد إجراء العمومات الشرعية مراعيا ظروف الناس وأحوالهم وعوائدهم، بقوله: “لا بد من إجراء العمومات الشرعية على مقتضى الأحكام العادية؛ من حيث هي منضبطة بالمظنات، إلا إذا ظهر معارض، فيعمل على ما يقتضيه الحكم فيه”[2].
ويدخل في هذا المعنى “ما شرع لعذر شاق، استثناء من أصل كلي يقتضي المنع، مع الاقتصار على مواضع الحاجة”[3]، وهو ما يعبر عنه بالرخصة[4] وهي مراعاة من الشارع لمحل الحكم واعتبارا لمن تعذر عليه الإتيان بعزيمة الأمر، وتشريع الرخص جاء بعد استقرار الحكم.
كل ذلك مقصد من الشارع لرفع الحرج والضيق عن المكلفين والتوسعة في حياتهم “ولا ريب أن اتخاذ الشريعة لهذا المسلك في التشريع هو مراعاة لهذا الواقع المتشعب، المختلف الظروف والأحوال”[5]، إذ لا بد من اعتبار الواقع الذي ستجري عليه الأحكام.
وكما أن البعد التنزيلي في أحوال التشريع مبين وبارز في القرآن الكريم والسنة النبوية، فإنه من يستعرض السيرة النبوية الشريفة يجد النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس حسب أفهامهم، ويعاملهم حسب قدراتهم وكفاءاتهم، ويراعي أحوال العباد والبلاد في المنشط والمكره.
المطلب الأول: مسلك السيرة النبوية في تعليل الأحكام عند التنزيل.
بَيْنَ مسلك القياس الأصولي في تأسيس علم الأصول وإرجاع العلة إلى المصلحة الشرعية، ومسلك التقعيد الكلي المنضبط بالقواعد الفقهية والأصولية؛ يأتي المسلك الفقهي الجامع بين التعليل بالأوصاف الظاهرة المنضبطة والتعليل بالمصلحة، بحيث يشتمل على حكمة تبعث المكلف على الامتثال، وتصلح شاهدا لإناطة الحكم بالعلة[6]. وقد سلك القرآن الكريم كما السنة النبوية هذا المسلك في تعليل الأحكام:
أما القرآن الكريم فقد سلك في تعليله[7]، وبيان أسباب أحكامه طرق عديدة، حتى لا تسأم منها النفوس، وتملها الأسماع؛ ونوع في ذلك وأجمل وفصل. فتراه مرة يذكر وصفا مرتبا عليه حكما، فيفهم السامع أن هذا الحكم يدور مع الوصف أينما وجد؛ مثل قوله تعالى: “وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة” (النساء:101) ، وأخرى يذكر مع الحكم سببه، مقرونا بحرف السببية مقدما أو مؤخرا؛ قوله سبحانه:”من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا” (المائدة:32)، وطورا يأمر بشيء ويردفه بوصفه بأنه أطهر أو أزكى؛ ومثاله قوله عز وجل: “وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب، ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن“(الأحزاب:53) ، وحينا يذكر الحكم معللا إياه بحرف من حروف التعليل؛ كمثل قوله عز من قائل: “فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المومنين حرج في أزواج أدعيائهم” (الأحزاب:37)، وفي مواضع كثيرة يأمر بالشيء مبينا مصالحه، أو يحرم الشيء مبينا مفاسده المترتبة على فعله؛ كما في آية إعداد القوة:”وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم“(الأنفال: 60). والمتتبع لآيات التشريع في الكتاب الحكيم يجد من ذلك الشيء الكثير.
إن الله تعالى شرع الأحكام لمقاصد عظيمة؛ لجلب المصالح للناس، ودفع المفاسد عنهم، يقول الشاطبي: “وأما العلة؛ فالمراد بها: الحِكَم والمصالح التي تعلقت بها الأوامر أو الإباحة، والمفاسد التي تعلقت بها النواهي(…) والعلة على الجملة هي المصلحة نفسها أو المفسدة لا مظنتها، كانت ظاهرة أو غير ظاهرة، منضبطة أو غير منضبطة”[8].
وصرح الأصوليون بأن العلة على الحقيقة هي المصلحة، وأن الوصف المناسب الذي يصح التعليل به هو “الوصف الذي لَوْ شرع الحكم معه يكون في تشريعه جلب نفع أو دفع ضرر أو رفع حرج”[9]. ويقول القرافي: “والحكمة هي التي لأجلها صار الوصف علة(…)والمظنة هي الأمر المشتمل على الحكمة الباعثة على الحكم(…) فما خلا عن الحكمة فليس بمظنة”[10]. ويقر الحكيم الترمذي الخلاف الواقع حول هذه المسألة، وينتصر للتعليل قائلا: “وليس يدفع هذا أحد منا ولكن عللها قائمة عَلِمها من علمها، وجَهِلها من جهلها(…) ومع هذا يستيقن أنه لم يكن في المقادير شيء يجري على العباد إلا بحكمة”[11]. ومن معاني الحكمة؛ الحجة والبرهان.
وقد سلك النبي صلى الله عليه وسلم، في سيرته وسنته، مسلك القرآن الكريم في تشريع الأحكام، “تلك الطريقة الواضحة التي لا الْتواء فيها ولا اعوجاج، فغاير ونوع وفصل وأجمل؛ فبينما تراه يقول: حرم الله كذا، أحل الله كذا، مقتصرا على هذا التقدير، إذ بك تسمع منه نوعا آخر يذكر الحكم مبينا سببه الذي من أجله شرع، أو موضحا معه ما يترتب عليه من مصالح دنيوية أو أخروية. وكيف لا يكون من ذلك، والناس متفاوتون كما خلقهم الله؟ على أن في بيان العلل والأسباب ضربا من التقريب للأذهان، فيسارع الناس إلى الامتثال”[12].
والمتتبع لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يجد الكثير من المواقف والأحداث والأحكام التي صدرت عنه عليه الصلاة والسلام حسب الحاجة والمصلحة. والشواهد على ذلك كثيرة منها:
أولا: ترك النبي صلى الله عليه وسلم لأعمال مخافة أن تفرض على الناس:
قد حصل وأن ترك النبي صلى الله عليه وسلم مجموعة من الأعمال العبادية، مراعاة لحال الناس واعتبارا لضعفهم، وعدم استطاعتهم تحمل مشاق ذلك العمل، وفي ذلك يقول الشاطبي: “كان النبي صلى الله عليه وسلم يترك العمل وهو يحب أن يعمل به مخافة أن يعمل به الناس فيفرض عليهم”[13]. كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم بفعله ذاك يحقق مقصدا من مقاصد الشارع؛ وهو عدم التسوية بين الواجب والمندوب، فلزم بذلك التفرقة بينهما قولا وعملا[14]، وعدم الالتزام بالمندوب حتى لا يُظن أنه واجب. والأمثلة على ذلك كثيرة في السيرة النبوية، نقتصر في الآتي على ما يفي بالغرض:
1- الحديث الأول: عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلى ذات ليلة – شهر رمضان- في المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: “قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أنني خشيت أن تفرض عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به. فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة”[15].
في هذه الواقعة يظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع عن إمامة الصحابة في تراويح رمضان، لما وجد رغبتهم في ذلك، خشية أن تفرض عليهم، ثم يأتي زمن يضعف فيه الناس فيتهاونون فيها ويعجزون عن أدائها، وهذه المفسدة هي العلة في امتناع الرسول صلى الله عليه وسلم عن إمامتهم، رغم جواز صلاة التراويح جماعة.
وقد أشكل على بعض العلماء هذا التعليل بخوفه صلى الله عليه وسلم من الافتراض مع أن الله تعالى لا يُبدل القول لديه، لما أثبت الصلوات الخمس وهي عند الله تعالى خمسون- في حديث الإسراء- لكن قُيد “بأن خوفه صلى الله عليه وسلم كان من افتراض قيام الليل، يعني: جعل التهجد في المسجد جماعة، شرطا في صحة التنفل بالليل”[16]، وهذا ما جعله يمنعهم من التجمع في المسجد إشفاقا عليهم من هذا الشرط، وضعف القيام به طلبا للمصلحة في حقهم.
2- الحديث الثاني: عن عائشة رضي الله عنها قالت: “ما رأيت رسول الله صلى الله عليم وسلم يصلي سُبحَة الضحى قط، وإني لأسَبِّحُها، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيُفرض عليهم”[17].
فأنت ترى عائشة أم المؤمنين تعلل امتناع الرسول صلى الله عليه وسلم عن صلاة الضحى، وهي نافلة محمودة، في بيته وأمام زوجاته؛ مخافة أن يحسبها الناس واجبة، أو حتى لا يعتادوها فتفرض عليهم فيشق عليهم الالتزام بها عند ضعفهم وفتورهم.
3- الحديث الثالث: عن زيد بن خالد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل ولأمرتهم بالسواك مع كل صلاة”[18]. وفي رواية لأبي داود عن أبي هريرة يرفعه، قال: “لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء إلى ثلث الليل واستعمال السواك عند كل صلاة”[19].
فالنبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن تأخير صلاة العشاء واستعمال السواك في كل صلاة؛ أمران مهمان، ولهما فوائد كثيرة، وصالحان للتشريع، ولكن ما يمنعه من ذلك هو ما يمكن أن يلحق الناس من مشقة تنفرهم عن الامتثال والالتزام. ولذلك عدل عليه الصلاة و السلام عن هذا الحكم إلى غيره دفعا لكل مشقة محتملة.
ثانيا: ترك النبي صلى الله عليه وسلم المطلوب خوفا من حدوث مفسدة:
وهذا ضابط هام في الشريعة وهو ترك بعض الاختيارات لعلة حدوث المفاسد، “ويستفاد من ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، وترك إنكار المنكر خشية الوقوع في ما أنكر منه. وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولا، ما لم يكن محرما”[20]. ومعيار تقدير المصالح والمفاسد هو توقع الصلاح والفساد عند تنزيل الأحكام، وتفاعلها مع الواقع، وما يؤدي إليه. والأحاديث التالية تبين ذلك:
1- الحديث الأول: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الجدر، أمن البيت هو؟ قال: نعم، قلت: فما بالهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: “إن قومك قصرت بهم النفقة”، قالت: فما شأن بابه مرتفعا؟ قال: “فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا، لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت وأن ألصق بابه بالأرض”[21]. وعند مسلم بلفظ: “لولا أن قومك حديثو عهد بالشرك لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم”[22].
فالنبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن تغيير البيت من قِبَل قريش منكر يجب إزالته، ولكنه امتنع عن ذلك، لما يترتب عنه من مفسدة أعظم من المصلحة المطلوبة؛ لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة إقامة بيت الكعبة على قواعده، ولأن قريشا ألفت هذا الوضع، وتمكنت العادات من قلوبهم، ولربما هذا التغيير من الرسول صلى الله عليه وسلم يؤدي إلى نفورهم والرجوع إلى الشرك، ولذلك ترك تغيير بناء البيت لما في إبقائه من تأليف القلوب كما يقول ابن تيمية[23]. وهذه علة الامتناع.
2- الحديث الثاني: روى مسلم عن جابر رضي الله عنه، أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم – بالجُعرانة منصرفه من حنين- فقال له: أعدل! قال: “ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبْت وخسرت إن لم أكن أعدل”. فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله، فأقتل هذا المنافق، فقال: “معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي”[24]. وعند البخاري: أنه لما قال عبد الله بن أبي : قد فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعز منها الأذل. قال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه”[25].
من خلال هاتين الواقعتين، يتبين لنا أولا أن النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على سمعة الدعوة المحمدية من كل ما من شأنه أن يسيء إليها، ثم أن انتشار مثل هذه الأخبار، بأن النبي صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، من شأنها أن تنفر الناس عن الإسلام وتبعدهم عن الدين. وبالتالي وجب تغليب مصلحة التأليف عن مصلحة القتل رغم مشروعيته؛ لأن مفسدة التنفير أكبر وأعظم من مسألة ترك قتل المنافق.
3- الحديث الثالث: لما نزلت آية الرجم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله جعل لهن سبيلا”، فقال أناس لسعد بن عبادة؟ يا أبا ثابت قد نزلت الحدود، أرأيت لو وجدت مع امرأتك رجلا كيف كنت صانعا؟ قال كنت ضاربه بالسيف حتى يسكتا ! فأنا أذهب وأجمع أربعة شهداء! فإلى ذلك قد قضى الخائب حاجته فانطلق، وأقول رأيت فلانا فيجلدوني ولا يقبلون لي شهادة أبدا! فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: “كفى بالسيف شاهدا”، ثم قال: “لولا أني أخاف أن يتتابع فيها السكران والغيران!”[26]. فسبب تراجع النبي صلى الله عليه وسلم عن إباحة القتل في مثل هذه الحالات، ونهيه عنه في بعض الروايات، بعدما وافق سعدا على ذلك ورآه مشروعا له، هو خوفه عليه الصلاة والسلام من اختلاط الأمر بين الفاسد السكران والصالح الغيران، ويكثر القتل بغير حق وتقع فتنة ومفسدة كبيرة.
4- الحديث الرابع: أخرج مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه في شأن الرجل الذي وقصته دابته وهو محرم فمات: “لا تقربوه طيبًا فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيا”[27]، لما ظنوا أنه كغيره من الموتى، بين لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن الأمر على غير ما فهموه؛ وأنه يُبعث كحالته التي مات عليها تشريفا له في موقف العرض يوم القيامة.
وفي هذا تنبيه إلى محافظتهم على ما أمروا به من اجتناب الطيب في الإحرام[28]؛ فإذا كان الذي يموت على هذه الحالة يبعث ملبيا فأحرى به أن يكون أكمل حالات الإحرام. وقد يفهم بعضهم أن الحكم شرعي من أجل سبب خاص، فبين لهم الرسول صلى الله عليه وسلم الصواب في ذلك، وأظهر العلة التي من أجلها شرع هذا الحكم.
ثالثا- نهيه صلى الله عليه وسلم عن بعض الأفعال المباحة وتعليل ذلك:
وفيها يراعي الرسول صلى الله عليه وسلم حال المكلف أحيانا وظروفه الصحية والاجتماعية، وأحيانا يراعي مصلحة المجتمع وما يمكن أن يؤول إليه هذا الفعل من مفسدة أو مضرة على الأفراد، وهذه الأمثلة كثيرة نذكر منها الحوادث التالية:
1- الحدث الأول: عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذو مال، و لا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت بالشطر؟ فقال: لا، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الثلث، والثلث كثير، أو كبير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك”[29].
إن تعليل قصر الوصية على الثلث في هذا الحديث، هو مصلحة الورثة، فالرسول صلى الله عليه وسلم يوجه سعد بن أبي وقاص لما يحصل به الثواب دون التصدق على الغير، ففي الإنفاق على الأقارب والورثة الواجب عليهم النفقة مزيدا من الأجر والثواب، إذا قصد وجه الله تعالى. فسدا لذريعة الحاجة التي يمكن أن تلحق العيال -فقراء يتكففون الناس- منعت الزيادة على الثلث في الوصية لمن له مال وفير.
2- الحدث الثاني: روى البخاري أن عبد الله بن عمر كان يبالغ في عبادته، فيصوم نهاره ويقوم ليله؛ ظنا منه أن في هذا رضا مولاه، أو هو المقصود من الأسوة الحسنة برسول الله. حتى شكاه أهله، قال عبد الله: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟” قلت: إني أفعل ذلك، قال: “إنك إذا فعلت هجِعت عينك، ونَفِهت نفسك، وإن لنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فصم وأفطر، وقُم ونَم”[30].
فالرسول صلى الله عليه وسلم بين لهذا الصحابي، وللأمة من بعده، أن ما ترتب على هذا النوع من العبادة الشديدة من الضرر البالغ بالنفس، والضياع البيّن لحقوق الولد والأهل على مستوى مصالح الدنيا؛ سيؤدي لا محالة إلى ضياع المصالح الأخروية بعد ضعف النفس وعجزها عن أداء حقوق ربها، وبهذا يفوت عليه الخير الكثير الذي لا زال ينتظره.
3- الحدث الثالث: عن جابر رضي الله عنه قال: كان معاذ يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي فيؤم قومه، فصلى ليلة معه العشاء، ثم أتى قومه فأمهم، ففتح بسورة البقرة فانحرف رجل فسلم، ثم صلى وحده وانصرف، فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال: لا، والله ! ولآتين رسول الله فلأخبرنه. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا أصحاب نواضح نعمل بالنهار، وإن معاذا صلى معك العشاء، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة. فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على معاذ فقال:”يا معاذ أفتان أنت؟ إقرأ بكذا واقرأ بكذا”[31]. هنا يشرع الرسول صلى الله عليه وسلم التخفيف في الصلاة ويزجر المطولين ويصفهم بالمنفرين والفتانين، قال: “يا أيها الناس إنكم منفرين! فمن صلى بالناس فليخفف -أو فليوجز- فإن من ورائكم الكبير والضعيف وذا الحاجة”[32]. وهكذا يبين عليه الصلاة والسلام الباعث على التخفيف؛ فالطاعة إذا أدت إلى ضياع المصالح وألحقت بالناس الضرر، خرجت عن مقصود الشارع منها، وأيّ فائدة إذن في طاعة تؤدي إلى ترك الناس لها، وربما وصل الأمر بهذا الفعل إلى أكبر من ذلك و أعظم؛ وهو حصول الفتنة، والفتنة في الدين أشد من القتل.
4- الحدث الرابع: عن المسور بن مخرمة قال: سمعت رسول الله عليه وسلم يقول، وهو على المنبر: “إن بني هاشم بن المغيرة استأذنوا في أن يُنكحوا ابنتهم عليَ بن أبي طالب، فلا آذن لهم ثم لا آذن ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يُطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما هي بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها”[33]. إن امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن قبوله أن يتزوج علي بن أبي طالب على ابنته فاطمة ليس لحرمة الفعل، وإنما مراعاة لما سيؤول إليه الأمر من الكراهية والتباغض.
والابتعاد عن هذا أصل معتبر في الشرع، فكل ما يؤدي إلى ذلك ويفضي إليه، وجب منعه، يقول ابن بطال: “قد يحكم في أشياء لم تبلغ التحريم بأن يُمنع منها من يريدها، وإن كانت حلالا، لما يلحقها من الكراهية في العِرض أو المضرة في المال”[34]، وهذا جائز من باب الغيرة والإنصاف.
5- الحدث الخامس: عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه رجل بمثل بيضة من ذهب، فقال: يا رسول الله، أصبت هذه من معدن، فخذها فهي صدقة، ما أملك غيرها، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن، ومن قبل ركنه الأيسر، ثم أتاه من خلفه، فأخذها رسول الله فحذفه بها، لو أصابته لأوجعته، فقال: “يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يتكفف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى”[35]. فصاحب المال ظن أن التصدق بكل ماله في سبيل الله خير له، صارفا النظر عما يلحقه بعد ذلك من فاقة وفقر وعالة على الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم يعنفه على هذا العمل أمام الجميع- عبرة وتربية- لكي يبين لهم خطورة المفسدة التي ستترتب على هذا الفعل.
وعلى العكس من ذلك يمكن أن يقبل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفعل من رجل آخر غني أو تاجر، كما قبل الصدقة في سبيل الله من أبي بكر الصديق وعمر الفاروق، وغيرهما من ذوي الغناء والحظ والسابقة في الإسلام، في حالات كثيرة. فاختلاف الأحوال وما ستؤول إليه بعض الأعمال المشروعة والمباحة، هي مناط الحكمة في تعليل بعض الأحكام عند تنزيلها على واقع المكلفين.
المطلب الثاني: اعتبار مآلات الأفعال عند تنزيل الأحكام في السيرة النبوية.
إن المتأمل في أحداث السيرة النبوية، لن يجد صعوبة في تلمس الحكمة من وراء إعمال واعتبار المآل، والنظر فيه، طلبا لمعرفة العاقبة والمصلحة، وتجنبا للأضرار والمفاسد. فالشريعة كلها مبنية على جلب المصالح وحمايتها بالوسائل المشروعة، والتحرز والابتعاد عن طرق المفاسد. وتتعدد الحِكم وتتنوع من اعتبار السيرة النبوية لمآلات الأفعال، لكن مجملها تتلخص في ثلاث حكم ظاهرة، وهي:
أ- حماية المقاصد بالوسائل؛ ولذلك نجد في السيرة النبوية مجموعة من الوسائل تتمثل في جملة الأوامر والنواهي للمحافظة على هذا المقصد، كالنهي عن مناجاة اثنين ومعهما ثالث[36]، أو النهي عن التعريض بالخطبة أثناء العدة كي لا يؤول ذلك إلى تعجُل المرأة بالإجابة… وغيرها من الوسائل الصالحة التي تحفظ المصالح العظمى في التشريع.
ب- سدٌ طرق الفساد ووسائله؛ وهذه الحكمة من أبرز الحكم الدالة على اعتبار السيرة النبوية النظر في مآلات الأفعال والتصرفات، كامتناعه صلى الله عليه وسلم عن إعادة الكعبة على قواعد إبراهيم عليه السلام، وهي مصلحة راجحة، تجنبا لنفرة القلوب وحصول الفتنة والمفسدة.
ج- المحافظة على مصالح الأحكام؛ فإذا كانت المحافظة على المصالح ورعايتها في العاجل والآجل أصل ثابت في الشريعة، فإن كل ما جاء في السيرة النبوية إنما أريد به جلب مصلحة أو دفع مفسدة، والنظر في المآل هو الغاية التي يعود إليها تحقيق مقاصد الشريعة دنيوية كانت أو أخروية، وذلك بغية المحافظة على أحكام الله تعالى. وقد اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم من مراعاة مآل الأفعال والأقوال والتصرفات، مسلكا في تبليغ الأحكام للناس.
ولبيان هذا الاعتبار في السيرة النبوية عند تنزيل الأحكام، نستعرض جملة من الأمثلة التطبيقية التي تفيد في هذا المجال. وستكون هذه التصرفات النبوية مختلفة من حيث سياقاتها ومواضيعها، لكن سنربط بعضها ببعض حتى نُكوِن مجموعة متكاملة في نسق منهجي يمكن تطبيقه على باقي النوازل والأحداث. وذلك من خلال القواعد والمبادئ التي تؤصل لهذا الفقه في السيرة النبوية، وسنمثل لكل قاعدة من القواعد المستفادة من فقه تنزيل الأحكام بمجموعة من الأحاديث والتصرفات النبوية، حتى يتحقق المقصود.
أولا: النهي عن التشديد في العبادة:
1- الحديث الأول: روى البخاري في صحيحه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتجز حصيرا بالليل فيصلي، ويبسطه بالنهار فيجلس عليه، فجعل الناس يثوبون إليه فيصلون معه بصلاته حتى كثروا فأقبل فقال صلى الله عليه وسلم: “يا أيها الناس خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل”[37]. ذلك لأن التشديد في العبادة يؤدي إلى الملل، والملل يفضي إلى التوقف عن أداء العبادات، فالرسول صلى الله عليه وسلم تنبه إلى الأمر وحذر من كثرة الحماس في التعامل مع الأمور التعبدية لخطورة ما سيؤول إليه الأمر إذا طال؛ والناس متفاوتون في الاستطاعة، يقول ابن حجر: “إن الأخذ بالتشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها، وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلا، وترك التنفل يفضي إلى إثارة البطالة، وعدم النشاط إلى العبادة، وخير الأمور الوسط”[38].
2- الحديث الثاني: عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: جاء ثلاث رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها. فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله أني لأخشاكم لله واتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني”[39].
كثيرة هي المواقف التي ينكر فيه الرسول صلى الله عليه وسلم على صحابته إذا ظهر أو بدا له من أحدهم ما يوحي إلى التشدد في الدين؛ بالمبالغة في نوع من العبادة أو الإثقال على الناس فيها، مما يسبب في فتنتهم. لأن هذه الأعمال المتشددة تؤدي في الغالب إلى الملل والانقطاع عن العبادة، وينتج عنها تشويه للدين وسمعته والتنفير منه وعدم الإقبال عليه من طرف المستهدفين بالدعوة الإسلامية. فكل من تشدد غُلب وانهزم وفرط في كل شيء، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة”[40].
3– الحديث الثالث: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “ما صليت وراء إمام قط، أخف صلاة ولا أتم من النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان ليسمع بكاء الصبي، فيخفف مخافة أن تفتن أمه”[41].
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يغضب عندما يصل إلى سمعه أن أحد أصحابه يشدد على الناس، وقد رأينا في حديث سابق كيف وصف معاذ بن جبل بالفتان حينما أخبروه أنه يطيل بهم صلاة العشاء، واتهم بعضهم الآخر بأنه سبب نفور الناس من الدين بإثقالهم على الناس والتطويل المتجاوز للتمام في صلاتي الصبح والعشاء.
ومن حكمته صلى الله عليه وسلم أنه يُعلم الناس بالعمل والتطبيق قبل القول والتوجيه، ليعلم أن ذلك من السنة. فإن سلوكه عليه السلام، المذكور في حديث أنس، خير دليل على منهجه في التخفيف ومحاربة التشديد على العباد، وهذا هو المعنى الحقيقي لفقه تنزيل الأحكام مع مراعاة مآلاتها.
ثانيا: تنزيل بعض الأحكام في السيرة النبوية بين النهي والترخيص:
1- حديث الترخيص في الكذب للمصلحة: عن عبد الرحمن بن عوف أن أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعيط، وكانت من المهاجرات الأول اللاتي بايعن النبي صلى الله عليه وسلم، أخبرته: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ليس الكذّاب الذي يُصلح بين الناس ويقول خيرا، أو يُنمي خيرا. قالت: ولم أسمع الرسول صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء مما يقول الناس من الكذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها”[42].
فإذا كان من المعلوم من الدين بالضرورة أن الكذب من أغلظ المحرمات وأسوأ الأخلاق، حتى عُد من جملة الكبائر الموبقات، فهذا الرسول صلى الله عليه وسلم يُرخص في الكذب عند المواقف الثلاث التي ذكرها ابن شهاب، “نظرا لما سيترتب عن ذلك من مصالح في المآل، لمحَ الحديث لبعضها مثل التأليف بين القلوب والإصلاح بين الناس وجلب المحبة بين الزوجين”[43]. هذه المعاني عبر عنها العز بن عبد السلام في قوله: “الكذب مفسدة محرمة إلا أن يكون فيه جلب مصلحة أو درء مفسدة، فيجوز تارة ويجب أخرى. وله أمثلة؛ أن يكذب لزوجته لإصلاحها وحسن معاشرتها فيجوز، لأن قُبح الكذب الذي لا يضر ولا ينفع يسير، فإن تضمن مصلحة تربو على قبحه أبيح الإقدام عليه تحصيلا لتلك المصلحة. وكذلك الكذب للإصلاح بين الناس وهو أولى بالجواز لعموم مصلحته”[44].
وهذه الرخصة لا تعني التساهل في الإقبال على الكذب، وتيسيره لأسباب تافهة وغير ضرورية، بل لا بد من استحضار مقاصد الشارع من وراء هذا الترخيص، لأن الكذب ابتداءً حرام شرعا، إلا أنه يجوز إعمالا لمبدأ المآلات في ضوء قانون المصالح والمفاسد عند التنزيل.
2- حديث حق الله على العباد وحق العباد على الله: عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: كنت رِدْفَ النبي صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عُفيْر، فقال: “يا معاذ هل تدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر بها الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا”[45]. قال ناقل الحديث عن معاذ: “وأخبر بها معاذ عند موته تأثما”[46]، وفي رواية عند الإمام أحمد؛ قال: قلت يا رسول الله ألا أبشر الناس، قال: “دعهم يعملوا”[47].
فعدم السماح لمعاذ بن جبل بالتبشير بمضمون الحديث؛ إنما سببه النظر إلى مآله، عندما يغلب على الظن أن معرفة الناس بذلك يجعلهم يتكلون ويدعون العمل فيخسرون. وقد احتج البخاري بالحديث على أن للعالم أن يخص بالعلم قوما دون قوم، كراهية ألا يفهموا. ولأن بعض الأعمال قد يكون فيها تهاون من الناس إذا علموا بحكمها، فليس من الحكمة وليس من المصلحة أن يعلموا بحكم الفعل خشية الترك.
3- حديث التخلي عن التبشير مخافة ترك العمل والأخذ بالأسباب: وهذا يشبه حديث معاذ السالف الذكر، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: “اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستقيما بها قلبه فبشره بالجنة، فلقي عمر بن الخطاب فرده وأتى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أبعثْت أبا هريرة بنعلك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستقيما بها قلبه بشره بالجنة؟ قال: نعم، قال عمر: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخليهم يعملون، قال رسول الله:” فَخَلِهمْ”[48].
إن تخلي الرسول صلى الله عليه وسلم عن التبشير بالجنة، نزولا عند طلب عمر الفاروق رضي الله عنه، إنما كان بالنظر إلى مآل هذا الفعل المتوقع، والذي سيفضي إلى ترك العمل وعدم الأخذ بالأسباب.
ويظهر من خلال هذا الحديث، والذي قبله، أن الكتمان وعدم التبشير الواردان في أمره صلى الله عليه وسلم ليس المراد بذلك على الإطلاق المستمر، وإنما عند وجود المآل السلبي المذكور في علة النهي، والدليل أن معاذ بن جبل أخبر بالحديث في آخر حياته تحرزا من الوقوع في إثم كتمان العلم، فهو رضي الله عنه فهم أن المنع مُقيد بما سيؤدي إليه من مآل فاسد. ونفس الشيء في حديث أبي هريرة، فإنه أخبر بالحديث، رغم منع عمر له، لكي لا يأتم هو الآخر بكتمان العلم، وإلا لم يصلنا كلا الحديثين ولم نسمع بخبرهما، وتحرم الأجيال من هذه البشارة العظيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
4- حديث النهي عن سب الرجل والديه: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه”[49]. في هذا الحديث يساوي الرسول صلى الله عليه وسلم بين سب والدي الغير وسب الوالدين مباشرة؛ لأن فعل السب بمنزلة النتيجة، والمتسبب في إثارة الفاعل بمنزلة الفاعل نفسه، وهذا النص “أصل في سد الذرائع، ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل وإن لم يقصد ما يحرم”[50]. وعلة النهي هنا سببها هو ما قد يؤول إليه هذا الفعل من مفسدة .
5- حديث النهي عن طرق الرجل أهله ليلا: عن جابر رضي الله عنه، قال: “نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلا يَتَخَونُهم أو يلتمس عثراتهم”[51]. يؤكد هذا الحديث على أهمية الحفاظ على المحبة والصدق والتواد بين الزوجين، لأن “الشارع راعى ذلك بين الزوجين مع اطلاع كل منهما على ما جرت العادة بستره، حتى أن كل واحد منهما لا يخفى عنه من عيوب الآخر شيء في الغالب، ومع ذلك نهى عن الطروق- ليلا- لئلا يطلع على ما تنفر نفسه منه، فنهى عن ذلك اعتبارا بما يمكن أن يفضي إليه هذا الطروق من مفاسد”[52]، خصوصا إذا طالت غيبة الرجل عن أهله ، فلا بد من الإشعار بالقدوم.
6- حديث: لا تُحِد امرأة على ميت فوق ثلاث: عن أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تُحِد امرأة على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمس طيبا إلا إذا طهُرت، نُبدةً من قسطٍ أو أظفارٍ”[53].
شرعُ حداد المرأة المتوفى عنها زوجها وفاءً للزوج، ومراعاة لحقه العظيم عليها، فلا تصح شرعا ولا أدبا أن تنسى ذلك الجميل، وهذا الحداد واجب “إظهارا للتأسف على موت زوج، وقد شرع الحداد أيضا، لأنه يمنع تشوف الرجال إليها، لأنها إذا تزينت يؤدي إلى التشوف، وهو مؤد إلى العقد عليها، وهو مؤد إلى الوطء، فمنعت الذريعة الآيلة إلى الوقوع في المحظور، واعتبر المآل”[54]. وهذا يشبه منع المحرم من الخطبة والنكاح، لأن ذلك من شأنه أن يشغل قلب الحاج عن إحسان العبادة، فاعتبر المآل ومُنعت هذه الذريعة، قال صلى الله عليه وسلم: “لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب”[55].
7- حديث النظر إلى المخطوبة: عن المغيرة بن شعبة أنه لما أراد أن يتزوج امرأة، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: “انظر إليها، فإنه أحرى أن يُؤدم بينكما”[56].
أمر الله سبحانه وتعالى بغض البصر، وحرم النظر إلى الأجنبية، سدا لذريعة الفساد وحفظا للمحرمات، وقطعا لوساوس الشيطان، وكانت عادة الناس في الخطبة أن الرجل لا يرى المرأة، بل توصف له بما يغريه من غيره، لكن بعد الزواج يمكن أن يظهر له فيها ما لا يرضاه، فتقع فتنة؛ لذلك رخص الرسول صلى الله عليه وسلم للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته تحقيقا للألفة والمحبة. فالسبب الباعث على النظر هو ما يترتب عنه من وفاق دائم وألفة ومودة مستمرة بين الزوجين.
8- الامتناع عن تحطيم أصنام الكعبة قبل الفتح: استمر الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الله تعالى بمكة لمدة ثلاثة عشر عاما، وهو يصلي بالمسجد الحرام ويطوف بالكعبة وفيها وحولها ثلاثمائة وستون صنماً، فلم يأمر عليه الصلاة والسلام يوما أصحابه بتحطيمها علنا أو خفية، “والظاهر أن السبب ما يمكن أن يترتب عليه في ذلك الوقت مما هو أكبر منه. فقد يثير ذلك القيادات القرشية ويطلبون الثأر لآلهتهم، وقد يقومون بقتل المسلمين انتقاما لذلك، فتكون فتنة تتضرر منها الدعوة الإسلامية ضررا كبيرا”[57].
واستمر الأمر على ما هو عليه بمنهج الصبر والحكمة والموعظة الحسنة والحجة والبرهان، حتى أتى الوقت المناسب، وجاء الفتح ودخل الناس وأهل مكة في الإسلام أفواجا، فدخل الرسول صلى الله عليه وسلم المسجد فحطم الأصنام وهو يردد قوله تعالى: “وقل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا“(الإسراء: 81). فهو عليه الصلاة والسلام “ترك المصلحة لأمر الوقوع في المفسدة، وترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه”[58]. ومنه استنتج النووي أنه: “إذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدء بالأهم”[59].
وقد أفتى الإمام مالك الأمير أبو جعفر المنصور[60] حين أراد أن يردّ البيت على قواعد إبراهيم فقال له: “لا تفعل لئلا يتلاعب الناس ببيت الله”[61]، ومعنى كلام مالك رحمه الله هو ألا يصبح البيت ملعبة للملوك وتذهب هيبته من قلوب الناس. وبهذا تظهر أهمية النظر في مآلات الأحكام من المصالح أو المفاسد وأخذها بعين الاعتبار.
ثالثا: تنزيل الأحكام المعللة بسد الذرائع من خلال وقائع السيرة النبوية:
قد رأينا فيما سبق لما لسد الذرائع من أهمية في الاجتهاد التنزيلي، من خلال النظر إلى واقع تطبيق النص وما سيؤول إليه التنزيل من نتائج تحكم مشروعية الفعل من عدمه عند بناء الحكم الشرعي. ولبيان ذلك وتوضيحه نسوق مجموعة من الأمثلة تبين ما لعلة سد الذريعة من أهمية في تنزيل الأحكام:
1- النهي عن التنادي بالأنساب والامتناع عن قتل المنافقين: عن جابر بن عبد الله قال:” كَسَعَ[62] رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟ قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال: دعوها فإنها منتنة”[63]، فسمع بذلك رأس المنافقين عبد الله بن أبي، فقال: فعلوها ! أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه.
إن هذا الحديث اشتمل على أمرين من سد الذرائع؛ أما الأول: فهو نهيه صلى الله عليه وسلم عن التنادي بالأنساب والأحساب وتنفيره منها، وهي دعوى جاهلية منتنة تؤدي إلى الفتنة والارتداد والتعصب، وإلى حمية الجاهلية وحكمها. والثاني: هو امتناعه صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين رغم خطورتهم على الدعوة الإسلامية الفتية، ومع أن قتلهم فيه مصلحة، يقول الإمام النووي: “وفيه ترك بعض الأمور المختارة، والصبر على بعض المفاسد، خوفا من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم”[64].
ترك النبي صلى الله عليه وسلم المصلحة الظاهرة لأن في تحصيلها ذريعة إلى مفسدة أشد منها؛ وهي تشويه الإسلام وتخويف الناس ونفورهم من الدعوة الإسلامية، واستغلال الكفار والمغرضين لهذه الذريعة، فكانت الحكمة النبوية هي الكف عن تنزيل هذا الحكم على المكلف، رغم مشروعيته، سدا للذريعة المحتملة.
2- عدم الدخول لمساكن الذين ظلموا: عن سالم أن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم مثل ما أصابهم”[65]. وسبب ورود هذا الحديث هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في طريقه، مع صحابته، إلى تبوك، وعند مرورهم بالحِجْر، وهي ديار ثمود قوم صالح عليه السلام الذي ذكرهم الله ولكنهم كفروا به، ثم أخذتهم الصيحة والرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين جزاء وفاقا؛ فلما وصل الصحابة إلى ديارهم قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: لا تدخلوا على هؤلاء إلا أن تكونوا باكين، استثناء من أعم الأحوال، كما يقول ابن حجر[66]: أي لا تدخلوها إلا حال الاعتبار الباعث على البكاء، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم.
فسدا لذريعة العذاب المهلك لمن يدخل وهو لا يريد الاعتبار، نهى عليه الصلاة والسلام من الدخول إلى هذه الأماكن إلا حالة العبرة والعظة. فترتب على هذا المآل تنزيل الحكم بشروط استثنائية.
3- حديث الحلال بين والحرام بين: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مُشَبَهات لا يعلمها كثير من الناس. فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يوقعه. ألا وإن لكل مَلِك حِمَى، ألا إن حِمَى الله محارمه”[67].
النبي صلى الله عليه وسلم من خلال هذا الحديث، يوجه المؤمنين ويحذرهم من الوقوع أو الاقتراب في الشبهات، لأنها الباب الموصل إلى المحرمات، وفيه زيادة وضوح في معنى سد الذريعة، “فضرب لذلك مثلا بالملك الذي يكون له حمى يقع فيه الرعاة حوله بسبب مشقة التحرز من ذلك حال المجاورة اللصيقة، وحمى الله في أرضه محارمه، فمن قرب منها أوشك أن يقع فيها قصد أولم يقصد”[68]، وسدا لذريعة الوقوع في الحرام، وجب الابتعاد عن الشبهات؛ وهذه علة الحكم.
4- حديث القائم على الحدود والواقع فيها: عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مثل القائم على حدود الله والواقع فيها؛ كمثل قوم اسْتَهمُوا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها، إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا”[69].
إن من أراد خرق السفينة إنما خرق في نصيبه، مع عدم قصد الإضرار بالمجموع، “إلا أن مآل هذا التصرف لما كان مُفضيا إلى غرق السفينة وهلاك من فيها، وهو إضرار لا محالة منه، كان واجبا على المجموع الأخذ على أيديهم، ولا عبرة بالقصد هنا مادام مآل الفعل المشروع هو الضرر العام”[70]. فسدا لذريعة الضرر الذي يمكن أن يصيب الجميع؛ وجب الضرب على يد الظالم، والأخذ على يد الفاسق، وتنبيه الغافل والمتهور، حتى لا يصيب هذا الفعل- الغير العاقل والخارج عن حدود الله- الجميع، فيهلك بذلك الصالح وغير الصالح، لأن الظلم والفساد وما ينتج عنهما من أمراض ، لا يعرف التمييز.
5- زيارة الصحيح للمريض، “لا عدوى”: عن أبي سلمة بن عبد الرحمان بن عوف عن أبيه قال، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا عدوى، وقال أيضا: لا يورَد ممرض على مُصِح”[71]. فالحديث النبوي يتحدث عن أمرين، الظاهر أنهما مختلفين، لكن بفهم مرادهما نجد أنهما يرميان لمقصد واحد، وقد ترجم له البخاري بباب لا هامة، ومسلم بباب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة. وذلك حتى لا تسيطر الخرافة و الأوهام على الناس فيمتنعون من زيارة وعيادة المريض، وبالمقابل فإن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى أن يورد ممرض على مصح فيصيبه ما أصاب الممرض، فيقال أصابه، لأنه أورد عليه؛ فدفع تلك المفسدة وسد الباب، لأن الله سبحانه هو الممرض وهو المشافي[72]. فاجتمع لدينا الأخذ بالأسباب والحيطة وعدم إلقاء النفس إلى التهلكة مع ضرورة الإيمان واليقين بقضاء الله وقدره سبحانه لأنه هو الفاعل المختار المتحكم في كل شيء والقادر عليه.
6- دع ما يُريبك إلى ما لا يُريبك: عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، عنه أنه قال: “إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له نحو مما أسمع، ومن قضيت له من أخيه شيئا فلا يأخذ، فإنما أقطع له قطعة من النار”[73]. وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم: “دع ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك”[74].
إن الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديثين معا، يحذر من الوقوع في الظلم الخفي وأخذ ما للغير بحجة الفتوى أو القضاء سدا لذريعة العذاب الذي يمكن أن يصل الجاني. فأمر صلى الله عليه وسلم بأن لا يأخذ الإنسان ما ليس له، ولو حكم القاضي به، لأنه يكون آخذا لغير حقه، فاستحق قطعة من النار. لأن تنزيل المفتي أو القاضي للحكم الشرعي على الواقعة الجزئية لا يُغني عن تنزيل المكلف، ويفسر ذلك ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: “البِرُ ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك”[75].
فالصبغة الدينية تجعل المؤمن قاضيا على نفسه، وتمنعه من استباحة حقوق الآخرين عندما تفقد وسائل الإثبات، أو يكون بعيدا عن القضاء. فالرقابة الإلهية وضمير المؤمن هما القاضي والمحكمة.
7- حديث لا تقطع الأيدي في الغزو: عن جنادة بن أبي أمية أنهم كانوا مع الصحابي بسر بن أرطأة في البحر، وأوتي بسارق يقال له مصدر قد سرق بختية[76]، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا تقطع الأيدي في الغزو”[77]. وقد علق ابن القيم على هذا الحديث قائلا: “فهذا حد من حدود الله تعالى، وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لُحُوق صاحبه بالمشركين حمية وغضبا، كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم”[78].
فإذا كان إيقاع العقوبة سيؤدي إلى عكس مقصود الشارع، فإن الضروري توقيفه أو استبدال العقوبة بأخرى لا تؤدي إلى تلك المفسدة التي تتجاوز مصلحة إيقاع العقوبة. لذلك نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن تطبيق حكم قطع أيدي السارقين في الغزو رغم أنه حدٌ واجب، سداً لذريعة ومفسدة أكبر ستترتب على تنزيل هذا الحكم. والعمل على هذا عند بعض أهل العلم منهم الأوزاعي[79]؛ لا يرون أن يقام الحد في الغزو وبحضرة العدو، مخافةً أن يلحق من يقام عليه الحد بالعدو، فإذا خرج الإمام من أرض الحرب ورجع إلى دار الإسلام أقام الحد على من أصابه.
وهي نفس العلة التي دفعت النبي صلى الله عليه وسلم أن يمنع الصحابة الكرام من الإنكار على الأعرابي الجاهل بالآداب حينما قام بالتبول في المسجد، بقوله: “لا تُزْرِمُوه، دَعُوه”[80]، سدا للذريعة ودرءا لمآلاتٍ مخالفة لمقاصد الشريعة، وهي كثيرة؛ منها ما يلحق بالأعرابي من أضرار نتيجة حبس البول، ثم مفسدة تنجيس المسجد وثوب الرجل وبدنه بسبب انتشار البول، وأخطرها التنفير من الإسلام بسبب سوء تعامل الصحابة وقساوتهم مع الأعرابي، عكس الرفق المطلوب به شرعا في مثل هذه المواطن.
رابعا: الأحكام المعللة بالعرف في السيرة النبوية وفقه تنزيلها:
إن بناء النصوص وتنزيل الأحكام اعتبارا للأعراف والعادات مؤصل في السيرة النبوية، ولذلك نجد أهل المقاصد يؤكدون على ضرورة اعتبار عوائد الناس الموافقة لمقاصد الشريعة عند تنزيل الأحكام حتى لا تضطرب مصالحهم العامة، ويلحق بالأفراد الحرج، يقول الشاطبي: “العوائد الجارية ضرورية الاعتبار شرعا، كانت شرعية في أصلها أو غير شرعية، أي سواء كانت مقررة بالدليل شرعا أمرا أو نهيا أو إذنا أم لا”[81]، حتى أن الحكم يتبع العادة فيتغير بتغيرها، ويعاد النظر في الحكم بناء على العرف المتجدد، يقول القرافي: “كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد بتغير الحكم فيه عند تغيير العادة إلى ماتقتضيه العادة المتجددة”[82]. ويبين ابن عابدين عموم العرف ويؤيده بقوله: “إن نصوص الفقهاء، في مختلف الفروع تشهد له وتدل عليه”[83].
ويذهب مصطفى الزرقا[84] إلى أن العرف الحادث يعتبر، ويؤخذ به ولو خالف النص التشريعي في حالتين: الحالة الأولى؛ إذا كان النص التشريعي نفسه معللا بالعرف، أي مبنيا على عرف عملي قائم عند وروده، فعندئذ إذا تبدل ذلك العرف يتبدل تبعا له حكم النص، ولو كان النص خاصا بالموضوع، والحالة الثانية؛ إذا كان النص التشريعي معللا بعلة ينفيها العرف الحادث، سواء أكانت علة النص مصرحا بها فيه، أو مستنبطة بطرق الاجتهاد، ففي مثل هذه الحال يُعد العرف الحادث ويحترم، وإن خالف النص، لأن هذه المخالفة تصبح ظاهرية غير حقيقية، مادامت علة النص تنتفي بوجود العرف، إذ المقرر في قواعد الأصول أن الحكم الشرعي يدور مع علته، فيثبت عند ثبوتها، وينتفي بانتفائها.
وفي السيرة النبوية شواهد كثيرة نذكر منها:
1- بيع السَلَم[85]: وهو بيع الإنسان ما ليس عنده، والأصل بطلان هذا البيع، فقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله لحكيم بن حزام: “لا تبع ما ليس عندك”[86]. ولما قدم -عليه الصلاة والسلام- المدينة ووجد الناس يتعاملون بالسَلَم أقرهم عليه بعد أن نَظّمَه. فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يُسْلِعُون بالثمر السنتين والثلاث، فقال: “من أسلف في شيء ففي كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم”[87]. وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد والأوزاعي إلى أن السَلَم لا يكون إلا إلى أجل، فلا يصح حالا[88]، وخالفهم الشافعي[89]. ونفى ابن القيم أن يكون السلم على خلاف القياس، فقال: “وقياس السلم على بيع العين المعدومة التي لا يدري أيقدر على تحصيلها أو لا، والبائع والمشتري منها على غرر من أفسد القياس صورة ومعنى، وقد فطر الله العقلاء على الفرق بين بيع الإنسان ما لا يملكه ولا هو مقدور له، وبين السلم إليه في مغل مضمون في ذمته مقدور في العادة على تسليمه، فالجمع بينهما كالجمع بين الميتة والمذكى والربا والبيع”[90]، وهو بذلك يرد على من قال أن هذا النوع من العقد مخالف للقياس.
وكون هذا العقد في مصلحة الناس لا ينفي أنه على خلاف القياس[91]، بل لأجل هذه المصلحة شرع، وإن كان على خلاف القياس. كما يمكن الإفادة منه في هذا العصر بتطويره وتوسيع مجاله، وتطبيقه في مجالات الاقتصاد والزراعة وتحويل النشاط الصناعي والحرفيين وغيرهم.
2- الترخيص في العرايا[92]: عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: “أن الرسول صلى الله عليه وسلم رخص في العرايا أن تباع بخَرْصِها كيلا”[93]، والأصل في هذا البيع هو الحِرمة، فبيع الرطب بالتمر يعتبر من الربا التي حرمها الله ورسوله، ففي نفس الحديث السابق روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع التمر بالتمر، وقال: ذلك الربا، تلك المزابنة، إلا أنه رخص في بيع العَرِية النخلة والنخلتين يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رُطَبًا”[94].
فعدول الشارع عن الحكم الأصلي الذي يقتضي بيع العرايا إلى حكم الجواز التبعي المتنزل على مناط الرفق بالناس ورفع الحرج والمشقة عنهم؛ كان لحاجتهم الملحة إليه في شؤون معيشتهم. ففي أول الأمر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة؛ وهي بيع الثمر على النخل بخرصها، أي بقدر ما فيه إذا صار تمرا، لأنه رباً؛ حيث لا يتحقق التساوي بين البدلين، لكن حينما وجد الناس قد تعارفوا عليه وهم في حاجة إلى التعامل به، جاء التخفيف والتيسير عليهم، دفعا للحرج، واعتبارا بالمآل الحسن من إباحة التعامل بهذا النوع من البيع، لأن عرف التجار هو المرجع في الاعتبار في البيع والشراء.
3- العادة مُحكمة: ذكر ابن نجيم في القاعدة السادسة؛ العادة محكمة بأن: “اعتبار العادة والعرف يُرجع إليه في الفقه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلا”[95]. ونقل ابن حجر عن شريح القاضي أنه كان يقول: “سُنتكم بينكم ربحا”[96]، وهذا منه إثبات الاعتماد على العرف، وأنه يقضى به على ظواهر الألفاظ.
ونقل البخاري في كتاب النفقات من الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى لامرأة جاءته تشتكي شُح زوجها في النفقة عليها وعلى أولادها، وزوجها ثري لكنه بخيل، فقال لها عليه الصلاة والسلام: “خُذي ما يكفيك وولدك بالمعروف”[97]. وبهذا يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد وضع المبدأ الواضح لاعتبار العرف، وقرر فيه قاعدة سليمة اعتبرها الأئمة والفقهاء من بعده، واعتمدوا عليها.
4- التبادل في النقود الذهبية والفضية بمثلها عددا وقيمة: يشير مصطفى الزرقا[98] إلى الفهم المتقدم للإمام أبي يوسف –صاحب الخراج- للحديث النبوي في الأوصاف الربوية والذي رواه أبو هريرة قال، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلا بمثل، يد بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، وفي لفظ آخر: “الذهب بالذهب-وزنا بوزن- مثلا بمثل، والفضة بالفضة-وزنا بوزن- مثلا بمثل”[99]. فهذا أبو يوسف يرى أن اعتبار ما ذكر من الأصناف مكيلا، أو موزونا بني على العرف؛ فإذا تغير العرف، وأصبح التمر، أو الملح مثلا يباع بالوزن، وجب العمل بما صار إليه العرف الجديد، فيجوز بيع التمر والملح وزنا متساويا، وإن تفاوتا كيلا.
هكذا يتبين لنا قوة وبعد النظر عند الإمام أبي يوسف في اعتبار العرف في بيوع الربويات بمثلها، مخالفا في ذلك ما يحكيه الفقهاء عن غيره من الأئمة من “أن كل شيء نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على تحريم التفاضل فيه كيلا فهو مكيل أبدا وإن ترك الناس الكيل فيه، مثل: الحنطة والشعير والتمر والملح، وكل ما نص على تحريم التفاضل فيه وزنا فهو موزون أبدا وإن ترك الناس الوزن فيه، مثل: الذهب والفضة”[100]، وهذا انحباس عقيم عند ظاهر النصوص لا يخدم المقاصد التي شرعت لها الأحكام.
ويشرح لنا ابن عابدين الرأي التجديدي لأبي يوسف ويقول: “إنما أراد تعليل النص بالعادة، بمعنى أنه إنما نص على البُر، والشعير، والتمر، والملح؛ بأنها مكيلة، وعلى الذهب والفضة؛ بأنها موزونة، لكونهما كانا في ذلك الوقت كذلك. فالنص في ذلك الوقت إنما كان للعادة، حتى لو كانت العادة في ذلك وزن البر وكيل الذهب، لَوَرَد النص وفْقَها، فحيث العلة للنص على الكيل في البعض والوزن في البعض هي العادة؛ تكون العادة هي المنظور إليها. فإذا تغيرت؛ تغير الحكم، فليس في اعتبار العادة المتغيرة الحادثة مخالف للنص، بل فيه إتباع النص”[101].
وتبعا لذلك جاز -كما هو الحال في زماننا- التبادل في النقود الذهبية والفضية بمثلها عددا وقيمة، وإن كان ذلك مخالفا في الظاهر لنص الحديث النبوي، فهو في الحقيقة موافق لمضمونه ومقصده.
5- نصاب الذهب والفضة: ومن النصوص المبنية على العرف؛ ما رواه مسلم بخصوص نصاب الذهب والفضة عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة”[102]، وهو من النصوص التي بنيت على عرف ذلك الزمان. يقول الشيخ القرضاوي: “ومن الأمثلة البارزة على أن النص قد يُبنى على عرف ثم يتغير: ما ثبت من تقديره صلى الله عليه وسلم نصابين لزكاة النقود، أحدهما بالفضة وقدره مائتا درهم؛(تقدر ب595 جراما)، والثاني بالذهب وقدره عشرون مثقالا أو دينارا؛(تقدر ب85 جراما)، وكان صرف الدينار يساوي في ذلك الوقت عشرة دراهم”[103]. فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يقصد في هذا التقدير وضع نصابين متفاوتين للزكاة، بل هو نصاب واحد، ولكن جرت العادة والعرف بالتعامل بالذهب والفضة في العصر النبوي، فمن ملكهما اعتبر غنيا وجبت عليه الزكاة، فالحكم جاء بناء على هذا العرف القائم، فإذا تغير الحال في أي عصر وانخفض سعر الفضة مثلا بالنسبة لسعر الذهب بفارق كبير، لم يبق جائزا أن نقدر النصاب بمبلغين متفاوتين. “فلا يعقل أن نقول لشخص معه مبلغ معين من الدنانير الكويتية أو الأردنية مثلا أو الجنيهات المصرية أو الريالات السعودية…أنت غني إذا قدرنا نصابك بالفضة، ونقول لمن يملك أضعاف ذلك: أنت فقير إذا قدرنا نصابك بالذهب”[104]. وللخروج من هذا الخلاف تم اقتراح تحديد نصاب واحد للنقود في عصرنا، به يعرف الحد الأدنى للغنى الشرعي الموجب للزكاة وهو الذهب، وذلك لثباته، “وليس هذا مخالف لنص، كما قد يُتوهم، بل النص هنا مبني على عرف، يزول حكمه بزواله”[105]. وهو اجتهاد يخضع كغيره للتبدل والتغيير بتحول الظروف والأعراف والأزمنة والأمكنة.
6- مراعاة ما ألِفه القوم من عادات مباحة في التشريع: كان الرسول صلى الله عليه وسلم يراعي طبائع الأقوام وأعرافهم، وكان يحض على الحفاظ عليها، إذا كانت لا تخالف أصلا تشريعيا، ومثل ذلك: الحض على الغناء في أفراح الأنصار، والعلة في ذلك أن الأنصار قوم يعجبهم اللهو. جاء في الحديث الذي روته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: “أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة، ما كان معكم لهْوٌ؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو”[106]. أنظر للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام كيف يحض النسوة اللاتي يُهدين المرأة إلى زوجها على الغناء، حفاظا على عادات الأنصار المحبين للّهو، ولعلها عادة عُرف بها الأنصار في الجاهلية. ولأن هذه العادة لا تضر بالشريعة الإسلامية وليس في الشرع ما يمنعها، تركها، بل وذكّر بها وحضّ عليها اعتبارا على عرف الأنصار في الأعراس.
والنتيجة مما سبق أن فقه التنزيل يسعى إلى تطبيق الحكم مع تحقق مقاصده ومصالحه باعتبار مآله، لأنه قد يتخلف تحقيق هذه المقاصد لعدم التحقق من مآلات الأفعال، “إذ الحكمة لا تقتضي التطبيق الآلي للأحكام دون النظر لما قد يؤول إليه ذلك التطبيق وما يسببه من تداعيات قد تعود على المقاصد الشرعية بالنقض، بل هو محكوم بأصل النظر في المآلات الواقعة أو المتوقعة”[107]، التي تعطي للمجتهد التنزيلي الحق بتنفيذ الحكم من عدمه.
المطلب الثالث: اعتبار الحال، واختلاف الحكم لاختلاف المناط في التصرفات النبوية:
يعتبر البعد التنزيلي مسلكا أصيلا في السيرة النبوية، والمتتبع للأحكام الشرعية التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصدرها، يلاحظ مراعاته للحالات المعروضة عليه ووضعها في سياق يحقق المقاصد من تلك الأحكام، فالإمام القدوة صلى الله عليه وسلم، كان واعيا بطبيعة الاختلاف الموجود بين الأشخاص، ويميز بين أحوال الأصحاب ويختار ما يصلح لكل واحد ويناسبه. كان عليه الصلاة والسلام، يقدر حالات الاستطاعة عند عموم الصحابة، ويأخذهم باليسر والتدرج في تنفيذ أحكام الشريعة، ولا يفوته الانتباه لظروف المرحلة التي يمر بها المسلمون، ويقدر المصلحة بما يناسب الواقع.
كما كان، صلى الله عليه وسلم، يُغير الحكم تبعا لتغير المصلحة، وتبعا لظروف مناط الحكم، فيغير الحكم في القضية الواحدة إذا تغير مناطها أو تغير الواقع الذي يتنزل عليه الحكم.
والتفصيل في هذا الموضوع سيكون على محورين أساسين:
المحور الأول: مراعاة الحال واعتبار فقه الواقع في السيرة النبوية:
إن من السنن النبوية الثابتة في سيرته؛ النظر في الأحوال الخاصة للأشخاص، وكذا النظر في الأحوال العامة لواقع المسلمين. فكثيرا ما كان يسأل ويجيب بأجوبة مختلفة في الموضوع الواحد، حتى قال الشاطبي[108] أنها لو اجتمعت لاقتضت التعارض. لكن إذا أدركنا أصالة فقه أحوال المكلف نكتشف أن الأجوبة كانت تختلف باختلاف السائل وحاله. فلقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه كل حسب حالته وما يصلح له، ويعطي العطايا لأقوام تأليفا لقلوبهم ويمنعها عن آخرين ليقين إيمانهم، ويقبل الهدايا من البعض ويرفضها من البعض الآخر اعتبارا لواقعهم وظروف معيشتهم، كما كان يدعو للصحابة بأدعية مختلفة تتناسب وما ينفعهم في الدنيا والآخرة. والأدلة من السيرة النبوية على ذلك كثيرة نذكر منها الشواهد التالية:
أولا: اختلاف النصيحة باختلاف حال المنصوح:
ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يَتَخَوَلُ أصحابه بالنصيحة والوصايا سواء كانت عن طريق المبادرة منه، أو بطلب من أحد الصحابة. والملاحظ على هذه الوصايا أنها كانت تختلف في المضمون، والضابط في هذا الاختلاف هو الفقه العميق للنبي صلى الله عليه وسلم والنظر بما يُصلح الواحد دون الآخر. ولتوضيح ذلك نورد الأمثلة الآتية:
1- الوصية بالصوم؛ عن أبي أُمامة رضي الله عنه قال: “أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: مُرني بأمرٍ آخذه عنك، قال: عليك بالصوم فإنه لا مثيل له”[109]. في هذا الحديث يوصي الرسول صلى الله عليه وسلم أبي أمامة بأفضل عبادة تليق به ويستطيع المداومة عليها، فالصوم لاعَدل له لحالة هذا الصحابي السائل، وليس للجميع أن يأخذ بهذه الوصية؛ إلا أن يكون في حالة أبي أمامة.
2- الوصية بعدم الغضب؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه: “أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصيني، قال: “لا تغضب”[110]، فرددها عليه أكثر من مرة. ففي هذه الوصية دواء لهذا الصحابي لكي يتجنب الغضب لأن عواقبه وخيمة على الفرد والجماعة معاً، إذا سيطر على نفسه أثناء الغضب، فيسهل عليه بعد ذلك القيام بسائر العبادات. وهي وصية تصلح لكل شخص سريع الغضب.
3- الوصية بالإيمان ثم الاستقامة؛ عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، قل لي قولاً لا أسأل عنه أحدا بعدك. قال: “قل آمنت بالله ثم استقم”[111]. هذه الوصية النبوية جمعت لهذا الرجل الدين كاملا، فالإيمان جمع أصول العقيدة كاملة، والاستقامة على الدين شملت أصول التشريع كاملة، ولأن هذا السائل لم يعد ينوي السؤال مرة أخرى، أجْمَلَ في الطلب فأجْمل له الرسول صلى الله عليه وسلم في الوصية.
4- الوصية بحسن الخلق، وطول الصمت؛ عن أنس رضي الله عنه قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر، فقال له: “يا أبا ذر، ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: عليك بحسن الخلق، وطول الصمت، فو الذي نفسي بيده، ما تجمل الخلائق بمثلهما”[112]. وهذه الوصية إن كانت خاصة بأبي ذر في هذا الموطن لظروفه وأحواله التي يمر بها وقد اطلع عليها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، إلا أنها -وفي نفس الوقت- هي وصية عامة لجميع المسلمين في جميل أحوالهم وظروفهم، لدوام صلاح هذه الوصية لأمثال أبي ذر وغيرهم.
وقد نبه الإمام الشاطبي -وهو يذكر طرفا من هذه الأحاديث- إلى قاعدة جليلة قال فيها: “وعند ذلك نقول، لا يصح للعالم إذا سئل عن أمر كيف يحصل في الواقع، إلا أن يجيب بحسب الواقع، فإذا أجاب على غير ذلك أخطأ في عدم اعتبار المناط المسئول عن حكمه، لأنه سئل عن مناط معين، فأجاب عن مناط غير معين”[113]، وهذا هو منهاج الناصح المرشد عليه الصلاة والسلام في توجيهاته التربوية التي تراعي أحوال المكلفين وخصوصياتهم وما يصلح لهم من عبادات وقُربات.
ثانيا: قبول الصدقات والعطايا، ورفضها حسب حال المتصدق وقدرته:
لقد ميز الرسول صلى الله عليه وسلم في الصدقات والعطايا، فقبِل من البعض ماله كله، وقبِل شطر المال من البعض الآخر، في حين رد على البعض عطاياهم. والأصل في هذه التفرقة هو حال كل صحابي وقدرته؛ وحظه من الدين والإيمان، وسابقته في الدعوة والجهاد، وغناؤه. والأحداث التالية تبين ذلك:
1- الحَدَث الأول: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، فجئت بنصف مالي، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أبقيت لأهلك؟” فقلت مِثْلَهُ. قال: وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أبقيت لأهلك؟” قال: أبقيت لهم الله ورسوله. فقلت: لا أُسابقك إلى شيء أبدا”[114]. هذا الحديث يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قبِل من أبي بكر ماله كله صدقة، وقبل من عمر نصف ماله صدقة في سبيل الله، وهي خاصة لهما وليس لغيرهما، لِما عُلم من سابقتهما في كل شيء.
2- الحدَث الثاني: عن عبد الله بن كعب قال: “سمعت كعب بن مالك رضي الله عنه يقول: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي، صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “أمسك عليك بعض مالِك فهو خير لَك، قال كعب: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر”[115]. يبين هذا الحديث اعتراض الرسول صلى الله عليه وسلم على كعب بن مالك، لما عرض عليه أن ينخلع ويتنازل عن كل ماله صدقة لله ولرسوله، فأمره أن يمسك بعض المال له ولأهله فذلك خير له وأفضل. فقد لا ندرك الحكمة من وراء هذا التوجيه النبوي، لكن على يقين أن النبي صلى الله عليه وسلم تصرف مع هذا الصحابي حسب علمه به وبحاله وظروفه المعيشية وأمره بما يصلح له.
3- الحدَث الثالث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تصدقوا، فقال رجل: يا رسول الله عندي دينار، قال: تصدق به على نفسك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على زوجتك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أبصر”[116]. ولعل النبي صلى الله عليه وسلم يُعلِّم هذا الصحابي، ومن معه، الأولوية في الإنفاق، ويبين في حالته هذه أن الواجب في النفقة هو الأهل والولد ثم ما فضل عليهم فهو للصدقة.
من خلال هذه الأحداث- ومثلها كثير في السيرة النبوية- يظهر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف أحوال أصحابه؛ فقبِل من أبي بكر كل ماله، ومن عمر شطر ماله، وأمر كعب بن مالك أن يمسك عليه بعض ماله؛ فهذا يدل على معرفة النبي صلى الله عليه وسلم لأحوال كل واحد منهم، ولذلك استطاع أن يحدد ويُنزل بكل مكلف ما يناسبه من الحكم اعتبارا لحاله وظروفه.
ثالثا: الإمارة، وتولي مال اليتيم بين الأمر والنهي:
إن إمارة المسلمين والقيام بشؤونهم من أوْكَدِ الواجبات، والأصل في الأحكام الشرعية أن ولاية الأيتام من أحسن الطاعات، وكلاهما “من أفضل الأعمال لمن قام فيه بحق”[117]، لكن ومع ذلك، فتقدير أحوال الناس، ومعرفة من يصلح للإمارة وممن لا يصلح، ومن يستطيع ولاية اليتيم ممن لا يقدر عليها؛ جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بذلك للبعض ويمنعها عن البعض الآخر. ومن الأدلة على ذلك ما يلي:
1- الدليل الأول: عن سهل بن سعد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا”[118] وقرن بإصبعيه السبابة والوسطى. وهذا يدل في باب التحفيز منه صلى الله عليه وسلم والتشجيع على كفالة اليتيم، وبيان فضل من يعُولُه وجزاء ذلك. وهو توجيه اجتماعي وتربوي صادر من المربي الأول لجميع المسلمين في أي زمان ومكان.
2- الدليل الثاني: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلٌوا”[119]. إنها إشارة نبوية بفضيلة الإمام العادل وإشادة به، وتوجيه وحث لكل إمام تولى أمرًا في الأمة على الرفق بالرعية، كما يفهم منه نهي عن الظلم وإلحاق المشقة بهم، وعقوبة الجائر.
وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، أنه ولى من سأله الإمارة كما في قصة زياد بن الحارث الصدائي (من قبيلة صداء)؛ هذا الرجل الذي قاد وفد قبيلته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليعلنوا إسلامهم، وقال زياد: “وكنت سألته قبل أن يؤمرني على قومي ويكتب لي بذلك كتابا، ففعل”[120].
3- الدليل الثالث: عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: “يا أبا ذر، إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي؛ لا تَأَمًرن على إثنين، ولا تَوَلًيَن على مال يتيم”[121].
4- الدليل الرابع: روى مسلم أن أبا ذر رضي الله عنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يوليه عملا من الأعمال أو منصبا من المناصب، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: “يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذ بحقها وأدى الذي عليه فيها”[122]. وفي رواية لأبي موسى الأشعري “إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدا سأله، ولا أحدا حرص عليه”[123].
5- الدليل الخامس: عن عبد الرحمان بن سُمرة رضي الله عنه قال، قال لي رسول الله عليه وسلم: “يا عبد الرحمان بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإن أعطيتها عن مسألة وُكِلْتَ إليها[124]، وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها”[125].
هذه النماذج من الأدلة والأحاديث تبين كيف فَقَهَ النبي صلى الله عليه وسلم حال أصحابه، وكيف استحضر مصلحة المكلف في القبول أو المنع؛ فانظر إلى موقفه مثلا مع زياد الصدائي وكتابه له بالإمارة، وإشادته بأنه الإمام العادل، وكذلك استحبابه صلى الله عليه وسلم لكفالة اليتيم والتحفيز على ذلك، وقارن ذلك بموقفه الرافض لأبي ذر الغفاري بالإمارة وكفالة اليتيم وكراهيته لذلك. فليس هناك تناقض كما يبدو على مستوى ظاهر النصوص، ولكن ذلك يدل “على الفرق بين النظر إلى أنواع البر بصورة مجردة، وبين تنزيلها على فرد معين، فقد تقترن المصلحة بفعل ما نظرًا، وتنفصل عنه عملًا في حالات بعينها”[126].
يوضح ابن القيم الصورة أكثر في تعليق على إمارة زياد الصدائي ومنع إمارة أبي ذر، قال: “وفيها جواز تأمير الإمام، وتوليته لمن سأله ذلك إذا رآه كفئا، ولا يكون سؤاله مانعا من توليته، ولا يناقض هذا قوله صلى الله عليه وسلم: إنا لن نولي على عملنا من أراده؛ فإن الصدائي إنما سأله أن يؤمره على قومه خاصة، وكان مطاعا فيهم، محببا إليهم، وكان مقصوده إصلاحهم ودعوتهم إلى الإسلام، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم أن مصلحة قومه في توليته، فأجابه إليها. ورأى أن ذلك السائل إنما سأله الولاية لحظ نفسه، ومصلحته هو، فمنعه منها، فولى للمصلحة ومنع للمصلحة، فكانت توليته لله، ومنعه لله”[127].
والكفاية العلمية أو العملية ليست لازمة لصلاح النفس، “فقد يكون الرجل رضي السيرة، حسن الإيمان، ولكنه لا يحمل من المؤهلات المنشودة ما يجعله منتجا في وظيفة معينة”[128]، ولذلك وضع فقهاء السياسة الشرعية شرط القوة والصلابة في الحق، كشرط من شروط تولي الإمارة، ومن ذلك أن يكون “ممن لا تلحقه رقة ولا هوادة، في إقامة الحدود، ولا جزع لضرب الرقاب”[129]، كل ذلك طبعا في الحق عند تنزيل الأحكام الشرعية.
المحور الثاني: اختلاف الحكم تبعا لاختلاف المناط أو تخلُف العلة:
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يراعي الواقع عند تطبيق الأحكام، وكان يغير الحكم تبعا لتغير المصلحة وتخلف العلة، وذلك لفقهه بواقع الأشخاص والظروف، لذلك نجد النبي عليه الصلاة والسلام يغير الحكم في نفس القضية إذا تغير مناطها أو تخلفت العلة في المحل بالنسبة للأشخاص والأزمان والظروف. و السيرة النبوية مليئة بالشواهد والأمثلة على ذلك، نقتصر على ما يخدم هدفنا من الموضوع:
أولا: الأجوبة المختلفة عن السؤال الواحد:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل أسئلة عديدة ومتشابهة، ولا تحتمل إلا جوابا واحدا باعتبار مضمونها، ويجيب عليها بأجوبة مختلفة؛ وذلك راجع إلى كون السؤال يَرِدُ من أشخاص تختلف أحوالهم وظروفهم، فاختلفت الأجوبة على هذا الأساس، بحسب الشخص والحال وواجب الوقت، وهذا هو الاقتضاء التبعي الذي يراعي الواقع إبان التشريع والاجتهاد. ومن هذه الأمثلة نذكر ما يلي:
أ- السؤال عن أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى؟
1- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور”[130].
2- عن عبد الله بن مسعود قال: “سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله. فما تركت أستزيده إلا إرعاءً عليه”[131]. ويقصد بذلك رفقا برسول الله وإبقاء عليه، كما يقول ابن الأثير[132].
3- عن أبي سعيد الخذري: “أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الناس أفضل؟ قال: رجل جاهد في سبيل الله بماله ونفسه، ثم مؤمن في شعب من الشعاب يعبد الله ويدع الناس من شره”[133].
4- جاء في الصحيحين عن ابن مسعود قال: “سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله ؟ قال: الصلاة على وقتها، قال ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال ثم أي، قال: الجهاد في سبيل الله”[134] .
5- روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، “أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الأعمال أفضل؟ قال:” العَجٌ والثَجٌ”[135]. وفي جواب آخر عن سؤال أفضل الأعمال، قال: “طول قيام”[136]، يعني قيام الليل.
فهذه جملة من الشواهد، تبين كيف راعى النبي صلى الله عليه وسلم حال السائل، وما يناسبه.
وكل هذه الأحاديث والتي على شاكلتها، تدل بمجموعها على أن التفضيل ليس عاما مطلقا، وإنما يشعر ظاهرها بأن القصد هو بالنسبة إلى حال السائل وزمن السؤال، بمعنى أن المعيار المحدد لنوع الجواب وشكل العبادة المفضلة هو حال المكلف المعني بتنزيل الحكم أو الظروف المحيطة به.
ب- السؤال عن أي الإسلام خير؟ وأي العبادِ أفضل؟
1- عن عبد الله بن العاص رضي الله عنه ، “أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المسلمين خير؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده”[137].
2- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، “أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت، ومن لم تعرف”[138].
3- عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “سبق المفردون، قالوا: وما المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات”[139].
4- عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”[140].
5- عن عبد الله بن بُسْر رضي الله عنه، أن أعرابيا قال: يا رسول الله، من خير الناس؟ قال: “من طال عمره وحسن عمله”[141].
6- عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في اليوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك”[142].
من خلال هذه الأحاديث يتبين لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجيب عن الأسئلة، أو يفتعل أجوبة على أسئلة افتراضية، حسب حال السائل وظروفه ويراعي ما يليق به ويصلحه دون غيره. أو ما يتطلبه الظرف الزماني والمكاني من توجيه خاص، يقول الشاطبي: “إن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل في أوقات مختلفة عن أفضل الأعمال، وخير الأعمال، وعرف بعض الأوقات من غير سؤال، فأجاب بأجوبة مختلفة، كل واحد منها لو حُمل على إطلاقه، أو عمومه لاقتضى مع غيره التضاد في التفصيل”[143]، فكل إجاباته صلى الله عليه وسلم كانت تقتضي مراعاة حال السائل وظروفه ونفسيته وإيمانه، وما يصلحه أو يناسبه حسب الزمان والمكان والبيئة والبلد وغير ذلك، تحقيقا للمناط الخاص، لأنه “يعد النظر في كل مكلف إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية، بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان، ومداخل الهوى، والحظوظ العاجلة، حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرز من تلك المداخل”[144]، خدمة للمقاصد التي شرعت لها الأحكام عند التنزيل على المحل.
ثانيا: دعاؤه صلى الله عليه وسلم لصحابته بما يصلح لكل واحد لاختلاف أحوالهم:
كثيرة هي المواقف التي ثبت فيها أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا لأصحابه[145] ومعهم، سواء بمبادرة منه حبا وكرامة، أو جاء الطلب من السائل أو من أحد أقربائه. فقد دعا لعبد الله بن عباس بالعلم والفقه في الدين، حتى صار من فقهاء الصحابة الكبار وأعلمهم بالقرآن والتفسير، ودعا لأنس بن مالك بكثرة الولد والبركة في المال، حتى صار من أكثر الصحابة مالا وولدا. كما أنه صلى الله عليه وسلم أعرض عن الدعاء للبعض الآخر، وامتنع عن ذلك بحسن الأدب، رغم إلحاحهم في الطلب، أو حاجتهم الظاهرية لذلك، كما فعل مع حاطب بن بلتعة الأنصاري؛ كل ذلك مراعاة لحال السائل أو ظروف وحاجة المعني بالدعاء، وآثار هذا الدعاء على دين ودنيا المكلف وآخرته؛ وهذه بعض الأمثلة:
1- المثال الأول: عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، أنس خادمك، أدع له، قال: “اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته”[146]. فالظاهر في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما رأى في أنس قوة النفس ومتانة الدين ويقين الإيمان، وأنه لن يطغى بهذا المال عند الغنى، بل سيجعله في أبواب الخير، ويتخذه وسيلة في خدمة الإسلام والمسلمين ونشر الدعوة ومحاربة الفتن، فلما علم كل هذا في أنس وأن ذلك خير له في دينه ودنياه؛ دعا له صلى الله عليه وسلم بالبركة في المال والولد والرزق.
2- المثال الثاني: عن أبي أمامة أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أدع الله أن يرزقني الله مالاً، قال: “ويحك يا ثعلبة! قليل تؤدي شكره خير لك من كثير لا تطيقه”[147]. فالرسول الحكيم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، أعرض عن الدعاء لثعلبة بن حاطب حين سأله الدعاء بكثرة المال، لِما علم من ضعفه وأنه لا يقدر على ذلك وأن الدنيا في حقه فتنة عن الدين ونتائجها لن تكون خيرا له. وهذا يدخل في باب التعارض والترجيح الذي تكلم عنه فقهاء الأصول[148].
3– المثال الثالث: روى الإمام أحمد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: “أتيت أنا وفاطمة إلى رسول الله، فقلت: يا رسول الله، والله لقد سَنَوْتُ حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة: قد طحنت حتى مَجِلَتْ يداي، وقد جاءك الله بسبي وسَعَة فأخدمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لا أعطيكما، وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم. ثم قال: ألا أخبركم بخير مما سألتموني؟ قالا: بلا، قال: كلماتٌ عَلمَنِيهِنَ جبريل: تسبحان في دبر كل صلاة عشرا، وتحمدان عشرا، وتكبران عشرا، وإذا أويتُما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربعا وثلاثين. قال علي: فوالله ما تَركْتُهُنَ منذ عَلّمَنِيهِنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم”[149].
هذا سيدنا علي وفاطمة الزهراء، وهما في حاجة لمن يخدمهما، وسألوا ذلك لرسول الله، لكنه صلى الله عليه وسلم منعهم من ذلك، وأبدلهما بما يعينهما على الصبر ويصلح حالهما، “ومن يصبر يصبره الله، وما أعطي أحد من عطاء خير وأوسع من الصبر”[150].
ثالثا: اختلاف الحكم لتخلف العلة ومراعاة قدرة المكلف واستطاعته:
وهذا لا يكون إلا بفقه الواقع الذي يعيش فيه الأشخاص ومعرفة الظروف المحيطة بهم، ذلك أن وجه المصلحة متغير تبعا للظروف، فيكون منه صلى الله عليه وسلم النهي مراعاة لظروف وحاجة المكلفين، فلما تتخلف العلة التي شرع من أجلها حكم النهي يعود الأمر من جديد. فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، ونهى عن زيارة القبور، وعن النبيذ إلا في سقاء، فلما تخلفت العلة وسبب المنع والتحريم شُرعت الإباحة. ومن الأدلة على هذا نذكر ما يلي:
1- الدليل الأول: الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك من حديث أنس بن مالك، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “ألا إني كنت نهيتكم عن ثلاث: نهيتكم عن زيارة القبور، ثم بدا لي أنها تُرِق القلوب، وتُدمع العين، وتُذكر بالآخرة، فزوروها ولا تقولوا هُجراً. ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث ليالٍ، ثم بدا لي أن الناس يبتغون أدمهم، ويحتفون ضيفهم، ويرفعون لغائبهم، فكلوا وأمسكوا ما شئتم. ونهيتكم عن هذه الأوعية، فاشربوا فيما شئتم من شاء أوْكى سِقاءه على إثم”[151]. فهذه الأشياء المذكورة في الحديث، صدر في حقها حكم النهي المفضي للكراهية والتحريم في وقت كانت الحاجة فيه تفرض ذلك؛ فعن سلمة بن الأكوع قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلوا وأطعموا وادخروا، فإن ذلك العام كان بالناس جهدا فأردت أن تُعينوا فيها”[152]، فكانت الحاجة للإطعام والإكرام مصلحة راجحة عن المصلحة الخاصة في الادخار.
ومن هذا القبيل أيضا إباحته صلى الله عليه وسلم زيارة القبور بعدما ورد النهي عن زيارتها تحرزا من استمرار بدع الجاهلية في المقابل؛ فعن ابن بُريدة عن أبيه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكر بالآخرة”[153]، فالحديث يدل على مشروعية زيارة القبور للاتعاظ، وتذكر الآخرة، “شريطة ألا يقول عندها ما يغضب الرب سبحانه كدعاء القبور، والاستغاثة به من دون الله تعالى أو تزكيته والقطع له بالجنة”[154].
2- الدليل الثاني: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من جَرً ثوبه خُيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقال أبو بكر، إن أحد شِقيْ ثوبي يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنك لست تصنع ذلك خيلاء”[155]. فأنت ترى كيف تخلفت العلة في حق أبي بكر الصديق، مما يفهم منه أثر فقه واقع الأشخاص في الاجتهاد في تحقيق المناط الخاص. فالمعرفة بواقع المكلف له الأثر المباشر في بناء الحكم المراد تطبيقه.
وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا الباب؛ والناظر فيها يجد أنها مقيدة بقيد الخيلاء والكبر، يقول ابن حجر: “مفهومه أن الجر لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد”[156]، ولهذا فهم ابن عباس رضي الله عنه تلك الأحاديث بعدما جمع بينها وحمَلَ مطلقها على مقيدها، وعرف المقصود منها، وقال: “كُلْ ما شئت وألبس واشرب ما شئت ما أخطأتك اثنتان؛ سَرَف أو مَخِيلَة”[157]. ويشير الدكتور القرضاوي[158] إلى أن تقصير إزار أو ثوب هو داخل في باب التحسينيات التي تتعلق بمكارم الآداب والمكملات التي بها تُجمل الحياة، وتُرقى الأذواق، وتتعمق مكارم الأخلاق.
3- الدليل الثالث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكتُ! قال: مالك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا. قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما نحن على ذلك أُتِيَ بعَرَقٍ فيها تمرٌ- والعرق المكتل-، قال: أين السائل؟ فقال: أنا، قال: خذها فتصدق بها، فقال الرجل: أعَلى أفقرَ مني يا رسول الله؟! فوالله ما بين لاَبَتَيْها -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي! فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك”[159].
وهذا من جملة الاقتضاء التبعي للأحكام، الذي يراعي حال المكلف وقدرته وظروفه. وهو ثمرة تحقيق المناط الخاص، يقول أحمد الريسوني في فقه واقع تطبيق النص: “ومما يدخل في هذا الباب مراعاة الإمكان، أي: تقدير ما يمكن وما لا يمكن، وتقدير حدود الإمكان وجودا وعدما وقدراً. وإذا كان الميسور لا يسقط بالمعسور، فإن المعسور لا يلحق بالميسور، وتمييز ما هو مقدور مما ليس بمقدور، وما هو معسور مما هو ميسور يحتاج إلى دراية بالواقع وأهله”[160]. ومن ذلك جواب النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي سأل عن الهجرة؛ فعن أبي سعيد الخذري رضي الله عنه، أن أعرابيا سأل رسول الله عن الهجرة، فقال له صلى الله عليه وسلم: “ويحك! إن شأنها شديد، فهل لك من إبل تؤدي صدقتها؟ قال: نعم، قال: فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئا”[161]. فالنبي صلى الله عليه وسلم خاف عليه “أن لا يقوى لها ولا يقوم بحقوقها وأن ينكص على عقِبَيْه”[162]. وهكذا يتنوع الحكم بتنوع حال الأشخاص المكلفين.
المحور الثالث: اختلاف الحكم باختلاف الأوضاع السياسية والاجتماعية والمعرفية وغيرها.
يتلخص فقه الواقع عند التنزيل في اعتبار الفهم الدقيق والإدراك العميق لما تجري عليه حياة الناس العامة في مجالاتها المختلفة، فتنزيل الأحكام يتأثر بجميع الأحوال المشتركة بين المكلفين في زمان ما أو مكان ما، فتختلف الأحكام تبعا لاختلاف الأوضاع السياسية المحيطة بالمسلمين، كما يعتبر العامل الاقتصادي من أهم الأسباب المؤدية إلى العدول عن الاقتضاءات الأصلية، وتبعا لذلك تتأثر الأحوال الاجتماعية والمعرفية والبيئية الطبيعية وكذا الصناعية والتجارية والفلاحية وغيرها. ولبيان ذلك نسوق الحالات التالية الدالة على ذلك:
1- الحالة الأولى: ذكر الطبري[163] بسنده، أن قوله عز وجل:”إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان“(النحل،106) ، قال: نزلت في عمار بن ياسر؛ عن محمد بن عمار، عن أبيه قال: “أخذ المشركون عمار بن ياسر، فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله، ما تُرِكتُ حتى نِلتُ منك، وذكرتُ آلهتهم بخير، قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنا بالإيمان، قال: إن عادوا فعُد”[164].
هذا التخفيف الوارد من المنهاج النبوي في بداية الإسلام، جاء نظرا لما كان يلاقيه المسلمون الأوائل من الاضطهاد من طرف كفار قريش. فاستثناء من الحكم الأصلي المتنزل على مناط معتاد من القدرة والاختيار، جاء التخفيف بناء على المناط التبعي لعرض الإكراه والقتل والتنكيل، فالوضع السياسي المحيط بالمسلمين الأوائل أثر في تنزيل الحكم، وهذا مقرر لدى أهل الاعتبار من علماء المسلمين.
ولعل زمن المسلمين اليوم “أحوج إلى اعتبار الأحوال السياسية من أي زمن مضى، نظرا لانتشار المسلمين في كافة بقاع الأرض مع ما هو معلوم من اختلاف أنظمة الحكم من تلك البلدان؛ من المعادية للدين وأهله جملة وتفصيلا، إلى التي ترفع شعار الإسلام وتستقي من أنظمة الغرب بنحو أو بآخر، وبينهما أصناف ممن يصنعون لحرية التدين والدعوة إليه قيودا وشروطا”[165].
وقد ألّف مجموعة من العلماء المعاصرين في موضوع “فقه الأقليات”؛ أمثال يوسف القرضاوي وعبد المجيد النجار وأحمد الريسوني؛ وعيا منهم بضرورة تطبيق هذا الأصل، وعلامة على تأثير الظروف السياسية والمحيط العام في تنزيل الأحكام على الوقائع هناك.
2- الحالة الثانية: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال، قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه غضٌ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وِجاء”[166]. الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يعالج مشكلة اجتماعية؛ وهي مشكلة الشباب العزّب الذين لا يستطيعون الزواج، والنصيحة النبوية لهم بالصوم تدل على معرفته بالفطرة الإنسانية، كما أنها مبنية على العقل والنظر والمراس، وما سيؤول إليه الأمر في المجتمع إن لم تعالج هذه القضية من أساسها.
ويدخل في هذا الباب نهيه صلى الله عليه وسلم على أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة، فعن ابن عباس قال: “نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن تُزوج المرأة على العمة والخالة، قال: إنكن إذا فعلتن ذلك قطعتن أرحامكن”[167]. ومآل قطيعة الرحم أولى بالاعتبار من هذا النكاح إذا تقابلت بذلك المصالح والمفاسد، لأن الحفاظ على تماسك المجتمع وقوته ومحبته ومصلحته، أولى من زواج يؤدي إلى مفسدة قطع الرحم وتمزيق أواصر الأخوة والعلاقات العائلية في المجتمع المسلم.
3- الحالة الثالثة: عن أبي هريرة رضي الله عنه “أن رجلا جاء من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود، وإني أنكرته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حُمْر، قال: هل لك فيها من أوْرَق؟ قال: إن فيها لورقا، قال: فأنى أتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق”[168]. فأقنعه صلى الله عليه وسلم بوسيلة اعتاد عليها الأعرابي في حياته وبيئته.
إن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، كان يراعي في الأمور التي تحتاج إلى تنزيل حكم معين على المحل أو الأشخاص، الظروف والقدرات العامة والخاصة “وأحوال كل فئة منهم، بل كل واحد منهم ليعالجه بما يناسب، فلا يكلم الصغير بما يكلم به الكبير، ولا يخاطب الفتاة بما يخاطب به الفتى، ولا يعطي العوام ما يعطيه الخواص، ولا يأمر البدوي بما يأمر به الحضري؛ بل يعطي لكل متعلم على قدره وقدرته”[169].
4- الحالة الرابعة: روى الإمام أحمد والنسائي وأبو داود عن جابر بن عبد الله، “أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنين ووضع الحوائج”[170] وفي رواية الإمام مسلم، قال: “لو بعتَ من أخيك ثمرا فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بِمَ تأخذ مال أخيك بغير حق؟”[171]. فالواجب على فقهاء التنزيل -من خلال هذا الحديث وأمثاله- الإلمام بأحوال الاعتدال البيئية وأوجه التصرف المطلوبة المحققة لصلاحها وحفظها، وكذلك معرفة أحوال الاختلال الواقع والمتوقع فيها، وأوجه الإخلال بمكوناتها وما يؤول إلى إفسادها والإضرار بها من الأفعال. فإن إدراك أحوال البيئة الطبيعية لازم لتطبيق الأحكام على المحال في كل زمان ومكان وفي أي عصر من العصور.
ويدخل في هذا الباب، النهي عن دخول أرض فيها الطاعون أو الخروج من بلاد فيها الوباء؛ طلبا للمصلحة من حفظ النفس واعتبارا للمآلات المترتبة عن هذا الدخول المفضي لمفسدة محققة. فعن عبد الرحمان بن عوف قال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه”[172]. وهذه سُنة نبوية مع كل وباء.
5- الحالة الخامسة: عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى السوق”[173]. وهذا النهي جاء لما يمكن أن يحدثه هذا الفعل من مشاكل اقتصادية يتأذى بها العامة أكثر من الخاصة، لأن “الشارع يلاحظ مصلحة الناس، ويقدم مصلحة الجماعة على الواحد، لا الواحد على الجماعة. ولما كان البادي إذا باع لنفسه انتفع جميع أهل السوق، واشتروا رخيصاً فانتفع به جميع سكان البلد، لا حظ الشارع نفع أهل البلد على نفع البادي. ولما كان في التلقي إنما ينتفع المتلقي خاصة وهو واحد، لم يكن في إباحة التلقي مصلحة، لا سيَما وقد تضاف إلى ذلك علة ثانية، وهي لحُوق الضرر بأهل السوق في انفراد التلقي عنهم في الرخص، وقطع الموارد عليهم وهم أكثر من المتلقي”[174]. وفائدة هذا المنع حتى لا يستبد الأغنياء وأصحاب الأموال بالشراء دون الفقراء، فيلحقهم الضرر. فالسُّنة حرمت على التجار أن “يخرجوا إلى ظاهر المدينة، ليتلقوا السلع الوافدة من القرى والبادية قبل هبوطها الأسواق، منعا من احتكارها والتحكم في أسعارها”[175]. لكن هذا الحكم يعتبر من الأحكام التي تتغير مع انتفاء هذه العلة وتغير الأوضاع الاقتصادية وتطور الوسائل التجارية، كما هو حاصل في عالمنا المعاصر.
6- الحالة السادسة: عن جابر أن عمر بن الخطاب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنسخة من التوراة، فقال: يا رسول الله هذه نسخة من التوراة فسكتَ، فجعل يقرأ ووجه رسول الله يتغير، فقال أبو بكر: ثكلتك التواكل، ما ترى بوجه رسول الله! فنظر عمر إلى وجهه، فقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسول الله، رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفس محمد بيده لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حيا ثم أدرك نبوتي لاتّبَعني”[176].
من خلال هذا الحوار الذي جرى بين النبي وصحابته يتبين لنا أن نهي الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته عن قراءة التوراة، كان بسبب ما في ذلك من المفاسد التي تطرأ على الصحابة، وهم حديثو عهد بالإسلام، ولا يفهم من هذا أنه نهيٌ بإطلاق، فقد أجاز الرسول عليه السلام بعد ذلك الحديث عن بني إسرائيل؛ فعن عبد الله بن عمرو، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج”[177]. فالوضع المعرفي المحيط بالصحابة في بداية الإسلام يتطلب توحيد التصور الديني وتثبيت التدين الصحيح في القلوب والولاء الخالص للرسول محمد صلى الله عليه وسلم.
فهذه النصوص، وما يشبهها، هي نصوص متحركة مع المصالح، فمتى وجدت المصلحة فهو الدين.
ويدخل في هذا كذلك؛ النهي عن كتابة الحديث في أول الأمر، فعن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحُه، وحدثوا عني ولا حرج”[178]، فهذا النهي مرتبط بعلة الخوف من اختلاط القرآن بشيء آخر، فلذلك ورد النهي عن كتابة القرآن والحديث في صحيفة واحدة، لئلا يختلط فيتشبه على القارئ[179]. لكن عند زوال هذا الظرف، وأصبح المسلمون يميزون بين القرآن الكريم وبين غيره من الحديث النبوي الشريف، أباح الرسول صلى الله عليه وسلم لعينة من الصحابة الكتبة أن يكتبوا عنه الحديث، أمثال أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وآخرين. فأجمع المسلمون على جواز الكتابة وزوال ذلك الخلاف[180]. لأن هذه النصوص هي الأخرى مبنية على المصلحة، فمتى تحققت تنزّلت.
7 – الحالة الأخيرة: عن أنس بن مالك، “أن رجلا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأل شيئا، فقال له: أما في بيتك شيء؟ قال: بلى، حِلْسٌ نَلْبَسُ بعضه ونَبْسُط بعضه، وقَعْبٌ نشرب فيه من الماء، قال: ائتيني بهما، قال: فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده؛ وقال: من يشتري هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال: من يزيد على درهم؟ مرتين أو ثلاثاً، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري، وقال: اشتر بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قَدٌوماً فآتيني به، فأتاه به فشد فيه رسول الله عوداً بيده، ثم قال له: إذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوما. فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبا، وببعضها طعاما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير لك من تجيء المسألةُ نُكْتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة؛ لذي فقر مُدقع، أو لذي غرم مُفضع، أو لذي دم مُوجع”[181].
إنه مثال عظيم يحمل في طياته أسمى معاني العبرة والموعظة والحكمة، فالرسول الإمام عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، تصرف مع الأنصاري الفقير، وأمثاله ومن سيأتي بعده على شاكلته، تصرف الإمام الذي يراعي المصلحة العامة للفرد والجماعة، وهو يدرك في هذه الحالة أن بناء الأفراد واعتمادهم على أنفسهم هو أساس بناء الجماعة القوية وتنمية المجتمع الناجح. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بنى توجيهه التربوي التعليمي، على ما يمكن أن يحصل للسائل يوم القيامة من خجل ونكتة في الوجه لا تليق به، وهو قادر على العمل والكسب. فالتوجيه النبوي الحكيم جمع بين المصالح الاقتصادية والاجتماعية والتربوية للفرد والأمة على السواء.
خلاصة.
من المعلوم بالضرورة، أن تنزيل أي حكم شرعي إذا تحقق المجتهد أو غلب على ظنه، أن تطبيقه، في ظرف من الظروف، سيؤدي إلى مآل عكس المقاصد المستهدفة منه، وجب العدول عنه؛ تأجيلا أو تعديلا أو توقيفا. فهناك من الأفعال ما يتم النهي عنه مرة لقبح ثمراته، ويؤمر به تارة لحسن ثمراته، ويباح تارة لمصالح تتقارب في الإقدام عليه والإحجام عنه؛ لأن مآل التطبيق هو الذي يكيف الفعل بالمشروعية وعدمها، فلا بد إذن من اعتبار المآل عند تنزيل الأحكام.
والأمثلة التي أوردناها من خلال تتبعنا لوقائع السيرة النبوية، تبين لنا كيف وأين يلتقي فقه تنزيل الأحكام وأصل مآلات الأفعال؛ فأصل المآلات ركن أساسي في فقه التنزيل، بحيث يلتقيان على كلمة سواء وهي جلب المصالح ودرء المفاسد عند تنزيل الأحكام؛ فلا تنزيل صحيح دون اعتبارٍ للمآل.
ويظهر ذلك جليا من خلال البعد التنزيلي الذي تتميز به السيرة النبوية، من خلال توضيح مسالك التعليل المعتمدة في تنزيل الأحكام فيها، واعتبار مآلات الأفعال والأقوال، وكذا اعتبار الحال واختلاف الحكم باختلاف مناطه وما يتفرع عن ذلك من فقه الواقع والعرف و الاستحسان وسد الذرائع وغيرها من قواعد اعتبار المآل.
في الحلقة القادمة
سنتناول بالدراسة والتحليل موقف الصحابة الكرام مع فقه تنزيل الأحكام
من خلال دراسة اجتهاداتهم في حفظ مقاصد الأمة.
…………يتبع……………….
[1] الموافقات، الشاطبي، 3/108-109.
[2] المصدر السابق، 3/110.
[3] المصدر نفسه، 1/237.
[4] ينظر: أصول الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي، 1/110.
[5] البعد التنزيلي في التنظير الأصولي عند الإمام الشاطبي، عثمان بلخير، ص:108.
[6] ينظر: الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية، ص:136، و تعليل الأحكام، مصطفى شلبي، ص:135، وما بعدها.
[7] ينظر للتفصيل: تعليل الأحكام؛ عرض وتحيل الطريقة التعليلية في عصور الاجتهاد والتقليد، محمد مصطفى شلبي، الصفحات: 14-22.
[8] الموافقات، الشاطبي، 1/265.
[9] الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية، شلبي، ص:137.
[10] مختصر التنقيح، القرافي، ص:124.
[11] إثبات العلل، الترمذي، ص:67-68.
[12] تعليل الأحكام، شلبي، ص:23.
[13] الموافقات، الشاطبي، 3/273.
[14] ينظر: المصدر السابق، 3/273.
[15] أخرجه البخاري في كتاب صلاة التراويح، باب فضل قيام رمضان، رقم:1077. ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، رقم:1719.
[16] سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام، محمد بن إسماعيل الصنعاني ، تحقيق محمد عبد العزيز، 2/9.
[17] أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى، رقم:718.
[18] أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة، رقم:887. ومسلم في الصحيح، كتاب الطهارة، باب السواك، رقم:252.
[19] أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الطهارة، باب السوك، رقم:46، واللفظ له. ومالك في الموطأ، كتاب الطهارة، باب ما جاء في السواك، رقم:145. وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم:5312..
[20] تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، محمد عبد الرحمان المباركفوري، 3/523.
[21] أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها، رقم: 6817.
[22] أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها، رقم:3308.
[23] ينظر: مجموع الفتاوي، ابن تيمية، 22/407.
[24] أخرجه مسلم في باب ذكر الخوارج وصفاتهم، رقم:1063.
[25] أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب قوله تعالى:{سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم، إن الله لا يهدي القوم الفاسقين}، رقم: 4622.
[26] الحديث أورده ابن حجر في الفتح عند شرحه لحديث البخاري رقم:6454 من كتاب الحدود، باب من رأى مع امرأته رجلا فقتله. وأخرجه ابن ماجة في السنن، كتاب الحدود، باب الرجل يجد مع امرأته رجلا، رقم:2606.
[27] أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات، رقم:1206
[28] ينظر: تعليل الأحكام، مصطفى شلبي، ص: 27-28.
[29] أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب رثى النبي صلى الله عليه وسلم خزامة بن سعد، رقم:1233. ومسلم في كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، رقم:4296.
[30] أخرجه البخاري في كتاب التهجد، باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه.
[31] أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء رقم:465
[32] تقدم تخريجه.
[33] أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب ذب الرجل على ابنته في الغيرة والإنصاف، رقم:4932. ومسلم في الصحيح، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة بنت النبي عليها الصلاة والسلام، رقم: 6460.
[34] شرح صحيح البخاري، ابن بطال، 7/335.
[35] أخرجه وأبو داود في سننه، كتاب الزكاة، باب الرجل يخرج من ماله، رقم: 1673. وصححه الألباني في صحيح النسائي، برقم:2543.
[36] نص الحديث: “إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس، من أجل أن يحزنه”، أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، باب إن كانوا ثلاثة، رقم:6290. ومسلم، كتاب السلام، باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث، رقم:2183.
[37] أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب الجلوس على الحصير ونحوه، رقم:5523.
[38] فتح الباري، ابن حجر، 9/106.
[39] أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، رقم:4776.
[40] أخرجه البخاري عن أبي هريرة، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، رقم:39.
[41] أخرجه البخاري في كتاب الجماعة والإمامة، باب من أخف الصلاة ثم بكاء الصبي، رقم:676.
[42] أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الكذب وبيان المباح منه، رقم:2605. وأبو داود في السنن، باب في إصلاح ذات البين، رقم: 4921، وفي صحيح الأدب المفرد، الألباني، برقم:297.
[43] فقه المآلات مفهومه وقواعده، العثماني، ص:31.
[44] قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ابن عبد السلام، 1/124.
[45] أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب إسم الفرس والحمار، رقم:2701. ومسلم في الصحيح، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة، رقم:153.
[46] أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، برقم:2856.
[47] أخرجه أحمد في مسنده، تتمة مسند الأنصار، حديث معاذ بن جبل، رقم:22047. وقال شعيب الأرناؤوط: “إسناده صحيح على شرط الشيخين”، تخريج المسند، برقم:21994.
[48] أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا، رقم:31
[49] أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه، رقم:5628.
[50] فتح الباري، ابن حجر، 10/404.
[51] أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب لا يطرق أهله ليلا إذا طالت الغيبة، رقم:4946. ومسلم في كتاب الأمارة، باب كراهية الطروق وهو الدخول ليلا، رقم:5078.
[52] فتح الباري، ابن حجر، 9/341.
[53] أخرجه مسلم في كتاب الطلاق، باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة، رقم:3813.
[54] فقه المآلات وقضايا العصر، عمر الجميلي، ص:64.
[55] أخرجه مسلم في كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم، رقم:3512.
[56] أخرجه الترمذي في السنن، كتاب النكاح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ماجاء في النظر إلى المخطوبة، رقم:1087، وصححه الألباني في صحيح الجامع، وقال في السلسلة الصحيحة:”رجاله ثقات”، رقم:96.
[57] فقه المآلات، العثماني، ص:27.
[58] فتح الباري، ابن حجر، 1/422.
[59] شرح صحيح مسلم، النووي، 6/89.
[60] لما ولي الخلافة أراد أن يبني الكعبة على ما بناها ابن الزبير، وشاور الناس في ذلك وأفتاه مالك بألا يفعل. ينظر: السيرة الحلبية في سيرة الأمين والمأمون، علي بن برهان الدين الحليب، 1/295.
[61] الموافقات، الشاطبي، 4/197-198.
[62] كسع الرجلُ الرجلَ: بمعنى ضرب دبره بيده. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، 4/173.
[63] أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب ما ينهى من دعوة الجاهلية رقم:3518.
[64] شرح صحيح مسلم، النووي، 8/191.
[65] أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى{وإلى ثمود أخاهم صالحا}، رقم:3201. ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، رقم:7650.
[66] ينظر: فتح الباري، ابن حجر، 1/530. وإعلام الموقعين، ابن القيم، 3/152.
[67] أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، رقم: 52. ومسلم في كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الحرام، رقم:1599.
[68] فتح الباري، ابن حجر، شرح الحديث رقم:52.
[69] أخرجه البخاري في كتاب الشركة، باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه، رقم:2361.
[70] تحفة الأحوذي، المباركفوري، 6/329.
[71] أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب لا هامة، رقم:5437. ومسلم في كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، رقم:5922.
[72] ينظر: شرح صحيح مسلم، النووي، 1/35.
[73] أخرجه البخاري في كتاب الحيل، الباب العاشر، رقم: 6967، واللفظ له. ومسلم في الصحيح، كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن والحجة.
[74] أخرجه الترمذي في سننه، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، الباب الستون، حديث” أعقلها وتوكل” رقم: 2518. وأحمد في المسند، رقم:1723، مطولا. وقال ابن حجر: “إسناده صحيح”، تغليق التعليق،3/210.
[75] أخرجه الدارمي في السنن، كتاب البيوع، باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، رقم:2533. وأحمد في المسند بإسناد صحيح على شرط مسلم، رقم:17999. وصححه الألباني في تخريج مشكاة المصابيح، رقم:2705.
[76] الأنثى من الجمال طوال الأعناق.
[77] أخرجه أبو داود في السنن، باب الرجل يسرق في الغزو أيقطع؟ رقم:4408. والترمذي في سننه، كتاب الحدود، باب ما جاء أن لا تقطع الأيدي في الغزو. وصححه الألباني في صحيح الترمذي، رقم:1450، وتخريج المشكاة، برقم:3532.
[78] إعلام الموقعين، ابن القيم، 4/340.
[79] ينظر: سنن الترمذي، 4/53.
[80] أخرجه مسلم عن أنس، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات، رقم:285
[81] الشاطبي، الموافقات؛ 2/218.
[82] الإحكام، القرافي، ص:72.
[83] مجموع الرسائل، ابن عابدين، 2/125.
[84] ينظر: المدخل الفقهي العام، مصطفى الزرقا، 2/923.
[85] السَلَم هو: بيع آجل بعاجل، أو هو بيع موصوف في الذمة. ينظر: التعريفات، الجرجاني، ص:160.
[86] أخرجه أبو داود في كتاب البيوع، باب في الرجل يبيع ما ليس عنده، رقم: 3505. والترمذي في السنن، كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك، رقم: 1277. وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم:1292.
[87] أخرجه البخاري في كتاب السلم، باب السلم في وزن معلوم، رقم:2125. ومسلم في كتاب المساقاة، باب السلم، رقم:1604.
[88] ينظر: المدونة الكبرى، مالك، 9/30. والمغني، ابن قدامة، 6/402.
[89] ينظر: كتاب الأم، الشافعي، 4/187.
[90] إعلام الموقعين، ابن القيم، 2/20.
[91] ينظر: الاستحسان، يعقوب الباحسين، ص:161.
[92] العرايا: جمع عرية، وهي في الأصل عطية تمر دون الرقبة. كانت العرب تتطوع بذلك على من لا تمر له. وقال مالك: العرية أن يعري الرجلُ الرجلَ النخلة، أي؛ يهب له تمرها ثم يتأذى المعري بدخوله المعرى عليه ويرخص الموهوب له للواهب أن يشتري الرجل تمر النخلة بخرصه بشرط التقابض في الحال. ولها صور غير ذلك. ينظر: نيل الأوطار، الشوكاني، 5/191. وسبل السلام، الصنعاني، 5/57.
[93] أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا العرايا، رقم:3965. ومسلم في كتاب البيوع، رقم:1540. وأخرجه الترمذي في سننه بلفظ: “نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والمعاولة ورخص في العرايا”، كتاب البيوع، باب ما جاء في المخابرة والمعاولة. صحيح الجامع، برقم:6902.
[94] المرجع السابق.
[95] الأشباه والنظائر، ابن نجيم، ص: 93.
[96] الفتح، لابن حجر، 4/473.
[97] أخرجه البخاري في كتاب النفقات، باب إذا لم ينفق الرجل للمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها من معروف، رقم:5049.
[98] ينظر: المدخل الفقهي العام، مصطفى الزرقا، 2/923.
[99] أخرجه مسلم في كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا، رقم:1587.
[100] السياسة الشرعية والفقه الإسلامي، تاج عبد الرحمان، ص:144.
[101] رسالة نشر العَرف فيما بني من الأحكام على العُرف، ابن عابدين، 2/118.
[102] أخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، رقم:980.
[103] كيف نتعامل مع السنة النبوية، القرضاوي، ص:154.
[104] كيف نتعامل مع السنة النبوية، القرضاوي، ص:153-154.
[105] المرجع السابق، ص:154.
[106] أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها، رقم:5162.
[107] الاجتهاد التنزيلي، بشير بن مولود، ص:13.
[108] ينظر: الموافقات، 4/71.
[109] أخرجه النسائي في المجتبى، كتاب الصيام، باب ذكر الاختلاف على محمد بن أبي يعقوب في حديث أمامة، في فضل الصائم، رقم:2220. وابن خزيمة، كتاب الصيام، باب فضل الصيام وأنه لا عدل له من الأعمال، رقم:1893. وأحمد في المسند، رقم: 22149. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم:4044.
[110] أخرجه البخاري في كتاب الآداب، باب الحذر من الغضب، رقم:5765.
[111] أخرجه الترمذي في السنن، كتاب الزهد، باب ما جاء في حفظ اللسان، رقم:2410، وقال: حسن صحيح. وابن ماجة في السنن، كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، رقم:3972. وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم:4395.
[112] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، فصل في فضل السكوت عن كل ما لا يعنيه وترك الخوض فيه، رقم:4941. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم:1938، وفي صحيح الجامع، برقم: 4048.
[113] الموافقات، الشاطبي، 3/68.
[114] أخرجه أبو دود في السنن، كتاب الزكاة، باب في الرخصة في ذلك، رقم:1678. والترمذي في سننه، كتاب المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقال: “حسن صحيح”. وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، رقم:3675.
[115] أخرجه البخاري في كتاب الوصايا، باب إذا تصدق أو أوقف بعض ماله أو بعض رقيقه أو دوابه فهو جائز، رقم:2606. ومسلم في كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، رقم:2769.
[116] أخرجه أبو داود في السنن، رقم:1691. والنسائي في السنن، كتاب الزكاة، باب تفسير ذلك، رقم:2535. وحكم عليه الألباني بأنه: “حديث حسن صحيح”، صحيح النسائي، رقم: 2534.
[117] الموافقات، الشاطبي، 4/83.
[118] أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب فضل من يعول يتيما، رقم:6005.
[119] أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم، رقم:1827.
[120] زاد المعاد، ابن القيم، 2/409.
[121] أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب كراهية الإمارة بغير ضرورة، رقم:1826.
[122] أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب كراهية الإمارة بغير ضرور، رقم:1825.
[123] أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، رقم:1733.
[124] وُكّلت إليها: بمعنى صُرِفْت إليها، ومن وُكِل لنفسه هلك، ووكله بالتشديد: استحفظه. ومعنى الحديث: أن من طلب الإمارة فأعطاها تُركت إعانته عليها من أجل حرصه. ينظر: هذا رسول الله، إعداد مجموعة من العلماء، إشراف د.سلمان العودة، ص:263.
[125] أخرجه البخاري في كتاب الإمارة، رقم:7147، واللفظ له. ومسلم في الصحيح، كتاب الإمارة، رقم:1652.
[126] فقه التنزيل، وسيلة خلفي، ص:105.
[127] زاد المعاد، ابن القيم، 2/410.
[128] خلق المسلم، محمد الغزالي، ص:45.
[129] التمهيد في الرد على الملحدة المعطلة والروافض والخوارج والمعتزلة، أبو بكر الباقلاني، ص: 182.
[130] أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الحج المبرور، رقم:1519. ومسلم في كتاب الإيمان، باب أفضل الأعمال الإيمان بالله ثم آخر ثم آخر، رقم:135.
[131] أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب أفضل الأعمال الإيمان بالله، رقم:137.
[132] النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، 2/236.
[133] أخرجه ابن حبان في صحيحه، باب العزلة، ذكر البيان بان الاعتزال لمن تفرد بغنمه مع عبادة الله إنما يستحق الثواب الذي ذكرناه إذا لم يكن يؤدي الناس بلسانه ويده، قال المحقق: إسناده صحيح، تخريج صحيح ابن حبان، رقم:773.
[134] أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، والفظ له، رقم:5970. ومسلم في الصحيح، كتاب الإيمان، باب كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، رقم:84.
[135] أخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب المناسك، باب رفع الصلوات بالتلبية. وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة، برقم:2383. ومعنى العجّ: رفع الصوت بالتلبية، والثّج: معناه سيلان دماء الهدي والأضاحي. ينظر النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير، 1/207.
[136] أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الصلاة، باب افتتاح الليل بركعتين، واللفظ له. والترمذي في السنن، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل، رقم: 170. وصححه الألباني، في صحيح أبي داود، برقم:1325.
[137] أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، رقم:40.
[138] أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب إطعام الطعام من الإسلام، رقم:12. ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، رقم:49.
[139] أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى، رقم:2676.
[140] أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه، رقم:5027.
[141] أخرجه الترمذي في السنن، كتاب أبواب الدعوات، باب ما جاء في فضل الذكر. وأحمد في المسند، في أول مسند البصريين، رقم:17734،5/50. وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم:2329.
[142] أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، رقم:3119.
[143] الموافقات، الشاطبي، 4/99.
[144] المصدر السابق، 4/98.
[145] لقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا لأم سليم ولأبي طلحة بولد صالح، جاء من صلبه تسعة من حفظة القرآن. وأنه دعا مع أم أبي هريرة بالهداية فأسلمت. ودعا لسعد بن أبي وقاص وهو مريض فعوفي ودعا له أن يكون مُجاب الدعوة فكان كذلك. ودعا لعلي بن أبي طالب بمثل ذلك. وثبت أنه دعا للسائب بن يزيد بالعافية وطول العمر. ودعا لعبد الرحمان بن عوف بالبركة، ففتح الله له في المتجر والمغانم. كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه دعا على بعضهم؛ كدعائه على معاوية بن أبي سفيان بعدم الشبع، فكان لا يشبع بعدها أبدا… وغيرها كثير. ينظر: السيرة النبوية والمعجزات، خلاصة تاريخ ابن كثير، محمد بن احمد كنعان، ص:486-487.
[146] أخرجه الترمذي في السنن، كتاب المناقب، باب مناقب لأنس بن مالك رضي الله عنه، رقم:3829. وقال: “حديث حسن صحيح”. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم:140.
[147] أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، رقم:2253. والطبراني في المعجم الكبير،8/260، رقم:7873. وأبو نعيم في معرفة الصحابة، رقم:1404 مطولا.
[148] ينظر: المستصفى، الغزالي، 2/480. والموافقات، الشاطبي، 4/294.
[149] أخرجه أحمد في المسند، الفضائل،2/149، رقم:838 واللفظ له، قال أحمد شاكر: “إسناده صحيح”، 2/149. وقال شعيب الأرناؤوط: “إسناده حسن”، تخريج المسند، رقم:838.
[150] أخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب فضل التعفف والصبر، رقم:1053.
[151] أخرجه أحمد في المسند، رقم:13487، قال شعيب الأرنؤوط في تخريج المسند: “صحيح بطرقه وشواهده”. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم:2475.
[152] أخرجه البخاري في كتاب الأضاحي، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يزود به، رقم:5569. ومسلم في كتب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام، رقم:1974.
[153] أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه، رقم:977.
[154] أحكام الجنائز وبدعها، ناصر الدين الألباني، ص:227.
[155] أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لو كنت متخذا خليلا، رقم:3665.
[156] ينظر: فتح الباري، ابن حجر، 16/336.
[157] أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب قوله تعالى:{قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}. وفي نفس الباب قال صلى عليه وسلم: “كلوا واشربوا وألبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة”.
[158] ينظر: كيف نتعامل مع السنة النبوية، القرضاوي، ص:127.
[159] أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتُصدق عليه فليكف،1936.
[160] الاجتهاد بين النص والمصلحة والواقع، الريسوني، ص:64.
[161] أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب زكاة الإب، رقم: 1384. ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير، رقم:4939.
[162] شرح صحيح مسلم، النووي، 13/9.
[163] جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ابن جرير الطبري، 14/374.
[164] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب المرتد، باب المكره على الردة، رقم:17350. والحاكم في المستدرك على الصحيحين، كتاب التفسير، تفسير سورة النحل، رقم:3362. قال ابن حجر: “إسناده صحيح”، الدراية،2/197.
[165] فقه التنزيل وقواعده وتطبيقاته، أيت أمجوض، ص:280-281.
[166] أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب من لم يستطع الباءة فليصم، رقم:5065. ومسلم في كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، رقم:1400.
[167] أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب النكاح، باب حرمة المناكحة، قال الأرناؤوط في تخريج صحيح ابن حبان: حيث حسن، رقم:4116. وصححه ابن الملقن في الإعلام، 8/179.
[168] أخرجه البخاري في كتاب الطلاق، باب إذا عرض بنفي الولد، رقم:5305.
[169] الرسول والعلم، القرضاوي، ص:140.
[170] أخرجه أبو داود في السنن، كتاب البيوع، باب في بيع السنين. وأحمد في المسند، مسند جابر بن عبد الله، وإسناده صحيح على شرط مسلم، تخريج المسند، رقم:14254. وصححه الألباني في صحيح أبي داود، رقم: 3374.
[171] أخرجه مسلم في كتاب المساقاة، باب وضع الحوائج، رقم:1553.
[172] أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، رقم:5397. ومسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة، رقم:5915.
[173] أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب النهي عن تلقي الركبان، رقم:2057.
[174] سبل السلام، الصنعاني، 3/22.
[175] المناهج الأصولية، فتحي الدريني، ص:479.
[176] أخرجه الدارمي في السنن، باب ما يتقي من تفسير حديث النبي صلى الله عليه وسلم وقول غيره عند قوله صلى الله عليه وسلم، رقم:435. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم:5308.
[177] أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم:3274.
[178] أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم، رقم:3004.
[179] ينظر: شرح السنن، الإمام البغوي، 1/295.
[180] ينظر: شرح صحيح مسلم، النووي، 18/130.
[181] أخرجه أبو داود في السنن، رقم:1641. وابن ماجة في السنن، برقم:2198. وأحمد في المسند، برقم:12278، واللفظ له، وحسنه الأرناؤوط في تخريج المسند. وقال الألباني: “الحديث صحيح لغيره”، صحيح الترغيب، برقم:834.