الحلقة 12: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛ دراسة أصولية تطبيقية.
ذ. محمد الغالي
الحلقة 12: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛
دراسة أصولية تطبيقية.
بقلم: ذ. محمد الغالي
أصول وضوابط فقه التنزيل
تمهيد:
بعد الانتهاء من الحديث عن حقيقة فقه التنزيل ومشروعيته وأسسه ومقاصده، كما تم بيانه، جاء دور إثبات وحماية ما مضى من خلال ضوابط وأصول لفقه التنزيل لإتمام العرض النظري بشكل كامل وشامل، ولضمان سلامة التنزيل في المستقبل، وحتى لا يكون فقه التنزيل فقها منفلتا، بل فقها منضبطا بضوابط الشرع، يكفل فهما صحيحا للنصوص، واجتهادا تنزيليا مقاصديا صحيحا يراعي الثوابت والمتغيرات، ضمن حدود معينة تضمن حسن التطبيق على واقع متغير وفي ظروف متغيرة.
وطرح مسألة الضوابط والقيود الواجب استحضارها في عملية مراعاة المقاصد واعتبارها في عملية الاجتهاد التنزيلي، له نفس الأهمية والمكانة التي حظيت بها المقاصد والمصالح.
وحماية المقصد من الخلل والشطط والاضطراب، تكون بضوابط وشروط توجد بوجوده وبانتفائه تنتفي. فما هي المبررات الداعية إلى العمل بالضوابط في فقه التنزيل؟ وما هي أصوله التي يعتمد عليها؟ ثم ما هي ضوابطه التي يجب الانضباط لها؟
المطلب الأول: المبررات الداعية إلى العمل بالضوابط.
يعتبر الاجتهاد التنزيلي، الاجتهاد المؤسس على فقه المقاصد، بل هو الصورة التطبيقية للاجتهاد المقاصدي، وضوابط هذا الأخير هي نفسها ضوابط فقه التنزيل.
والتنبيه والتأكيد على ضرورة استحضار الضوابط في هذا العلم له ما يبرره ويقنع به، سواء من خلال الأدلة والنصوص المفيدة لذلك، أو من خلال قرائن الأحوال العقلية والمنطقية والحسية الموصلة إلى ذلك. ويمكننا عرض هذه الدواعي والمبررات على النحو التالي:
الفرع الأول: الضوابط ثابتة باستقراء الأدلة والقرائن الشرعية والعقل والاجتهاد.
لا يمكن إنكار هذه الضوابط لأننا لا نستطيع إنكار الاستقراء الذي ظل من العمليات المنطقية والمعرفية، ومن المبادئ العلمية المعتبرة التي اتفق عليها العلماء والفقهاء والأصوليون والخبراء والفلاسفة على طول التاريخ البشري، وتلقتها الأمة بالتأييد والقبول.
كما يُعلم بداهة وعقلا “أن المشروط متوقف على شرطه، وأن المدلول مبني على دليله، لذلك فإن المقصد متوقف على ضوابطه وجودا وعدما”[1]، فالضوابط في علاقتها مع المقاصد عند التنزيل على الواقع كالشرط مع المشروط والدليل مع المدلول.
أما العقل الإنساني ولئن كان دوره يتمثل في استيعاب الأحكام وكشف مقاصدها، وإجراء بعض الأعمال المنطقية والعقلية، فإن ذلك العقل “يظل قاصرا في ضبط جوهر المصالح وحقيقتها وكليتها وعمومها وضرورتها وتعارضها، ودليل ذلك اختلاف الأمم والجماعات والأفراد في كون هذا الأمر صالحا أو غير صالح”[2]، وحتى الأعمال العقلية التي يجوز للعقل تنفيذها فإنها ليست على إطلاقها، بل هي منضبطة بقيودها وضوابطها حتى تؤدي غرضها المطلوب.
والمجتهدون في حاجة إلى الضوابط لاستخدامها عند تعارض المصالح، “فيقدمون القطعي على الظني والكلي على الجزئي، والحقيقي على الوهمي، ولن يكون ذلك حاصلا إلا بما أقره الشارع بصفة قطعية أو أولية أو غير ذلك”[3]. وهذا ما يجعل العمل بالضوابط تأكيد على الخاصية الوسطية الإسلامية التي تزن المصالح بمعيار الشرع وميزانه .
الفرع الثاني: المقاصد ليست دليلا مستقلا عن الأدلة الشرعية.
إن مقاصد الشريعة جزء من الشريعة نفسها، وفرع من فروعها، وثمرة من ثمارها، فهي تابعة لها ومتفرعة عنها ومستخلصة منها.
وبناء على ذلك، فإن المقاصد ليست دليلا مستقلا عن أدلة الشرع ونصوصه، وتعاليمه، و “ليست مصدرا قد ينفلت أو يتملص من دائرة الهدي الإسلامي والتوجيه النبوي. وكذلك فإن العمل بالمقاصد والاجتهاد في ضوئها وعلى وفقها لا ينبغي أن يكون مستقلا عن تعاليم الوحي وضوابط الدين، بل يلزم ربطه وتقييده بتلك التعاليم والضوابط”[4]. بمعنى أن المقاصد بذاتها تعتبر حكما شرعيا .
والمقاصد الشرعية تعتبر ركنا أساسيا في الاجتهاد التنزيلي بالإضافة إلى أصول الفقه وقواعده، يقول إلياس دردور في بيان هذه الأركان: “أحدهما: أصول الفقه وما يتعلق به من قواعد لضبط طرق استعمال العرب في مناحي خطابها، وما تنساق إليه أفهامها في كلامها، وكل ما تمس به الحاجة. استخراج الأحكام بطرق مباشرة مما قرره أئمة اللغة، مما له علاقة بالقرآن والسنة، ثم ما يتعلق بالإجماع والقياس والاجتهاد والترجيح. وثانيهما: مقاصد الشريعة التي لم توضع الأحكام إلا لتحقيقها، وتحري بسطها، واستقصاء تفاريعها واستثمارها من استقراء موارد الشريعة فيها بمعرفة سر التشريع”[5].
والعمل بضوابط التنزيل هو نفسه العمل بالمقاصد، وتفويتها أو التفريط في ضابط منها هو ضياع ما جعله الشارع مرادا ومقصدا لدينه وشرعه. و المصالح والضوابط متلازمان مترابطان، “لا يجوز عقلا ولا شرعا الفصل بينهما، أو إهدار واحد منهما، لأن المقاصد الشرعية هي مراد للشارع الحكيم، والكشف عنها لا يكون إلا ضمن مشيئته وعلمه ومراده”[6]. وهكذا فإن مراعاة ضوابط التنزيل من مسلمات البعد العقدي الإسلامي.
الفرع الثالث: اعتبار المصالح من دواعي ضوابط التنزيل.
اتفق علماء الأمة قديما وحديثا على أن الشريعة مقاصدها وأساسها مصالح العباد في المعاش والمعاد، ويزكي هذا مقولة ابن القيم المشهورة، الجامعة والمانعة: “إن الشريعة مبناها وأساسها على مصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، وحكمة كلها، ومصلحة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل”[7].
و لِاعْتبار المصالح وقبولها لا بد من مراعاة معايير محددة تمثل شروطا ضرورية عند الحديث عن قبول المصالح المرسلة، وهي باختصار كالآتي:
1- عدم معارضتها للنص الشرعي أو تفويتها له:
والمقصود بالنص الشرعي عند العلماء، هو نص الكتاب والسنة. والنص من حيث دلالته على حكمه ومعناه نوعان، الأول: هو النص القطعي؛ وهو النص المقطوع به في دلالته على معناه وحكمه، “فإذا اتضحت قطعية دلالته، اتضح سقوط احتمال المصلحة المظنونة في مقابله”[8]. والثاني: النص الظني؛ وهو الذي يدل على أكثر من معنى وحكم، و”المصلحة المرسلة المتبعة في النص الظني ينبغي ألا تعارض المعاني التي يتضمنها هذا النص، ويمكن أن يكون الاجتهاد قائما على حصر تلك المعاني والأحكام”[9]. والنتيجة في هذا الشرط أن المصلحة المرسلة إذا صادمت نصا شرعيا، فهي حينئذ تكون مصلحة ملغاة وغير معتبرة.
2- عدم معارضتها للإجماع:
بمعنى عدم معارضة المصلحة المرسلة للإجماع القطعي، “فالإجماع القطعي كالإجماع على العبادات والمقدرات، فهذا النوع لا يتغير بتغير المصلحة، أما الإجماع الظني كالاتفاق على مسائل بناءً على مراعاة العرف والعادة والظرف، فهذا الإجماع يخضع للتبديل والتعديل بموجب المستند الذي انبنى عليه”[10]. وتكثر هذه الحالة في زماننا المعاصر حيث التغيرات الكثيرة والسريعة والمعقدة.
3- عدم معارضة المصلحة للقياس:
وبيان ذلك أن هناك علاقة نسبية بين القياس والمصلحة المطلقة، فكل قياس فيه مراعاة مصلحة، وليس كل مراعاةٍ للمصلحة قياساً. يقول البوطي: ” والقياس إنما هو مراعاة مصلحة في الفرع، بناء على مساواته الأصل في علة حكمه المنصوص عليه، فبينهما من النسبة إذن، العموم والخصوص المطلق، إذ القياس فيه مراعاة لمطلق المصلحة، وفيه زيادة على ذلك العلة التي اعتبرها الشارع، ومراعاة مطلق المصلحة أعلم من أن توجد فيها هذه الزيادة أولا كما هو واضح”[11].
فإذا وقع التعارض قدمنا القياس على المصلحة، لأنه أقوى بما فيه من الزيادة عن المصلحة. لأن” المصلحة لا عبرة بها، إذا عارضها قياس صحيح، سواء أكانت مصلحة لا شاهد لها في الشرع كالمصلحة المرسلة، أو كانت مصلحة معتمدة على مناسب معتبر من الشرع كالقياس إذا عارضه قياس أقوى منه في الاعتبار”[12]، فإذا لم نفعل، فكأننا جعلنا التعارض بينهما متساوي وهو خلاف الواقع.
4- عدم تفويتها مصلحة أهم منها أو متساوية لها:
معلوم عند العلماء أن المصالح تتنوع وتتباين وتتداخل وتترجح حسب عدة اعتبارات، ولمعرفة ذلك وجبت الإحاطة بحقيقة المصالح ومراتبها وتعارضها، “والترجيح ينبني على تقديم المصلحة الأهم على المصلحة المهمة، كتقديم المصلحة العامة على الخاصة، وتقديم المصلحة القطعية على المظنونة، والمظنونة على المحتملة، والمحتملة على الموهومة، وكتقديم المصلحة المتعدية على المصلحة القاصرة”[13]
ولمعرفة هذا التفاوت الحاصل بين المصالح نسوق مثالا على ذلك: النكاح مثلا؛ وهو من الضروريات المشروعة لحفظ النسل بالطريقة الصحيحة والسليمة، ولكنه “قد يكلف صاحبه تحمل مشقة من أجل الرزق، ويعاني من عدم ارتفاعه لديه إلى مستوى الكمال، فيجب تقديم ما به يتم حفظ النسل وإن فاتت به الرفاهية المتعلقة بمصلحة المال؛ لأن ذلك ضروري وهذا تحسيني، ولأن الأول متعلق بمصلحة النسل والثاني متعلق بمصلحة المال”[14]، وهذا المثال يصدق على كل من توافرت في نفوسهم خصائص البشرية من الحاجة إلى الزواج. ولذلك تقدمت مصلحة النسل عن مصلحة المال للتفاوت الحاصل بينهما.
فهذه أهم الدواعي والمبررات التي كانت وراء ضرورة العمل بضوابط التنزيل، ومقاصده، والتي تحتاج إلى مجموعة من القواعد والأصول الموجهة لها والمقعدة لأهدافها.
المطلب الثاني: قواعد وأصول فقه تنزيل الأحكام.
ونعني بذلك المبادئ والقواعد والأصول الكبرى التي تشكل المرجع والأساس المنهجي والإطار الشامل لاعتبار التنزيل، ومراعاة المقاصد في عملية الاجتهاد التنزيلي.
وهذه القواعد والمبادئ تتأسس على المعطيات الواقعية، ومتصلة بالتراث الأصولي الفقهي، باعتباره المصدر المساعد على ضبط هذه القواعد المنهجية وإنضاجها في تطبيق الشريعة، وللتميز بين القواعد والأصول – رغم تكاملهما في عملية التنزيل- سنقسيم هذا المطلب إلى فرعين أساسيين؛ الأول: نقف فيه على المبادئ والقواعد التي ينبغي مراعاتها في تقييد مقاصد التنزيل. والثاني: نوجز فيه بعض الأصول الموجهة لفقه التنزيل وفهم النازلة.
الفرع الأول: قواعد ومبادئ فقه التنزيل.
وتتعدد هذه القواعد وتتفرع على غرار أحكام الشريعة إلى أنواع كثيرة نلخص أهمها في خمس قواعد:
- القاعدة الأولى: شرعية فقه التنزيل، وتأطيره العقدي:
إن الأحكام الشرعية شرعت كلها في أحكام العقيدة، فهذه هي الأصل في الدين، وعنها تفرعت كل التعاليم المتعلقة بالسلوك، ولذلك فإن “كل اجتهاد في أحكام الشريعة بالفهم المباشر أو بالتطبيق، صياغة وتنزيلا، ينبغي أن يكون محكوما بالمبادئ العقدية، متخذا منها المرجعية العليا الموجهة له فيما ينتهي إليه من نتائج”[15]، وإلا كانت النتائج مخالفة لمقاصد التنزيل.
فمن مبادئ فقه التنزيل أن تساير مقاصده الفكر العقدي الإسلامي، وان تتطابق مع مبدأ العبودية والحاكمية الإلهية، والتكليف الديني، وتحصيل المصالح الشرعية في الدارين، قال تعالى: “ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت“(النحل؛36). فالعبودية بهذا المعنى الموسع تسخير لكل ما في وسع الإنسان ومقدوره بغية طاعة الخالق وجلب مرضاته، فيكون فعل الإنسان والجماعة والأمة قائما وفق مبدأ العبودية الإلهية ومراد المعبود الحكيم ومقاصد الوحي الكريم. قال تعالى: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون“(الذاريات؛56).
بالإضافة إلى ذلك، فهذا المبدأ يرمي إلى ربط العقيدة بالشريعة لا الفصل بينهما، فالعقيدة هي التعاليم التي جاء الوحي يكلف الإنسان بتحملها القلبي كالإيمان بوجود الله وصفاته وبالنبوة والبعث، والشريعة هي التي يُكلف الإنسان بتحملها بواسطة الإنجاز السلوكي كالصلاة والصيام وسائر أحكام المعاملات.
إن هذا الوصل بين العقيدة والشريعة في التقرير العلمي، يمكن “أن نستثمره اليوم فيما نسعى إليه من تأطير عقدي للشريعة في مضمار النزوع بها إلى التطبيق. وذلك بإدراج قضايا ذات صبغة عقدية في سياق صياغة الأحكام الشرعية لتصبح ضمن مباحثها الفقهية، تستند إليها أبوابها الكبرى، وترجع إليها تفاصيلها عند كل اجتهاد تنزيلي”[16].
أضف إلى هذا، أن من أسس العقيدة الإسلامية الربط بين الدنيا والآخرة، قال الشاطبي: “المصالح المجتلبة شرعا، والمفاسد المستدفعة شرعا، إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الآخرة، لا من حيث أهواء النفوس في جلب المصالح العادية أو درء مفاسدها العادية”[17]. ولأن ميزان المقاصد ينضبط بنظرة الإسلام للوجود الكوني، القائمة على الجمع بين البعدين المادي والغيبي، والربط بين حياتي الدنيا والآخرة، والتنسيق بين مطالب الجسد والروح، “فالمقاصد الشرعية محكومة بهذا الضابط المتين، وأن أي خلل أو شذوذ عنه يعد إخلالا عظيما وانفلاتا خطيرا عن حقيقة المقاصد الشرعية”[18].
والمقصود بهذه القاعدة هو أن تكون مقاصد فقه التنزيل منبثقة من هذا المفهوم الشامل للعبادة ومتصفة بصفات الشرعية والربانية في الإطار العقدي إقناعا وتعليلا و فهما وتنزيلا.
- القاعدة الثانية: مبدأ التكامل، والصياغة المقصدية لفقه التنزيل:
بالإضافة إلى شمولية مقاصد فقه التنزيل وارتكازه على الطابع الواقعي الذي يجسد حيويتها ومسايرتها لمختلف البيئات والظروف، والطابع الخلقي القيمي الإنساني المميز لفقه التنزيل القائم على كبريات القيم وعظيم الفضائل من قبيل العدل والحرية والتسامح والأمانة، وجريانها وفق العقول الراجحة والأفهام السليمة، فإنه لا تكتمل هذه الصفات والخصائص إلا باستحضار مبدأ التكامل والذي يعتمد أولا على صياغة الأحكام السلوكية في إطار المبادئ العقدية الخاصة بكل مجال من مجالات السلوك المختلفة، وعلى الفهم الشامل لجميع العناصر الواقعية، النفسية والثقافية والاقتصادية والسياسية، وغيرها، وسواء الفردية منها والخاصة أو الاجتماعية التي تهم الأمة عامة.
ويتحقق التكامل باعتبار مآلات الأفعال بصور متعددة، تتلافى كلها التضارب بين ما يراد من الأحكام الشرعية من تحقيق المصلحة، وبين ما قد يفضي إليه اعتمادها في ظرف معين من مضرة، كل ذلك “على أساس صياغة الأحكام لمعالجة واقع معين، سواء بالترجيح أو الاستثناء أو الاستحداث، تضمن كلها توافق الآثار التي تؤدي إليها تلك الأحكام في تصرفات الناس، وبما يحقق وجهتها نحو الله، ويعصمها من التناقض”[19]. ولا تناقض في الأحكام ، بل يكمل بعضها بعضا.
وإذا كانت الأحكام الشرعية قد تتخلف مقاصدها في الإصلاح عند تطبيقها على بعض الأفراد من النوازل والأوضاع الواقعية، فإن هذا يدعو إذن إلى أن تعتبر المقاصد من حيث تحققها في الواقع عند تطبيق الأحكام عنصرا أساسيا في الاجتهاد التطبيقي لتلك الأحكام، بحيث يكون تقريرها وعرضها للتطبيق مبنيا على ما تفضي إليه من تحقيق المقاصد في الواقع لا على أساس اللازم النظري بينها وبين مقاصدها، وذلك ما نعنيه بالصياغة المقصدية لفقه التنزيل.
وربما كانت الصياغة المقصدية بهذا المعنى تقتضي أن ينال الحكم الشرعي الثابت المنصوص عليه تعديل أو تأجيل أو تبديل عند الإجراء التطبيقي، وهو “ما يجعل مسؤولية المجتهد في هذه الصياغة مسؤولية ثقيلة من حيث إن التقدير في تحقق المقاصد من عدمه بتنزيل الأحكام على الوقائع تقدير مجال الظن فيه مجال واسع، وإذا ما كان التقدير خاطئا أدى إلى تعطيل الشريعة عن الهداية، وحسبك بذلك محذور يستلزم القدر الكبير من التحوط والدقة والورع”[20]. وهذا يستدعي في سبيل التنزيل الشامل لأحكام الشريعة في الواقع الإسلامي الحالي ولمعالجة النوازل الراهنة، أن تعاد صياغتها بمنهج مقصدي وترتب على أساس مقاصدها وتعرض عرضا واقعيا.
- القاعدة الثالثة: العدالة والشفافية والموضوعية في تنزيل الأحكام:
فالعدل أساس الحكم، والله عز وجل أمر بالعدل، وتنزيل الأحكام على الوقائع يجب ألا يقع فيه تميز أو حيف، لأن سبب هلاك الأمم السابقة هو تفريقهم بين الناس في تطبيق الأحكام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيْمُ الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”[21]، فالعدالة والمساواة مطلوبان عند تنزيل أحكام الشريعة على واقع الناس.
وإذا كان تنزيل الشريعة وأحكامها يهدف إلى بناء مجتمع طاهر، والمجتمع النقي الطاهر هو المجتمع المبني على الفضيلة وعلى مكارم الأخلاق، وجب مع ذلك مراعاة الشفافية والموضوعية إلى أبعد مدى، وذلك للمحافظة على المجتمع المسلم، ولا غرابة أن تجد في الزمن الأول من الصحابة من يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه التطهير وإقامة الحد عليه، وفي المقابل حرص الإسلام بل حث على الستر وعلى درء الحدود ما وجد لذلك سبيلا. وهذا هو الذي نعني به المجتمع العادل.
- القاعدة الرابعة: ضرورة تنزيل العلم على العمل:
ورد عن الشاطبي أن ما تحصل لديه من علوم إسلامية وجهها لخدمة علم المقاصد، ووجه المقاصد إلى خدمة تنزيل الحكم على الواقع. وقد علل هذا الأمر بعدة أمور نذكرها مترابطة في ركنين أساسيين:
1– العلم بدون عمل مذموم شرعا: وهو ما قدره الشاطبي وبرهن عليه في المقدمة الخامسة من أن “كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي”[22]. ولذلك نجد أن مجموعة من الأسئلة وردت من الصحابة الكرام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجاب عليها الشارع بما يتعلق به العمل، وليس بما قصده السائل من سؤاله؛ كسؤالهم عن الأهلة، وسؤالهم عن الساعة، وسؤالهم عن الروح وغيرها من الغيبيات. وبعد تأكدهم بمقصود الشارع في ترك السؤال عما لا يفيدهم في عباداتهم ومعاملاتهم؛ “لم يخوضوا في هذه الأشياء التي ليس تحتها عمل، مع أنهم أعلم بمعنى العلم المطلوب”[23]، فالعلم لم يثبت فضله في الشريعة إلا من حيث التوسل به إلى العمل.
2- العمل المطلوب هو الخادم لمقصد التعبد: فالتعبد هو المقصد الأسمى من الخلق والأمر، يقول الشاطبي: “كل علم شرعي فطلب الشارع له إنما يكون حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله تعالى، لا من جهة أخرى”[24] وعلى هذا الأساس توجه جميع العلوم لخدمة المقاصد الشرعية، لثبوت أن الشرع جاء لمصالح العباد، وعلى رأسها التعبد لله، وهو المقصود من بعثة الأنبياء والرسل، وتجديد دعوة الورثة والأمناء.
- القاعدة الخامسة: تنزيل الأحكام وضرورة موافقته لمقاصد الشريعة:
إن فقيه التنزيل، وقبل خوضه في تنزيل العلم إلى العمل، أي تنزيل الأحكام إلى التطبيق لإفادة الثمرة التكليفية، فهو “مطالب بفهم الشريعة ومقاصدها وإفهامها إلى عموم المكلفين، لأن الشريعة جاءت مفهمة، والقائم بتنزيلها ينبغي ألا يخل بقصدها الإفهامي”[25]. وهذا المقصد الإفهامي يأتي بعد المقاصد الابتدائية التي لأجلها وضعت الشريعة أولا، أي بالقصد الأول، فيلزم أن يبين أن “تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: ضرورية، حاجية، تحسينية”[26]. وفي تنزيل الأحكام وجب احترام هذه التراتبية في المقاصد.
أما على مستوى المقاصد التكليفية وإمكانية تنزيل أحكام الشريعة، فإن الشارع قصد من شرح الأحكام التكليف بها، “وثبت في الأصول أن شرط التكليف أو سببه القدرة على المكلف به، فما لا قدرة للمكلف عليه لا يصح التكليف به شرعا، وإن جاز عقلا”[27]، حيث لا تكليف فوق طاقة المكلف.
وبعدما فهم المكلف أحكام الشريعة ومقاصدها وعلم مراتبها وتوافرت فيه شروط التكليف، يخطو به فقيه التنزيل نحو مرحلة الامتثال أو المقاصد الأمتثالية؛ أي تنزيل مقتضى العلم إلى العمل. لكن عند تنزيل الحكم الكلي على الواقعة وجب التحقيق من أن يكون الحكم الكلي محددا ومبينا على أصل شرعي ومفسرا. وأن تكون الواقعة محل النظر مفسرة ومؤثرة في الحكم . مع ضرورة مراعاة أصول تنزيل الأحكام على الوقائع. أما المقصد الشرعي العام من وضع الشريعة فهو إخراج العبد وتحريره من سلطان هواه، حتى يصير عبدا لله اختيارا منه كما كان عبدا له اضطرارا.
الفرع الثاني: أصول موجهة لفقيه التنزيل وفهم النازلة.
- أولا؛ أصول وضوابط الاجتهاد في النوازل:
1- أن يكون الناظر من أهل الاجتهاد:
على فقيه التنزيل والنوازل الإحاطة بأدلة الأحكام، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب، وغيرها من الأدلة التي يمكن اعتبارها، ولا بد له مع ذلك من معرفة الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، ومواقع الإجماع والخلاف، وصحيح الحديث وضعيفه، وغيرها. بمعنى أن تكون له معرفة تامة بمقاصد الشريعة، بحيث يدرك مراد الشارع، ويفهم مقصوده في التشريع.
وأن يكون عالما بلسان العرب وعارفا بأصول الفقه، وتكون لديه ملكة فقهية وقدرة على استنباط الأحكام من أدلتها، وهذا يحتاج إلى أن يكون عارفا بالعام والخاص، والمطلق والمقيد، والنص والظاهر والمؤول، والمجمل والمبين، والمنطوق، والمفهوم، والمحكم والمتشابه والأمر والنهي…[28]. وأن “يبدل الوسع في البحث والنظر، وألا يقصر في بلوغ غاية جهده”[29]، و يبذل المجتهد أقصى ما في وسعه في تتبع الأدلة والبحث عنها في “مظانّها وبيان منزلتها، والموازنة بينها إذا تعارضت بالاستفادة مما وضعه علماء الأصول من قواعد التعادل والترجيح”[30]. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من أفتى بغير علم فإن إثمه على من أفتاه”[31]، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال:” من أفتى بفتيا وهو يعمى عنها كان إثمها عليه”[32].
ولكي يقبل اجتهاد الناظر في المسألة التي ينظر فيها، يجب توفره على الأقل، على شرطين أساسين، هما: أن تكون لديه أهلية وقدرة على الاستنباط. وأن يستجمع ما يتعلق بهذه الجزئية من أدلة وقواعد. يقول ابن القيم: “ويكون الرجل مجتهدا في نوع من العلم مقلدا في غيره، كما لو استفرغ وسعه في نوع من العلم بالفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم، أو في باب الجهاد أو الحج أو غير ذلك، فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه”[33]، وهذا ما يمكن تسميته بالاجتهاد التخصصي المطلوب الآن.
2- الالتجاء إلى الله عز وجل وسؤاله الإعانة والتوفيق:
وهذا الضابط من أهم الأصول التي ينبغي أن يراعيها الناظر في النوازل ليوفق للصواب ويفتح عليه الجواب، وما ذلك إلا من عند الله العليم الحكيم القائل: “قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العزيز الحكيم“(البقرة؛32). وما أروع ما قاله الإمام ابن القيم مؤكدا هذا النوع من الأدب: “ينبغي للمفتي الموفق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقار الحقيقي الحالي لا العلمي المجرد إلى ملهم الصواب ومعلم الخير وهادي القلوب أن يلهمه الصواب ويفتح له طريق السداد ويدله على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة، فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق”[34].
ولعل من أشد المزالق التي يقع بها بعض المجتهدين هو ضعف الصلة بالله عز وجل وقلة الورع، “مما يؤدي إلى سلوك هذا الصنف من المجتهدين إلى إرضاء أهوائهم أو أهواء غيرهم ممن ترجى عطاياه وتخشى رزاياه، أو قد يكون بإتباع أهواء العامة والجري وراء إرضائهم بالتساهل أو التشديد، وكله من إتباع الهوى المضل عن الحق”[35]. وصدق الإمام الثوري حين قال: “ما من الناس أعز من فقيه ورع”[36]، فما أحوج الناظر والمجتهد في عصرنا، وفي كل عصر، إلى تقوية الصلة بالله تعالى والافتقار إليه حتى يكون “في حمى الإيمان بالله مستعليا، وعن الخلق مستغنيا، وبالحق والصواب موفقا بإذن الله”[37].
3- التأكد من وقوع الحادثة أو النازلة:
لا يخفى أن الدخول في باب الاجتهاد التنزيلي إنما هو للحاجة التي تنزل بالمكلف، يحتاج فيها إلى معرفة حكم الشرع وإلا وقع في الحرج والعنت أو الخوض في مسائل الشريعة بغير علم أو هدى. أما إذا كان باب الاجتهاد مفتوحا من غير حاجة وقعت ودون حادثة نزلت، فلا شك في كراهية النظر في مسائل لم تنزل أو يستبعد وقوعها[38]. وقد وردت آثار كثيرة عن سلفنا الصالح في كراهية السؤال عما لم يقع، وامتناعهم عن الإفتاء فيها، وبعضهم ذهب إلى التشديد في ذلك والنهي عنه، ذكر الخطيب البغدادي[39] وابن عبد البر[40] بعضا منها، ومن ذلك؛ ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنه قال لرجل سأله مسالة: “لا تسأل عما لم يكن فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من سأل عما لم يكن”. وكان زيد بن ثابت رضي الله عنه إذا سأله إنسان عن شيء، قال:”آلله ! أكان هذا؟ فإن قال نعم، نظر وإلا لم يتكلم”. وعن مسروق قال: “كنت أمشي مع أُبي بن كعب رضي الله عنه فقال، فتًى: ما تقول يا عماه في كذا وكذا؟ قال يا ابن أخي؛ أكان هذا؟ قال: لا، قال: فأعفنا حتى تكون”. والأمثلة في هذا السياق عند التابعين والأئمة المتبوعين كثيرة ومتنوعة.
لذلك فعلى المجتهد أن يتأكد من وقوع النازلة ولا ينظر إلى المسائل الغريبة والنادرة أو المستبعدة الحصول، إلا إذا كانت متوقعة عقلا، جاز البيان والتوضيح ومعرفة الحكم عند التنزيل إذا وقعت.
4- فهم النازلة فهما دقيقا مع التثبت والتحري واستشارة أهل الاختصاص:
يعتبر فقه النوازل من أدق مسالك الفقه وأعوصها، حيث إن الناظر فيها يطرق موضوعات لم تطرق من قبل ولم يرد فيها عن السلف قول، بل هي قضايا مستجدة، “يغلب على معظمها طابع العصر الحديث المتميز بابتكار حلول علمية لمشكلات متنوعة قديمة وحديثة، واستحداث وسائل جديدة لم تكن تخطر ببال البشر يوما من الدهر”[41]. ومن هذا المنطلق كان لا بد للفقيه المجتهد من فهم النازلة فهما دقيقا وعميقا، وتصورها تصورا صحيحا وسليما، قبل البدء في بحث حكمها، إذ من المعلوم أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. فلا بد إذن من “تفهم المسالة وتعقلها من جميع جوانبها والتعرف على جميع أبعادها وظروفها وملابساتها وأصولها وفروعها ومصطلحاتها”[42]، وغير ذلك مما له تأثير على الحكم في النازلة.
ومما ينبغي أيضا للناظر في النوازل أن يراعيه هنا، هو زيادة التثبت والتحري للمسألة[43]، وعدم الاستعجال في الحكم عليها والتأني في نظره لها. فقد يطرأ ما يغير واقع المسألة، أو يصل إليه علم ينافي حقيقتها وما يلزم منها. فإذا أفتى أو حكم من خلال نظر قاصر أو قلة بحثٍ وتثبتٍ وتروٍ فقد يخطئ الصواب ويقع في محذور يزل فيه خلق كثير. وفي الحديث النبوي: “أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار”[44]، وقد جاء في الأثر عن ابن مسعود وابن عباس القول: “من أجاب الناس في كل ما يسألونه عنه فهو مجنون”[45]، وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: “العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخُرْق”[46].
ومما ينبغي أن يراعيه الناظر في النوازل والمستجدات مع التثبت والتحري؛ استشارة أهل العلم والاختصاص، وخصوصا في النوازل والمستجدات المعاصرة المتعلقة بأبواب الطب والاقتصاد والفلك وغير ذلك، والرجوع إلى علمهم في مثل هكذا تخصصات، عملا بقوله تعالى: “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون“(الأنبياء؛7). فإن كانت النازلة “متعلقة بالطب مثلا وجب الرجوع إلى أهل الطب وسؤالهم والاستيضاح منهم، وإن كانت النازلة متعلقة بالاقتصاد والمال فيُرجع حينئذ لأصحاب الاختصاص في الاقتصاد”[47]، أو للمراجع المختصة في هذا الشأن. فربما الذي لا يعرف حقيقة النقود الورقية المعاصرة يفتي بأن لا زكاة فيها، وهذا خلل ينم على فهم جامد لا يساير تطورات العصر وفقه الواقع والتنزيل فيه.
5- الاجتهاد في البحث عن الحكم الشرعي للنازلة:
والمقصود بذلك أن يبذل المجتهد وسعه في البحث عن الحكم للنازلة بتتبع طرق الاستنباط المعروفة والجري في ذلك على سنن النظر المعهودة. “فقد يجد الحكم منصوصا عليه أو قريبا منه، وقد يلجأ إلى القياس على الأدلة، أو التخريج على أقوال الأئمة، مع مراعاة عدم مصادقة حكمه للنصوص والإجماعات الأخرى، أو مخالفتها للعقول الصحيحة والفطر السليمة فهذا مُسلّم اعتباره في الشريعة”[48].
وعلى الناظر في هذا الضابط أن يلتزم بثلاثة آداب مهمة، وهي:
أ- أن يذكر دليل الحكم في الفتوى أو النازلة المستجدة؛ وفي هذا يقول ابن القيم: “ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه ذلك، ولا يلقيه إلى المستفتي ساذجا مجردا عن دليله ومأخذه”[49].
ب- أن يبين البديل المباح عند المنع من المحظور؛ وهذا الأدب له من الأهمية في عصرنا الحاضر القدر العظيم، وذلك أن “كثيرا من المستجدات الواقعة في مجتمعنا المسلم قادمة من مجتمعات غير مسلمة لا تراعي القيم والثوابت الإسلامية، فتغزو مجتمعاتنا بكل قوة مؤثرة ومغرية كالمستجدات المالية والفكرية والإعلامية وغيرها”[50]. فيحتاج الفقيه النوازلي إزاءها أن يقر ما هو مقبول مباح شرعا ويمنع ما هو محرم أو محظور، مع بيانه لحكمة ذلك المنع، وفتح العوض المناسب والاجتهاد في وضع البدائل المباحة شرعا حماية للدين وإصلاحا للناس، وهذا من الفقه والنصح في دين الله عز وجل. ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:”ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم”[51]، وهذا شأن جميع الرسل، وهو شأن ورثة الأنبياء وخلفائهم وأمنائهم من بعدهم.
ج- التمهيد في بيان حكم النازلة؛ حيث ينبغي للناظر في النوازل التمهيد للحكم المستغرب بما يجعله مقبولا لدى السائلين، وقد ذكر ابن القيم أنه “إذا كان الحكم مُستغربا جدا مما تألفه النفوس وإنما ألفت خلافه، فينبغي للمفتي أن يُوطّئ قبله ما يكون مؤذنا به، كالدليل عليه والمقدمة بين يديه”[52]. وقد يحتاج الفقيه الناظر أن يجيب السائل بأكثر مما سأله عنه لما فيه من تكميل موضوع السؤال، وهذا من كمال العلم في بيان الأحكام.
6- مراعاة مقاصد الشريعة:
المراد بالمقاصد الشرعية هي: “الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد”[53]، فهذه الأسرار والغايات التي وضعت الشريعة لأجلها من حفظ الضروريات وإصلاح أحوال العباد في الدارين، معرفتها ضرورية على الدوام لكل الناس؛ فالفقيه المجتهد يحتاج إليها عند استنباط الأحكام وفهم النصوص، والعامة من غير المجتهدين تحتاجها للتعرف على أسرار التشريع.
ولهذا كان الناظر في النوازل والمستجدات في “أمس الحاجة إلى مراعاتها عند فهم النصوص لتطبيقها على الوقائع وإلحاق حكمها بالنوازل والمستجدات”[54]. فيستحيل أن تحكم الشريعة بما فيه مفسدة أو تنهى عما فيه مصلحة بدليل استقراء آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، يقول الإمام البيضاوي رحمه الله: “إن الاستقراء دل على أن الله سبحانه شرع أحكامه لمصالح العباد”[55].
والناظر في المستجدات والنوازل، ومن خلال مراعاته لمقاصد التشريع، عليه أن يدرك ما يلي:
أ- تحقيق المصلحة الشرعية عند النظر؛ يقول الآمدي: “فلو لم تكن المصلحة المرسلة حجة، أفضى أيضا إلى خلو الوقائع عن الأحكام الشرعية لعدم وجود النص أو الإجماع أو القياس فيها”[56].
ب- اعتبار قاعدة رفع الحرج؛ وهو “كل ما يؤدي إلى مشقة زائدة في البدن أو النفس أو المال حالا أو مآلا”[57]، فيكون المراد برفع الحرج: التيسير على المكلفين بإبعاد المشقة عنهم في مخاطبتهم بتكاليف الشريعة الإسلامية.
ج- النظر إلى المآلات: ومعناه أن ينظر المجتهد في تطبيق النص، هل سيؤدي إلى تحقيق مقصده أم لا؟ فلا ينبغي للناظر في النوازل والواقعات التسرع بالحكم والفتيا إلا بعد أن ينظر إلى ما يؤول إليه الفعل، فالنظر إلى مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة.
7- فقه الواقع المحيط بالنازلة:
ويقصد بهذا الضابط أن يراعي الناظر في النوازل والمستجدات عند اجتهاده، الظروف المحيطة بالنازلة وتغير الواقع المحتف بها، سواء كان تغيرا زمانيا أو مكانيا أو تغيرا في الأحوال والظروف، وعلى الناظر تبعا لذلك مراعاة هذا التغير في حكمه وفتواه.
وذلك أن كثيرا من الأحكام الشرعية الاجتهادية تتأثر بتغير الأوضاع والأحوال الزمنية والبيئية، فالأحكام تنظيم أوجبه الشرع يهدف إلى إقامة العدل وجلب المصالح ودرء المفاسد. وعلى هذا الأساس أسست القاعدة الفقهية القائلة: ” لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان”[58].
وقد أفتى المتأخرون بتضمين الساعي بالفساد لتبدل أحوال الناس مع أن القاعدة تقول “أن الضمان على المباشر دون المتسبب”[59]، وهذا لزجر المفسدين. ويبقى الواقع المحيط بكل نازلة مستجدة وتحولاته وما يقع في أحواله وأهله من تطور وتغيير، مؤثر مباشر في الحكم و الفتوى.
8- مراعاة العوائد والأعراف:
المقصود بالعرف أو العادة عند الأصوليين؛ “ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول”[60]. وقد جرى أمر الفقهاء على اعتبار العادة والعرف والرجوع إليهما في تطبيق الأحكام الشرعية في مسائل لا تعد ولا تحصى لكثرتها، منها: سن الحيض والبلوغ، والإنزال، والأفعال المنافية للصلاة، والنجاسات المعفو عنها، وفي لفظ الإيجاب والقبول وفي أحكام كثيرة جدا من مسائل البيوع والأوقاف والأيمان والإقرارات والوصايا وغيرها.
والعرف عند الفقهاء أمر معمول به، والعادة محكمة[61]، و”ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن”[62]. لذلك فالعادة والعرف لهما اعتبار في الشرع، وبهذا فإن الفتوى تتغير لتغير العرف والعادة كما يعبر ابن القيم[63] . وعلى علماء الاجتهاد التنزيلي مراعاة ذلك التغير بقدر الإمكان، وخصوصا ما كان من قبيل الفتيا في الأمور الواقعة أو المستجدة لعظم شانها وسعة انتشارها.
فهذه بالجملة والإيجاز أهم الأصول والضوابط المساعدة على فهم النازلة والحكم عليها.
- ثانيا: أصول وضوابط استثمار مقاصد النص وإنزاله على الواقع.
إذا كان الاجتهاد التنزيلي إعمالا للنصوص وفحواها ومقاصدها في الواقع المعيش، فإن هذه النصوص لن تؤتي ثمارها، إلا ضمن منهجية واضحة تراعي إعمال النصوص وتحقيق مقاصدها دون إغفال المتغيرات وظروفها، ولذلك وجب علينا ضبط أصول هذه المنهجية حتى يتمكن المجتهد من إنزال حكم النص؛ من الفقه النظري إلى الواقع التطبيقي تحقيقا عمليا، وهذه الأصول والضوابط هي:
1- فهم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في ضوء أسبابها وملابساتها ومقاصدها:
يبين أهمية هذا الأمر ما روي عن ابن عباس حينما قال: “خلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم، فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس، فسأله، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، إنما أنزل القرآن علينا فقرأناه، وعلمنا فيما أنزل، وأنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيما نزل، فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان كذلك اختلفوا”[64].
فمن أراد علم القرآن الكريم لزمه معرفة أسباب التنزيل، والدليل على ذلك أمران: “أحدهما؛ أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن، فضلا عن معرفة مقاصد كلام العرب، إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال حال الخطاب، من جهة نفس الخطاب، أو المخاطِب، أو المخاطَب، أو الجميع، والثاني؛ هو أن الجهل بأسباب التنزيل موقع في الشبه والإشكالات ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف، وذلك مظنة وقوع النزاع”[65]. وما قيل عن فهم أسباب نزول القرآن الكريم، يقال عن الأحاديث النبوية، فمن حسن الفقه للسنة النبوية، “النظر فيما بني من الأحاديث على أسباب خاصة أو ارتبط بعلة معينة منصوص عليها في الحديث، أو مستنبطة منه، أو مفهومة من الواقع الذي سيق فيه الحديث، فالحكم الذي يحمله حديث ما قد يبدو عاما ودائما، ولكنه عند التأمل يتبين أنه مبني على علة، ويزول بزوالها كما يبقى ببقائها”[66]. ومن ثم لا بد لمن أراد فهم الحديث، فهما دقيقا وسليما، من معرفة الملابسات التي سيق فيها النص، وجاء بيانا لها وعلاجا لظروفها حتى يتبين المراد من الحديث بدقة، و حتى لا يتعرض فهمه للظنون، أو يتوقف عند ظاهر النص غير المقصود.
ولفهم هذا الأصل نسوق مجموعة من الأمثلة التي تبين أهمية فهم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في ضوء أسباب نزولها و على ضوء ملابسات ورودها ومقاصدها:
أ- ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: “أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله ولِمَ؟ قال: لا تراءى نارهما”[67]. فقد يفهم من هذا الحديث تحريم السفر والإقامة في بلاد غير المسلمين، وهذا وما يتنافى وتعدد حاجات المسلمين الصحية والتعليمية والتجارية إلى الإقامة في بلاد الغرب، خصوصا في عصرنا الحالي.
وتتبدى هذه المغالطات عندما نتعرف على أسباب ورود هذا الحديث؛ فقد ورد في وجوب الهجرة من أرض المشركين إلى النبي لنصرته، وهذا يظهر من نص الحديث كما يرويه الترمذي عن جرير بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس في السجود فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم بنصف العقل(نصف الدية)، وقال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله ولم؟ قال: لا تراءى نارهما”. ومعنى لا تراءى نارهما؛ أي: لا يتجاوران، ولا يتقاربان، بحيث ترى نار كل منهما نار الآخر، وهو كناية عن بعد ما بينهما، فالرسول عليه السلام في هذا الحديث جعل لهؤلاء المسلمين نصف الدية وهم مسلمون؛ لأنهم أعانوا على أنفسهم، وأسقطوا نصف حقهم بإقامتهم بين المشركين المحاربين لله ولرسوله.
وهكذا يتبين لنا المعنى الصحيح للحديث: أنا بريء من كل مسلم؛ أي: بريء من دمه إذا قتل، لأنه عرّض نفسه لذلك بإقامته بين هؤلاء المحاربين لدولة الإسلام، ومعنى هذا “أنه إذا تغيرت الظروف التي قيل فيها النص، وانتفت العلة الملحوظة من ورائه من مصلحة تجلب، أو مفسدة تدفع، فالمفهوم أن ينتفي الحكم الذي ثبت من قبل بهذا النص، فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما”[68].
ب- و روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة”[69]، وسبب ورود هذا الحديث أورده البخاري في الصحيح كما رواه أبو بكرة قال: لما بلغ رسول الله أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة. ويعلق الشيخ محمد الغزالي على هذا الحديث مبينا مناسبة قوله ويصور واقع الفرس حينها قال: “الدين وثني، والأسرة المالكة لا تعرف شورى ولا تحترم رأيا مخالفا، والعلاقات بين أفرادها بالغة السوء، قد يقتل الرجل أباه أو إخوته في سبيل مآربه، والشعب خانع منقاد، وكان في الإمكان- وقد انهزمت الجيوش الفارسية، وأخذت مساحة الدولة تتقلص- أن يتولى الأمر قائد عسكري يوقف سيل الهزائم، لكن الوثنية السياسية جعلت الأمة والدولة ميراثا لفتاة لا تدري شيئا، فكان ذلك إيذانا بأن الدولة كلها إلى ذهاب، وفي التعليق على هذا قال النبي الحكيم كلمته الصادقة، فكان وصفا دقيقا للأوضاع كلها، ولو أن الأمر في فارس شورى، لكان هناك تعليق آخر على الأوضاع القائمة”[70].
يفهم من كلام الشيخ الغزالي أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم جاء تصويرا لواقع معين، ومن ثم لا دليل على حرمة تولي المرأة الولاية العامة ومن ضمنها الخلافة[71]. لكن عند استعراض أقوال الفقهاء في مسألة ولاية المرأة نجد شبه إجماع على منع المرأة من تولي منصب الخلافة استنادا إلى هذا النص، “وبيان ذلك أن الفقهاء كانوا يستثمرون دلالات النص، ومنها القرائن المعنوية، فالحديث جاء بصيغة الخبر، لكن لا يمكن حمله على حقيقته، حتى لا يقع خبر النبي بخلاف مخبره[72]. ذلك أنا وجدنا بعضا من النساء يفلح قومها بقيادتها، فإذا حملنا الكلام في حقيقته- وهو الإخبار- تخلف الخبر عن مخبره أي كذب الواقع الخبر، وهو كلام النبي وهذا محال، لأنه وحي من الله، قال تعالى: “وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى“(النجم؛3-4) ، فوجب حينئذ حمل الكلام على الإنشاء وليس على الخبر، صيانة لكلام النبي صلى الله عليه وسلم عن الكذب، وعليه يفيد الكلام هنا النهي عن تولي الحكم للمرأة”[73].
ج- وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”الأئمة من قريش”[74]. فقد ذهب ابن خلدون في تحليله لهذا الحديث إلى أن سبب تخصيص الإمامة بقريش إنما جاء نظرا لما كانت به قريش آنذاك من الاحترام، والإجلال في قلوب القبائل العربية الأخرى، لسدانتهم للبيت، وحصافة آرائهم، وشجاعتهم، وبعد نظرهم في أمور السياسة، وقدرتهم على جمع الكلمة، وفض الخلافات والنزاعات، مما يلمس، فعرف النبي فيهم من المؤهلات والكفاءة ما يجعلهم أقدر على تحمل تبعات الإمامة والحكومة، فجاء الحديث على هذا التوجيه تعبيرا على مواصفات قريش وكفاءاتهم، لا تخصيصا بذات قريش. ومن ثم فإن مفهوم الحديث عند ابن خلدون هو”الأئمة من الأكفاء”، فالعلة كما استنبطها ابن خلدون هي وجود العصبية، حيث يقول: “فيشترط في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية قوية غالبة على من معها، ليستتبعوا من سواهم وتجتمع الكلمة على حسن الحماية لا يعلم ذلك في الأقطار والآفاق كما كان من قريش”[75].
ففي هذه المسألة شاهدنا كيف كان فهم النص في ضوء مقاصده، لأن جميع الأحكام الشرعية لا بد لها من مقاصد تشتمل عليها وتشرع لأجلها، وكذلك في هذا المثال فإن الحكمة في اشتراط النسب القرشي، والمقصد من ذلك، هو اعتبار العصبية والقوة التي تكون بها حماية الإمامة، فإذا توفرت هذه العلة في غير قريش وفي ظل واقع متغير، كانت الإمامة من حقهم.
2- جمع النصوص في الموضوع الواحد ورد الفروع إلى الأصول مع التعليل:
إن الاجتهاد في فقه واقع النص باستخراج العلة، والوصف المؤثر- وقد يُعرف من خلال جمع الروايات المتعددة- الذي بُني عليه الحكم لجلب المصلحة ودفع المفسدة، “يعين على فقه تطبيق النص لمعرفة المتغيرات التي قد تتشكل منها علة الحكم، أو التي لا تتحقق فيها علة الحكم مما يستدعي حكما آخر يحقق مقصود الشارع على طريق تحقيق المناط الخاص والاقتضاء التبعي للحكم”[76].
وعلى الفقيه أن يجيل النظر في الآثار التي يتراءى منها أحكام خفيت عللها ومقاصدها، ويمحص أمرها، “فإن لم يجد لها محملا من المقصد الشرعي، نظر في مختلف الروايات لعله أن يظفر بمسلك الوهم الذي دخل على بعض الرواة، فأبرز مروية في صورة تؤذن بأن حكمه مسلوب الحكمة والمقصد، وعليه أيضا أن ينظر إلى الأحوال العامة في الأمة التي وردت تلك الآثار عند وجودها”[77]. ولأن حقيقة الدليل يجب أن يكون ظاهرا في نفسه، ودالا على غيره، دون أن يحتاج إلى دليل عليه ، فإن ورد الدليل على عدم صحته، فالأولى أن لا يكون دليلا، “ولا يمكن أن تعارض الفروع الجزئية الأصول الكلية، لأن الفروع الجزئية إن لم تقتضي عملا فهي في محل التوقف، وإن اقتضت عملا فالرجوع إلى الأصول هو الصراط المستقيم، ويتأول الجزئيات حتى ترجع إلى الكليات”[78].
ومن الأمثلة الموضحة لهذا الضابط، وكيف فهم الصحابة الأمر الجزئي في ظل الكليات الشرعية المقررة، نذكر ما ورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: “بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فاستعمل رجلا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه، فغضب فقال: أليس أمركم النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فأجمعوا لي حطبا، فجمعوا. فقال: أوقدوا النار، فأوقدوها. فقال: أدخلوها، فهموا، وجعل بعضهم يمسك بعضا. ويقولون: فررنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من النار، فما زالوا حتى خمدت النار فسكن غضبه، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطاعة في المعروف”[79]. فالصحابة -وهم النموذج- لم ينظروا إلى الأمر الجزئي الذي يفيد وجوب طاعة الأمير بمعزل عن مقاصد التشريع وكلياته المقررة الموجبة للمحافظة على النفس. وعلى هذا النهج سار المجتهدون بإعمال النصوص في ضوء مقاصدها، ورد الفروع على أصولها.
3- التمييز في السنة النبوية بين الجانب التشريعي وغير التشريعي:
إن ما يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يتصف بصفة واحدة، وإن كان يتحدث في الأصل بصفة التبليغ والتشريع[80]، فإنه يتصرف أحيانا بمقتضى الخبرة الدنيوية كما هو الحال في حادثة تأبير النخل، وأحيانا يتصرف بصفته قاضيا يحكم بين الخصوم، أو كونه قائدا عسكريا، أو غير ذلك من صور الاجتهاد النبوي.
والتحقق من معرفة السنة التشريعية من غير التشريعية وتمييز ذلك جيدا؛ إنما يكون بمعرفة قرائن الأحوال، “وأن يكون موضوع الحديث أمرا مصلحيا يتعلق بشؤون الدولة السياسية، أو الاقتصادية، أو العسكرية، أو الإدارية، ونحوها. ومما يدل على وصف الإمامة وجود نص آخر، أو نصوص تخالف النص المذكور؛ لاختلاف مكانها، أو زمانها، أو حالها عن النص الآخر”[81]. مما يوحي أنه لم يقصد به تشريع أبدي عام، إنما روعي فيه مصلحة جزئية وقتية خاصة.
بهذه القرائن واستقراء الأحوال ونوع الأمر المصلحي الموجه للمكلف، فردا أو جماعة، خاصا أو عاما، نميز بين ما هو تشريعي وجب الالتزام به، وما هو غير ذلك. يقول ابن عاشور: “لا بد للفقيه من استقراء الأحوال، وتوسم القرائن الحافة بالتصرفات النبوية، فمن قرائن التشريع الاهتمام بإبلاغ النبي صلى الله عليه وسلم الأمر إلى العامة والحرص على العمل به، والإعلام بالحكم، وإبرازه في صورة القضايا الكلية”[82]، مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم:”لا وصية لوارث”[83].
ومن الأمثلة على ذلك؛ قول النبي عليه الصلاة والسلام:”من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه”[84]. قال الإمام مالك: هذا تصرف من النبي صلى الله عليه وسلم بالإمامة، فلا يجوز لأحد أن يختص بسلب إلا بإذن الإمام في ذلك قبل الحرب، لأن إباحة هذا يفضي إلى فساد النيات عند المجاهدين، والقتال غير المشروع. وأن ما قاله النبي عليه السلام هو بوصف الإمامة، لأن تلك الحالة كانت تقتضي ذلك ترغيبا في القتال. يشبه هذا؛ قوله صلى الله عليه وسلم: “من أحيا أرضا ميتة فهي له”[85]، فهو تشجيع منه على الزراعة والفلاحة وإحياء الأرض وعمارتها.
4- التمييز بين المقاصد والوسائل في الأحكام:
إن التمييز بين ما هو مقصد للحكم الشرعي مما هو وسيلة إليه، له أهمية كبيرة في الاجتهاد التنزيلي، لأن الوسائل قد تتغير بتغير العصر أو البيئة أو العرف، وغير ذلك، ولذلك فعلى المجتهد المقاصدي التفريق بين الوسيلة والمقصد، “لأن الأعمال قد يكون بعضها وسيلة إلى البعض، وإن صحّ أن تكون مقصودة في نفسها”[86]، ولأن “مراعاة المقاصد مقدمة على مراعاة الوسائل أبدا”[87] ، ولذلك يحصل التساهل في حكم الوسائل دون المقاصد.
5- فهم النصوص في ضوء بعدها الدلالي اللغوي والشرعي والعرفي:
ذلك لأن مجموعة من الألفاظ والمفاهيم قد تتغير معناها ومدلولها حاليا بالمقارنة بدلالتها إبان تشريعها وتنزيلها، ولهذا ينبغي على المجتهد التطبيقي فهم النصوص في ظل مدلولها إبان التشريع، حتى لا تحرف الآيات والنصوص الحديثية عن غاياتها ومقاصدها، يقول ابن عاشور في هذا الشأن: “وإنما حق الفقيه أن ينظر إلى الأسماء الشرعية الموضوعة للمسمى أصالة أيام التشريع، وإلى الأشكال المنظور إليها عند التشريع، من حيث أنهما طريق لتعرف الحالة الملحوظة وقت التشريع، لتهدينا إلى الوصف المرعي للشارع(…) ولذلك فإن الأسماء الشرعية إنما تعد باعتبار مطابقتها للمعاني الملحوظة شرعا في مسمياتها عند وضع المصطلحات الشرعية، فإذا تغير المسمى لم يكن لوجود الاسم اعتبار”[88]. بمعنى أنه لا تكون التسمية مناط الأحكام، ولكنها تدل على أوصاف معينة هي المناط، فيكون المنظور إليه هنا هو الأوصاف الخاصة، والتغيير المعتبر هو الذي يقع في المسمى لا الذي يقع في الأسماء.
ومن المتفق عليه أن القرآن الكريم نزل بلسان العرب على الجملة، ولذلك فمن طلب فهمه فعليه أن يسلك من هذا الطريق خاصة، يقول الشاطبي: “فمن أراد تفهمه، فمن جهة لسان العرب يفهم، و لا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة”، ويبرر ذلك بكون العرب فيما فطرت عليه من لسانها؛ “تخاطب بالعام يراد به ظاهره، وبالعام يراد به العام في وجه، والخاص في وجه، وبالعام يراد به الخاص، والظاهر يراد به غير الظاهر، وتتكلم بالشيء يعرف بالمعنى كما يعرف بالإشارة، وتسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة، والأشياء الكثيرة باسم واحد”[89]. وكله معروف عند العرب، لذلك يفهم القرآن عن طريق لسانهم.
وما قيل عن القرآن يصدق على السنة، ولذلك على المجتهد أن يعرف ما إذا كان لألفاظ الحديث دلالة خاصة في عصر، ثم تغيرت دلالتها في عصر آخر مع تطور الحياة الاجتماعية، في ضوء تبدل المكان والزمان، كي لا يقع في الغلط، وسوء الفهم غير المقصود. وجدير بالـتأكيد على أهمية فهم الدلالة اللغوية مع الالتفات إلى مقاصد التشريع عند التطبيق. “فلا نقف عند حرفية النص متجاوزين مقصده، ولا نتجاوز دلالته اللغوية باقتناص معنى منه يؤدي إلى إلغائه”[90].
ولفهم مقصود هذا الأصل نذكر بعض الأمثلة:
أ- قال تعالى: “وأعدو لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم”(الأنفال؛60) ، فكلمة (تُرهبون) تعد إكسير النص، بتعبير فتحي الدريني، المتضمن لحكمة النص وغايته، “فالسلاح الذي يردع العدو هو المحقق لحكمة المشرع من الأمر بإعداد القوة، ورباط الخيل”[91]. ومن المعلوم بداهة أن التوقف عند المعنى القاموسي لكلمة “الخيل” الواردة في الآية مجردة عن حكمة التشريع يقود إلى نقيض مقصود المشرع، “لأن القوة، والسلاح العسكري إذا لم يحقق غايته من الردع، وإرهاب العدو، كان عبئا على الدولة، وإرهاقا لميزانية الدولة المالية من غير جدوى، وهذا النوع من العبث المنهي عنه، وهذا ما يكشف عن أهمية النظر المقاصدي للأحكام وفهم غاياتها، إذ التوقف عند المعنى القاموسي قد يوهم تضارب الأحكام”[92]، وهذا ما نفاه الله عز وجل عن الدين والشريعة، فقال:”ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا“(النساء؛82).
ب- قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صور ولا تماثيل”[93]، وفي حديث آخر: “إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون”[94]، فقد فسر ابن عباس رضي الله عنه ما المقصود بالصور، وهي التماثيل المعروفة. وأما الشكل الذي يلتقط بالكاميرا، ويسمى(صورة)، وعمل التقاطه (تصويرا) فهو وإن أخذ اسم الصورة والتصوير لغة؛ لكنه يختلف عن التصوير المحرم المتوعد بالعذاب في الأحاديث[95]، لأن التصوير الفوتوغرافي العصري لم يكن موجودا أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، وبالتالي لا تتوفر فيه علة النهي.
ج- روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن تلقي الركبان[96]. وكلمة (تلقي الركبان) لغة إنما تعني استقبالهم مطلقا على أي حال من الأحوال، وفي أي مكان من الأمكنة، سواء أكان لغرض التجارة، أو لغيرها، وسواء كان ذلك في سوق المدينة، أو في الصحراء خارجها، فهذا هو المدلول اللغوي لكلمة تلقي الركبان الواردة بهذا الإطلاق في الحديث.
غير أن هذا ليس المقصود قطعا بنهيه صلى الله عليه وسلم، “وإنما الكلمة منصرمة إلى معنى اصطلاحي خاص، دلّ عليه العرف السائد بين الناس عند إطلاقها بصدد التجارة والبيع، شأنها في ذلك كشأن بيع الحصاة، والملابسة، وما أشبه ذلك”[97]. فالمعنى المتعارف عليه لكلمة تلقي الركبان هو أن يستقبل آحاد التجار الباعة الوافدين، على مشارف المدينة، قبل دخولهم أسواقهم، وإطلاعهم على الأسعار، ليتمكنوا من شراء ما معهم بأقل من نسبة سعر السوق. وعلة النهي عن هذا الشكل من الشراء هو ما ينطوي عليه من تغرير بالبائع، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أثبت له حق الخيار عند إطلاعه على حال السوق، كما روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تلقّوْا الجَلَبَ، فمن تلقاهُ فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق، فهو بالخيار”[98].
هكذا نفهم أنه لا يدخل في المنهي عنه تلقي الركبان الذين يعلمون حال السوق، ولا يخفى عليهم أسعار السلع، ولا يدخل فيه تلقي الركبان الذين يفضلون بيع بضائعهم في ضواحي المدينة غير عابئين بأسواقهم، كما يعبر سعيد رمضان البوطي رحمه الله[99]؛ لأن هؤلاء انتفت معهم علة النهي الواردة في الحديث، وارتفعت علة التغرير عنهم بسبب وعيهم بواقع السوق.
ختاما؛ يتبين لنا مما سبق أن فقه تنزيل الأحكام، وحتى يكون صحيحا ومضبوطا، يجب أن يلتزم بأصول ويُضبط بضوابط، وأن يصدر من أهل الاختصاص، وأن يقع في محله، كل ذلك يقوم على الاستدلال والفهم السليم.
فإذا فقد الاجتهاد التنزيلي هذه الأصول أو قفز عليها الفقيه المقاصدي، فقد نقع في التناقض الصارخ، والاختلاف المذموم، وعدم المواءمة بين ثوابت الشرع، ومقتضيات العصر. وعلى هذا الأساس لا بد من التركيز على الضوابط الأصولية والفقهية لفقه التنزيل.
المطلب الثالث: ضوابط فقه التنزيل.
بناء على ما تقرر سلفا، من أن فقه التنزيل لا بد له مقدمات ومقومات، وقواعد وأصول، يؤطر العلم بالأحكام وفهم الوقائع، وباعتبار أن فقه التنزيل أساسه حُسن إسقاط الحكم على المحل المعلق به، وحتى لا يصبح فقه تنزيل الأحكام فقها منفلتا، بل فقها منضبطا بضوابط الشرع، وضمن حدود معينة؛ فهذا كله يحتاج إلى ضوابط تضبط عملية التنزيل بالنظر إلى القواعد المرعية عند الشارع في تشريع الأحكام، حتى يسير بخطى صحيحة بعيدة عن الخلل والشطط، و يتم فهم النازلة بدقة ويستند الحكم الشرعي المراد تنزيله إلى دليل صحيح.
الفرع الأول: ضوابط اعتبار قصد المكلف.
من الضروري على المجتهد أن ينتبه إلى قصد المكلف لوقوع الأفعال وفق مقاصد الشرع، وذلك لما ثبت في الشريعة من اعتبار نيات المكلفين ومقاصدهم في إحجامهم أو إقدامهم على الأعمال التكليفية، وهذا يحتاج إلى ضوابط توجه المكلف إلى بلوغ المرام وإصابة المقصد، وهي:
- الضابط الأول؛ موافقة قصد المكلف لمقاصد الشريعة:
فالحكم في مقاصد العباد إنما هو مراد الله منهم فحسب، وهو ضابط يستفاد من الأصل الكلي الذي قرره الإمام الشاطبي في قوله: “قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع”[100]، فإذا كانت الشريعة موضوعة لمصالح العباد، فالمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك من أفعاله، لأن قصد الشارع المحافظة على الضروريات وما رجع إليها من الحاجيات والتحسينيات، وهو عين ما كلف به العبد. “فلا بد أن يكون مطلوبا بالقصد كذلك، ثم لما كان الإنسان مستخلفا صار المطلوب منه أن يكون قائما مقام من استخلفه؛ يجري أحكامه ومقاصده مجاريها”[101].
والمطلوب في فقه التنزيل تبعا؛ أن يجعل من مقاصد الشريعة معيارا وحيدا في الحكم بالصحة أو الفساد والبطلان على مقاصد المكلفين حال اعتبارها في تحقيق المناط.
- الضابط الثاني؛ ضرورة الكشف عن حقيقة ومقاصد المكلف:
وهذه الضرورة ناتجة عن العلاقة بين قصد المكلف ومناط الحكم، ومفادها أنه ما دام قد ثبت تأثير قصد المكلف على تنزيل الأحكام وفق مقاصدها، فقد أصبح بهذا التأثير مناط كثير من الأحكام تتعلق به. بل إن “الأحكام عندما تحقق أسبابها وشروطها وتنتفي موانعها لا يتم إمضاؤها إلا بعد التحقيق من قصد المكلف في ذلك، في الأعمال العبادية والعادية على السواء مع قليل من الفرق يخضع لنظر محقق المناط”[102].
وهذا من أهم الضوابط التي تصون اعتبار قصد المكلف عن الأوهام الباطلة، وتعصمه من قواصم أخذ الناس بالظنون الكاذبة من غير تحقيق. وتتعدد مسالك الكشف عن حقيقة قصد المكلف من فعله بتصريحه أو بقرينة قاطعة أو راجحة، إلى عدة مسالك[103]، منها: مسلك الإقرار؛ وهو تعريف المكلف وإفصاحه عن قصده من قوله وفعله. ومسلك التهمة؛ وقد انفرد مالك بمسائل حكم فيها بالتهمة مسلكا لتحديد قصد المكلف ومنها الطلاق. ومسلك القرائن والأمارات[104]؛ وهذا المسلك يطلب بالدلائل والأمارات، والعلم يجري فيه بالتعليم والتعلم، وقد بين ذلك ابن القيم في قوله:”والحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات ودلائل الحال، ومعرفة شواهده، وفي القرائن الحالية والمقالية، كفقهه في جزئيات وكليات الأحكام؛ أضاع حقوقا كثيرة على أصحابها، وحكم بما يعلم الناس بطلانه، ولا يشكون فيه، اعتمادا منه على نوع ظاهر، لم يلتفت إلى باطنه وقرائن أحواله”[105].
- الضابط الثالث؛ مقاصد المكلف معتبرة في التصرفات:
إذا كانت الأعمال بالنيات، والمقاصد معتبرة في التصرفات من العبادات والعادات فإن “المقاصد تفرق بين ما هو عادة، وفي العبادات بين ما هو واجب وغير واجب، وفي العادات بين الواجب والمندوب، والمباح والمكروه والمحرم، والصحيح والفاسد، وغير ذلك من الأحكام. والعمل الواحد يقصد به أمر فيكون عبادة ويقصد به شيء آخر فلا يكون كذلك. بل يقصد به شيء فيكون إيمانا، ويقصد به شيء آخر فيكون كفرا كالسجود لله أو الصنم”[106].
والأصل أن النية إذا تجردت عن العمل لا تكون مؤثرة في الأمور الدنيوية[107]، لأن النية المجردة عن الفعل لا تنتج أثرا في أحكام الدنيا، كمن نوى أن يعقد بيعا مع غيره، فلا يعد ذلك إيجابا. وإذا طلق الرجل زوجته في قلبه ولم يتلفظ بالطلاق فلا يعد ذلك طلاقا، لأن النية عمل قلبي باطني، والأحكام الدنيوية من انعقاد العقود أو صحتها أو فسادها لا تبنى إلا على الأمور الظاهرة. وهكذا، حتى تقرر عند أهل المقاصد والأصول أن “العمل إذا تعلق به القصد تعلقت به الأحكام التكليفية، وإذا عُري عن القصد لم يتعلق به شيء منها، كفعل النائم والغافل والمجنون”[108].
- الضابط الرابع: علاقة قصد المكلف بالمقاصد الشرعية الأصلية والتبعية:
فقد ثبت بالاستقراء عند أهل المقاصد[109]، أن للشارع في شرع الأحكام العادية والعبادية مقاصد أصلية ومقاصد تبعية، وضابط المكلف في الدخول في هذه الأعمال هو القصد إلى المقاصد الأصلية، وإن اصطحبت المقاصد التابعة فعلى شرط خدمتها وتقويتها للأصلية. فما كان من القصود خادما للأصل فصحيح، وما كان من القصود هادما فباطل، ويبقى المتردد بينهما يخضع لنظر المجتهد ومحقق المناط.
ولذلك فإن الضرورة الشرعية موجبة للكشف عن مقاصد المكلف لتوقف استقامة نظر المجتهد في تنزيل الأحكام على معرفتها، وعلى فقيه التنزيل البحث عن طرق جديدة أخرى للكشف عن مقاصد المكلفين حفاظا على الحقوق والمصالح الكبرى.
الفرع الثاني: ضوابط اعتبار الضرورة الشرعية.
رأينا كيف يختلف تنزيل الأحكام على تصرُّفات المكلف تبعا لاختلاف قصده، وأن مراعاة قصد المكلف تعد من أهم ضوابط فقه التنزيل. ولما كان قصد الشارع هو المحافظة على الضروريات وما يرجع إليها من الحاجيات والتحسينيات، كان لزاما المرور على ضوابط الضرورة المعتبرة شرعا، أو ما يعبر عنه بالشروط العامة للترخيص للضرورة الشرعية[110]. وهي مختصرة كما يلي:
- الضابط الأول؛ أن تكون الضرورة متفقة مع مقاصد الشارع:
إن أول ضوابط اعتبار الضرورة أن تكون جارية على أصول الشرع وقواعده، متفقة مع مبادئه ومقاصده، بحيث لا تنافي أصلا من أصوله، ولا دليلا من أدلته، “لأن الحنفية السمحة إنما أتى فيها السماح مقيدا بما هو جار على أصولها. وليس تتبع الرخص ولا اختيار الأقوال بالتشهي بثابت من أصوله”[111].
والشريعة جاءت لتحقيق مصالح الخلق إثباتا وإبقاء، والضرورة مصلحة، والمصلحة لا بد لها أن تنطلق من الشرع وتتقيد بقيوده، “فلا التفات لمصلحة يحكم بها العقل وحده، بل لا بد أن تكون راجعة إلى حفظ مقصود من مقاصد الشارع، فإذا ناقضتها فليست مصلحة وإن توهم متوهم أنها هي، وهكذا الشأن في الضرورة”[112]، فكل ضرورة لا تتفق مع مقاصد الشرع وأصوله وقواعده فغير معتبرة.
- الضابط الثاني؛ أن تكون الضرورة محققة لا متوهمة:
لابد من وجود حقيقة الضرر، ونزوله بالمكلف واقعا، وإلا فلا أقل من غلبة الظن في توقعه ونزوله، إذ مجرد الظن لا يبيح الترخيص في ارتكاب محرم، أو ترك واجب؛ ذلك لأن “الضرر أمر معتبر بوجود حقيقته، لا يكتفي فيه بالمظنة، بل متى وجدت الضرورة أباحت، سواء وجدت المظنة، أو لم توجد، ومتى انتفت لم تبح لعدم وجود مظنتها”[113]. ويشمل هذا الضابط معنيين: أحدهما؛ أن تكون الضرورة متيقنة أو مظنونة ظنا قويا. وثانيهما؛ عدم إمكان الخلاص منها بوجه مشروع.
وفي القرآن الكريم نماذج للضرورة الوهمية، وقد شدد الوعيد على اللجوء إليها، لأنها لا تنتج إلا عن النفاق أو الجهل أو ضعف العزيمة الدينية، وكلها أمور تأباها الشريعة. قال سبحانه على لسان الذين ظلموا أنفسهم: “قالوا كنا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها“(النساء؛97)، وفي قولهم: (كنا مستضعفين في الأرض)؛ ضرورة وهمية، “لأنهم متمكنون من الخلاص منها بأن يهاجروا إلى الأرض يقرون فيها على عبادة الله سبحانه، دون خضوع لسلطة الكفرة”[114].
- الضابط الثالث؛ ألا تؤدي إزالة الضرورة إلى ضرورة أكبر منها:
يرجع هذا الضابط في معناه إلى تعارض المصلحتين والمفسدتين في الضرورتين المجتمعتين بترتب إحداهما على الأخرى، فترجح أعظم المصلحتين فتجلب، وأعظم المفسدتين فتدفع، وفي ذلك يقول العز بن عبد السلام: “إذا اجتمعت المفاسد المحضة فإن أمكن درؤها درأنا، وإن تعذر درء الجميع درأنا الأفسد فالأفسد والأرذل فالأرذل”[115]. ومقتضى ذلك عدم جواز تقديم المرجوحة على الراجحة من كلتا المصلحتين أو المفسدتين، ولهذا قيد الأصوليون قاعدة “الضرورات تبيح المحضورات؛ بشرط عدم نقصانها عنها”[116]. فمثلا لو أكره بالقتل على شرب الخمر جاز له شربها، لكن من أكره بأخذ ماله على قتل معصوم، فليس له قتله، لأن ضرورة القتل أكبر من ضرورة أخذ المال.
- الضابط الرابع؛ لا تدفع الضرورة عن النفس لإلحاق مثلها بالغير[117]:
ومعنى ذلك ألا يترتب عن إزالة الضرورة إلحاق مثلها بالغير، فإذا هدد شخص آخر بالقتل، أو بقطع عضو، وأجبره على قتل شخص آخر، فلا يحق للمكره أن يوقع القتل، لأن الضرورة هنا متساوية، بل إن قتل المكره أخف ضررا من أن يقتل شخصا آخر، ففي هذه الحالة، إذا أوقع ذلك المكره للقتل يكون حكمه القاتل بلا إكراه، أما من جهة القصاص فينفذ في حق كل من المجبر والمكره.
ومثله إكراه الجندي المسلم أن ينضم إلى صفوف المشركين لقتال المسلمين، “لأنه بمنزلة ما لو أكره بالقتل على قتل مسلم. فإن أكره على مجرد تكثير سواد جنود العدو مع إعفائه من مباشرة القتل، فليس له ذلك أيضا إلا إذا كان الإكراه بالقتل، وعلم يقينا أن ذلك لا يسبب هزيمة في صفوف المسلمين”[118].
ويمنع هذا الضابط كذلك، المضطر من أكل طعام مضطر آخر، كما لا يجيز لأصحاب حرفة في سوق منع صاحب حرفة جديدة بحجة كساد عملهم بفعل اشتغاله بتلك الحرفة، وقس على ذلك.
- الضابط الخامس؛ أن تقدر الضرورة بقدرها[119]:
ويفيد هذا الضابط أن الاضطرار إنما يبيح من المحظورات مقدار ما يدفع الخطر، فلا يجوز الاسترسال في ممارسة ما تبيحه الضرورة بعد أن تزول، بل بمجرد زوالها يعود الحكم الأصلي لانتقاء المناط الذي بني عليه الحكم التبعي، عملا بقاعدة دوران الحكم مع العلة وجودا وعدما. فالضابط يمنع من تنزيل الاستثناء منزلة القاعدة، لأنه قلب لوضع الشريعة، فيكون بغيا وعدوانا وخروجا عن الضوابط، وهي أمور شرط القرآن الكريم نفيها للأخذ بالضرورة، قال عز وجل: “فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه“(البقرة؛173). ومثال ذلك؛ كشف الطبيب من العورة بمداواتها بالقدر الذي يحتاج إليه في الكشف عن المرض، وقبول شهادة النساء في المجالات التي لا يمكن إطلاع الرجال عليها، وذلك بسبب الضرورة، لان ما جاز للضرورة يقدر بقدرها. ومثل هذا يقال عن المضطر لأكل الميتة أو شرب الخمر عند الضرورة.
الفرع الثالث؛ ضوابط مراعاة منع الضرر:
يتعلق النظر عند مراعاة هذه الضوابط، بالفعل الصادر عن المكلف من حيث تأثيره في حق الغير به، وبيان انضباط التنزيل بهذا الأصل يكون من خلال الإحاطة بمسالك الفقهاء في تنزيل أصل منع الضرر، وكذلك من خلال التعرف على الأدلة الجزئية التي تشهد لأصل منع الضرر، وذلك من هذه الضوابط:
- الضابط الأول؛ منع الضرر في القرآن والسنة وفعل الصحابة:
كثيرة هي النصوص القرآنية التي تشهد لهذا الأصل، مثال قوله تعالى: “ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا“(لبقرة؛231)؛ فالرجعة هنا تثبت لمن قصد الصلاح دون الضرر، وصورته “أن يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ولا حاجة له بها ولا يريد إمساكها، كما يطول بذلك العدة عليها ليضارّها”[120].
ومن السنة يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار”[121]، فهذا نهي عن مطلق الضرر على أي صفة كان، والحديث عام في كل أنواع الضرر، فلا يجوز في صورة من الصور إلا بدليل يخص به هذا العموم. والحديث قاعدة[122] من قواعد الدين تشهد له كليات وجزئيات.
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: “لا يحتكر إلا خاطئ”[123]، وذلك لما في احتكار الطعام من التضييق على الناس في معاشهم. وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: “نهى رسول الله أن يبيع حاضر لباد”[124]، لأن في ذلك إضرارا بأهل السوق وأهل الحضر.
ويشهد على ذلك من عمل الصحابة: قضاء عمر بن الخطاب في مسألة الارتفاق، حيث قضى للضحاك بن خليفة أن يسوق خليج الماء حتى يمر من أرض محمد بن مسلمة رغم امتناع هذا الأخير، لما في الأمر من مصلحة لهما، فقال قولته المشهورة لمحمد بن مسلمة: “والله ليمرن به ولو على بطنك”[125]، فأمر عمر بن الخطاب الضحاك أن يمر به، ففعل الضحاك ورضي محمد بن مسلمة والتزم الجميع بالأمر.
والنصوص التي تشهد على هذا الأصل كثيرة، تؤسس لمنع العمل الضار وتؤصل لأصل الاستصلاح.
- الضابط الثاني؛ الاحتياط للضرر قبل وقوعه:
وهذا من أهم مسالك الفقهاء في تنزيل أصل منع الضرر، ويتعضد بقاعدة سد الذرائع التي أخذ بها جميع الفقهاء وتوسع فيها المالكية والحنابلة. وتتفرع عن هذا الضابط جملة من القواعد المعبرة عن مسلك الاحتياط للضرر قبل وقوعه، مثال[126]: الضرر يدفع بقدر الإمكان، والضرورات تبيح المحظورات، والحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة، ودرء المفسدة أولى من جلب المصلحة.
وتظهر فائدة هذا المسلك عند تنزيل الأحكام في كونه مُجاوزة في التعامل مع الواقع إلى رصد ما هو متوقع، بإزالة أسباب الضرر لمنع وقوعه واستمراره.
- الضابط الثالث؛ إزالة الضرر بعد وقوعه:
ويتعاضد هذا الضابط بأصل إقامة المصالح، والمحافظة على مقصود الشارع. لأن الفعل الضار إذا تحقق في الواقع وتعلقت به حقوق الغير، وجب إزالته، سواء كان الفعل ناجما عن استعمال حق أو عن تعدّ على غير وجه حق. ومن القواعد المعبرة عن هذا الأصل : الضرر يزال[127]: ومعناها أن الضرر يجب رفعه بعد وقوعه، ولذلك جاز الرد في البيوع بالعيب، وثبوت الخيار في البيع، وجواز الطلاق بالإعسار، وجواز فسخ النكاح بالعيوب، وضمان المتلف. والضرر لا يزال بالضرر[128]: ومعناها أن الإزالة لا يجب أن تكون بضرر مماثل للضرر القائم، وقد تقرر عند الفقهاء أن الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف.
ومما سبق يمكن القول أن حسن إسقاط الأحكام على تصرفات المكلفين، يتحقق بدفع الضرر من خلال النظر إلى الأفعال، سواء كانت تصرفا مشروعا أو غير مشروع، فإذا ألحقت الضرر بالغير وجب دفعه بالاحتياط له قبل الوقوع، وبإزالته بعد الوقوع، فإن تعلق بحق فردي رُوعي دفع الضرر الأكبر بالضرر الأخف، وإن تعلق بمصلحة عامة، قدّمت على المصلحة الخاصة.
الفرع الرابع؛ ضوابط النظر في أحوال المكلفين المختلفة:
يعتبر النظر في أحوال المكلفين المختلفة من الضوابط والمسالك القويمة عند تنزيل الأحكام وتطبيقها وفق المقاصد الشرعية، لأن البحث عن محل الحكم يتطلب النظر في كل مقومات التكليف وشروطه لتفضي عملية التنزيل إلى تحقيق مقصد الحكم المطبق، ولأن الأحكام تتأثر بتغير أحوال المكلفين؛ يتوجب النظر على هذا الأساس في أحوال المكلف لتهيئة محل الحكم، وهذا ينصرف إلى أنواع كثيرة من الأحوال نذكر ها من خلال الضوابط التالية:
- الضابط الأول؛ مراعاة الأحوال النفسية والبدنية:
قد ثبت في الشريعة أن النفس الإنسانية تعتريها أحوال طبيعية من شخص إلى شخص ومن زمان إلى زمان ومن ظرف إلى ظرف؛ كالخوف والهلع والجزع و والاطمئنان والغضب والفرح والحزن والألم، وما إلى ذلك من الأحوال البشرية التي ثبت تأثر الأحكام الشرعية بها، ومن الأدلة على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان”[129]، وقد قاس العلماء على هذا الحديث جميع الأحوال النفسية التي تؤثر على مجرى الحكم القضائي.
ومن الأمثلة الموضحة لهذا الضابط؛ النهي الوارد عن الصلاة بحضرة الطعام ومدافعة الأخبثين[130]، لما في ذلك من أحوال نفسية مانعة من أداء الصلاة بالخشوع والحضور المقصودين منها.
وبهذا يكون هذا الضابط مسلكا مساعدا للمجتهد وهو يريد توجيه المكلف إلى الأحكام. وهذا يسري على فقه الدعوة إلى الإسلام وتعاليمه، “فاختيار الحالة النفسية الملائمة شرط أساسي في تبليغ الدعوة، فلا يجوز مثلا أن يُقصد المكلف وهو في حالة من الإرهاق والتعب أو في حالة من الغضب والقلق وتعرض عليه الدعوة وتكاليفها بصورة من الإلزام والإجبار، فالطبيعة البشرية في غالبها ترفض هذا المنهج وتمجه، وقد يؤدي ذلك إلى النفور من تكاليف الشريعة رأسا، خاصة في مجتمع متغرب عنها”[131].
ونفس الكلام يقال عن الجانب البدني في الإنسان المكلف، لأن أغلب العبادات متعلقة بوجود بدن صحيح معافى حتى تؤدى على أتم وجه، كالصلاة والصوم والحج والزواج والقدرة على العمل للأجر وغيرها، حيث البدن مناط أحكامها. والنتيجة من هذا أن الحالة البدنية للمكلف هي الأخرى من بين الأحوال التي تختلف الأحكام باختلافها، وتتغير الفتاوى بتغيرها، مما يتوجب على فقيه التنزيل النظر فيها، باعتبار أن تحقيق المقصد الشرعي متوقف عليها في كثير من الأحيان.
- الضابط الثاني؛ مراعاة الأحوال الدينية والمقامات التربوية للمكلف:
الدين؛ إسلام وإيمان وإحسان، يقول الشاطبي: “حفظ الدين حاصله في ثلاث معان وهي: الإسلام والإيمان والإحسان”[132]، وهي مأخوذة من حديث مراتب الدين المشهور الذي أخرجه مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والذي يبين التزام المكلفين على درجات، فمنهم المسلم المكتفي بالأركان والفرائض، ومنهم المؤمن الملتزم بشعب الإيمان ونوافل الطاعات فضلا عن أركانها وفرائضها، ومنهم المحسن المخلص في العبودية البالغ أعلى درجات التقوى والمراقبة.
والشريعة في تنزيلها لجملة من الأحكام والتكاليف لم تغفل الأحوال الدينية والروحية والمقامات التربوية للمكلفين، والأمثلة في هذا الشأن كثيرة نذكر على سبيل المثال:
– أن الخطاب في الشريعة يميز بين أصناف ومستويات المكلفين بحسب المعيار الديني؛ كالتمييز بين الأعراب والأنصار والمهاجرين، وبين المجاهدين والقاعدين، وبين السابقين في الإسلام والمتأخرين، فالمرء وحظه من الله والقرب منه سلوكا وتعبدا، والمرء وغناؤه في الإسلام وبذله وعطاؤه، والمرء وسابقته في الدعوة والجهاد.
– كما لا يستحسن مخاطبة تارك الصلاة بالنوافل وقيام الليل وصلاة الضحى وغيرها من السنن والمستحبات، كما لا يخاطب مانع الزكاة بالصدقات التطوعية وغيرها.
– ولم يُجز بعض العلماء الترخيص للمسافر من أجل المعصية، وهذا نتيجته النظر لحاله الديني كما هو واضح، واشتراطهم وصف العدالة في الشهادة والولايات، وتحقيق المناط ورواية الحديث الصحيح وغير ذلك من الأمور التي اشترط فيها العلماء وأهل الاختصاص؛ الورع والتقوى.
وإذا كانت الشريعة السمحة تراعي هذه الأحوال، فإن على المجتهد التنزيلي أن يلتزم بالنظر فيها قبل تطبيق أي حكم على أي مكلف، والقدوة في هذا هو رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الذي وصّى بمخاطبة الناس على قدر عقولهم ومقامهم في حضرة الإسلام والإيمان والإحسان، فعن سيدنا علي كرم الله وجهه قال:”حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله”[133]، ومثل هذا كثير عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.
الضابط الثالث؛ مراعاة الأحوال الاقتصادية والمالية للمكلفين:
ومن المجالات التي تستحق النظر الاجتهادي عند فقهاء التنزيل، الجانب المالي والاقتصادي عند المكلف، وذلك لتعلق كثير من الأحكام والتكاليف به، ولأن الله تعالى خلق الناس وميز بينهم في هذا الباب، فمنهم الفقير، ومنهم الغني، ومنهم المتوسط بين ذلك ودونهم المسكين، كما جعل الله سبحانه بعض البشر لبعض آخر سخرية وفتنة وابتلاء، وهكذا، فإن الأحكام تختلف من حالة إلى حالة.
– ومن الأمثلة[134] على هذا الضابط، أن العبادات المالية كالزكاة مثلا يختلف الحكم فيها من الغني إلى الفقير، لأن الغني الممتلك للنصاب يجب عليه الزكاة وتندب في حقه الصدقات، أما الفقير فيجب صرف الزكاة إليه والعناية به، وكذلك المسكين وجميع طبقات المحتاجين.
والمجتهد عند التنزيل لا بد له من التحقيق في الأحوال المالية للمكلفين؛ التحقيق في ثبوت النصاب عند المكلف الغني، والتحقيق في ثبوت الحاجة عند المكلف الفقير. والحج كذلك من العبادات التي يشترط فيها الاستطاعة المالية، وهي معتبرة بحال المستطيع.
– ومنها الحقوق المتعلقة بالأموال: كالديْن مثلا، يتجه النظر فيه إلى الدائن المعسر، فإن تحقق المناط بأنه على حال عسر مالي وضائقة اقتصادية، فالحكم بالنظرة أو الإعفاء. ولبيت مال المسلمين دور في ذلك.
– و من الأمثلة كذلك نفقة الزوج على الزوجة؛ فإذا تحقق المناط بأن العجز عن الإنفاق موجود، للزوجة أن تفرقه بعد ضرب الأجل ليتضح إعساره.
وقد يمتد النظر في هذا الصدد إلى الأحوال الاقتصادية العامة للمجتمع، كنظر عمر الفاروق رضي الله عنه إلى حال المجاعة العامة، فلم يطبق حد السرقة، “إذ لم يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رمقه”[135]. ولأن تطبيق الحدود لا يكون إلا بعد تطبيق العدل الاقتصادي والعدل في تقسيم الأرزاق.
الضابط الرابع؛ مراعاة أعراف المكلفين وعوائدهم:
وقد تكلم العلماء[136] كثيرا في هذا الشأن واعتبروا العرف مصدرا من مصادر التشريع، وقسموه إلى صحيح وفاسد، ونوعوه إلى العرف الفعلي والعرف القولي، ولهذا حث الفقهاء والمجتهدون على أهمية اعتبار الأعراف والعوائد في عملية التنزيل، وعلاقة ذلك، بخدمة المقاصد الشرعية أثناء تطبيق الأحكام، لأن اختلاف وتغير الناس غير قابل للانضباط لحكم واحد، خاصة مع التطور الحاصل في المجتمعات البشرية وفق تقاليدها ومعهودها في أقوالها وأفعالها.
الفرع الخامس؛ الضوابط الأصولية لفقه التنزيل:
بعد أن تعرفنا على ضوابط اعتبار قصد المكلفين في أحوالهم المختلفة؛ لوقوع الأفعال وفق مقاصد الشرع، وأشرنا إلى الضوابط العامة للترخيص للضرورة الشرعية، وكذلك الإحاطة بمسالك الفقهاء في تنزيل أصل منع الضرر. نختم هذا المطلب المهم بمجمل الضوابط الفقهية العامة و الأصولية لفقه تنزيل الأحكام، وهي كالتالي:
الضابط الأول: مراعاة الفطرة الإنسانية عند التنزيل:
إن الله سبحانه وتعالى- وهو الذي خلق الإنسان على الفطرة- نزّل الشريعة وأحكامها وفق الطبائع البشرية، قال تعالى: “فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله“(الروم؛30). وكل تغيير يقع على الفطرة فالإنسان هو المسؤول عنه، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه”[137].
أما التشريع فقد جاء متناغما مع فطرة الإنسان وليس مصادما لها، وبالتالي فالتنزيل للأحكام على وقائع الناس لا بد أن يكون بمقتضاها ولا يخالفها، يقول ابن عبد السلام: ” كل صفة قبيحة جبلية لا كسب للإنسان فيها فلا أجر عليها ولا وزر، كقبح الصورة، ودمامة الخلق، وشناعة الأعضاء، ونقص العقول والحواس”[138]. كما أن الشرع لا يؤاخذ المجنون والنائم والصبي، كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: “رفع القلم عن ثلاث: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم”[139]. بالإضافة إلى عدم المؤاخذة على النسيان وهذا ما يوافق الفطرة الإنسانية.
عن أبي هريرة أنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول أن سليمان بن داود حكم بين امرأتين اختلفتا على ابن لهما، فقال سليمان عليه السلام: “ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها، فقضى به لها”[140]، فحينما قبلت الكبرى أن يُشق الولد، عرف سيدنا سليمان عليه السلام أنها ليست الأم الحقيقية عن طرق الفطرة، وهي الرحمة التي خلقها الله تعالى في قلب الأم الحقيقية.
فحضور واعتبار الفطرة في النفس الإنسانية وأثرها في الأحكام عند الاجتهاد أثناء التنزيل مهم جدا لتحقيق التكامل بين الفطرة والشرع وكلاهما من الله تعالى. وهكذا فإن على المجتهد عند تنزيل الأحكام مراعاة الفطرة الأصلية للمكلف حتى ينضبط التنزيل أكثر، وتكون ثمار التطبيق للأحكام أكثر نفعا وأوقع في روح المكلف وعقله؛ وهذا هو المنهج الإسلامي المتكامل.
الضابط الثاني؛ مراعاة المرحلية والتدرج عند التنزيل:
وهذا الضابط هو مكمل لضابط الفطرة، وهو من الضوابط التي تحكم فقه التنزيل. حيث إن المرحلية تستلزم التدرج في التطبيق، وتحيط بالواقع الذي يعيشه المكلف، مما يساعد المجتهد على التنزيل السليم للأحكام. “وقد كانت هذه المرحلية المتدرجة في تنزيل أحكام الدين سنة نبوية، في التبشير بالإسلام، حيث كانت الأحكام التعبدية والأحكام المنظمة للحياة تنزل في الوحي منجمة، ويُربّى عليها المسلمون منجمة كذلك، وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاما خلصت الحياة بالتدرج من الجاهلية إلى الرشد، وأنجزت أحكام الدين في واقع الحياة، وكما كان كيفيا أيضا بتصاعد الحكم الواحد من الأخف إلى الأشد في التكليف إيجابا وتحريما”[141]، كما هو معلوم في إيجاب الصلاة وتحريم الخمر.
ومن الخطأ في فقه التنزيل القفز على المرحلة وضرب الواقع الذي يعيشه المكلف في التنزيل للأحكام، ولهذا نجد أن كثيرا من الدعاة إلى تنزيل الشريعة الإسلامية في واقع اليوم تراهم يعارضون أسلوب التدرج في التنزيل، ويدعون إلى تطبيق شامل ومكتمل للأحكام الدينية، في مجالات الحياة، ويرون “أن التدرج الذي كان في مبدأ نزول الدين يبرره النقلة الصعبة من جاهلية مطبقة إلى دين جديد مناقض لها، أما وقد انتشر الدين وعمّ عبر قرون، فإن الانحراف الذي آل إليه وضع الأمة لا يبرر معالجته بالتدرج، لسابقة سيادة أحكام الدين في حياتها، ولذلك فإنهم يرفضون أن تنزل الشريعة أبعاضا، ويهدرون كل فرصة تسنح في ذلك، مترقبين الظرف الملائم لتنزيلها جملة، وتحقيق الدين في حياة المسلمين كاملا غير منقوص”[142]، وهذا الفهم يمكن أن يؤدي إلى ضرب الشريعة بدل المحافظة عليها، فما قامت العلمانية وغيرها من الدعوات الهدامة للشرع والفطرة إلا بسبب تلك النظرة القاصرة في تنزيل الأحكام الشرعية على الواقع.
إن المجتهد التنزيلي عندما “يتبع مسلك التدرج في التطبيق، فإنما يفعل ذلك اعتبارا منه لما قد يؤول إليه الأمر إبان تنزيل الأحكام الشرعية جملة، دون مراعاة الظروف والمعطيات الواقعية”[143].
الضابط الثالث؛ اعتماد الحكم المراد تنزيله على دليل صحيح:
أصبح من المعلوم لدينا أن التنزيل لا ينضبط إلا إذا كان يستند على دليل صحيح، وقد ذكرنا سلفا أن الغاية من انضباط التنزيل هي تحقيق مقصود الشارع من وضع الشريعة، وعلى هذا فالحكم الشرعي يلزم أن يكون مجمعا عليه أو منصوصا أو ثابتا باجتهاد صحيح، سواء كانت الأحكام كلية؛ وهي الأحكام التي لا تنحصر في نوع معيّن من التصرفات أو باب واحد من أبواب الفقه، وهي عبارة عن “القواعد الشرعية المتفق أو المنصوص عليها”[144]. أو كانت أحكاما جزئية؛ وهي الأحكام المتعلقة ببعض التصرفات المحصورة في باب معين من أبواب الفقه، كأحكام البيوع والنكاح والمواريث وغيرها.
فعند تنزيل الحكم الثابت باجتهاد صحيح على واقعة معينة، يضاف إلى دليل المشروعية؛ دليل الوقوع وهو: “قيام الحجة على ثبوت السبب عند الحاكم”[145]، وهو ما يعرف بالثبوت؛ بمعنى أن الحكم يحصل على سبب موجود.
الضابط الرابع؛ مراعاة أسباب النزول والناسخ والمنسوء:
يعتبر سبب النزول وكذلك سبب الورود من الوسائل المهمة لفهم النصوص، الفهم السليم، وتنزيلها التنزيل القويم، لأن ذلك يعد “نوعا من فقه المحل، وإعانة المجتهد على إدراك الصواب، وأهمية توفير الشروط والظروف نفسها للتنزل”[146]. وبدون معرفة أسباب النزول والورود فإن مراد الشارع من التنزيل قد يعتريه الخلل، وتُوسع دائرة الخلاف ويفقد التنزيل مقصد الحكم
أما بخصوص ضابط الناسخ والمنسوء؛ فنشير أولا أن المتقدين والمتأخرين في مصطلح النسخ على اختلاف بيّن، ويظهر هذا من قول الشاطبي “إن مقصود المتقدمين بإطلاق لفظ النسخ بيان ما في تلقي الأحكام من مجرد ظاهره إشكال، وإيهام لمعنى غير مقصود للشارع، فهو أعم من إطلاق الأصوليين”[147]، وهذا المعنى للنسخ عند المتقدمين هو الذي كرّس التوسع في فكرة النسخ، مما أدى إلى تعطيل كثير من النصوص بحجة أنها منسوخة، وهذا أدى إلى “ضعف في التنزيل والخطأ في التطبيق، لأنه ضيّق حدود التنزيل فتعثر حضور الشريعة الفعال في الواقع”[148].
أما النسء فهو يعني تأخير تنزيل الآيات -أو الحكم- على الواقع، لعدم تحقيق مناطها، يقول الطاهر بن عاشور في التفسير: “النسء مشعرٌ بتأخير يعقبه إبرام، وحينئذ فالمعنى بقاء الحكم مدة غير منسوخ، أو بقاء الآية من القرآن مدة غير منسوخة، أو يكون المراد إنساء الآية بمعنى تأخير مجيئها مع إرادة الله تعالى وقوع ذلك بعد حين”[149]، وهذا المعنى يظهر في تأخير تحريم الخمر وهو مراد مع الإتيان بتحريمه، أو كراهته في أوقات معينة كالصلاة مثلا.
وبهذا المعنى يمكن الإقرار بوجود النسء في القرآن الكريم، وهو كل حكم تأخر تنزيله، حكمة وتدرجا، بناء على الواقع ومقتضياته، قال تعالى: “ما ننسخ من آية أو ننسيها نات بخير منها أو مثلها“(البقرة؛106). وهكذا تكون العلاقة بين النسء وفقه التنزيل علاقة تعريفية بتنزيل النصوص، لأن معرفة أي نص من النصوص أنه منسُوء، يعني ذلك أنه يجوز تأخير تطبيق النص وتنزيل حكمه حتى تتوفر الظروف والبيئة لذلك.
الضابط الخامس؛ فهم النص على ضوء المصلحة والعرف والواقع:
مر معنا في ثنايا هذا البحث أن المصلحة في مفهومها العام، هي جلب المنفعة ودرء المفسدة التي قصد الشارع جلبها أو دفعها، واستنتجنا أثناءها أن الشريعة جاءت لمصلحة العباد في المعاش والمعاد، وبهذا “فلا شك عند العقلاء في مراعاة النص للمصلحة العامة والخاصة؛ لأن المصالح العامة حقيقة مثل النص”[150]، وهذا معمول به منذ عهد الصحابة الكرام؛ فقد دون عمر بن الخطاب الدواوين وسك النقود واتخذ السجون، وكتب عثمان المصحف، وزاد النداء الثالث يوم الجمعة، وغير ذلك مما يبين أن المصلحة أصل مقعد ومعمول به ومقصود، وبالتالي فعلى فقيه التنزيل أو المجتهد أن يتلمس المصالح المعتبرة في تنزيل الحكم على الوقائع معتبرا في ذلك تغير الزمن والحال، لأن أي تنزيل للأحكام لم يحقق مصالحه، فإنه يعتريه النقص ويشوبه الخلل.
ونفس ما قلنا عن المصلحة نقوله عن العرف، فمن النصوص ما هو مبني على العرف، ومنها ما هو منشئ للعرف، لما قطعنا بأن الشارع جاء باعتبار المصالح، “لزم القطع بأنه لا بدّ من اعتبار العوائد، لأنه إذا كان التشريع على وزان واحد دلّ على جريان المصالح على ذلك، لأن أصل التشريع سبب المصالح، والتشريع دائم كما تقدم فالمصالح كذلك، وهو معنى اعتبار للعادات في التشريع، وأن العوائد لو لم تعتبر لأدى إلى تكليف ما لا يُطاق، وهو غير جائز أو غير واقع”[151].
ومعلوم لدينا سلفا أن التنزيل يتكون من ثلاثة عناصر أساسية، وهي: النص والمكلف والواقع، وبالتالي فمراعاة الواقع ضابط مهم في التنزيل، ومن الخلل في التطبيق أن نقوم بتنزيل نصوص فقهية قيلت في واقع معين مضى بعُجره وبُجره على واقعنا المعاصر، أو نقل أحكام كانت صالحة لمجتمع قديم وتنزيلها على مجتمعنا الحالي، مع أننا ندرك أن هناك اختلافا بينهما على جميع النواحي وكافة المجالات، وهذا لعمري، لا يصح وفق منطق فقه التنزيل، والذي يعني أن التنزيل يختلف لاختلاف مقاصده، واختلاف الواقع الذي ينزل فيه مع مراعاة الزمان والظرف والحال والمكان، يقول ابن خلدون: “ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الأعصار ومرور الأيام، وهو داء دوي شديد الخفاء”[152].
الضابط السادس؛ الحدود تدرأ بالشبهات والضرورات تبيح المحظورات:
أصل قاعدة درء الحدود بالشبهات عند التنزيل؛ ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة”[153]، وما روي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا”[154]. ويترجم هذه الحديث، ويعطيها قيمة في التنزيل قول عمر بن الخطاب: “لئن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي أن أقيمها بالشبهات”[155]. وقد أجمع العلماء والأئمة على درء الحدود بالشبهات، وأكدوا على ضرورة مراعاة هذه القاعدة عند التنزيل، وهذا ما نقله ابن المنذر في كتابه الإجماع بقوله: “وأجمعوا على درء الحد بالشبهات”[156]. وعليه فمن مقاصد الشريعة في التنزيل أن لا تقام الحدود بأي شبهة، وأن تدفع عن المكلف رفعا للحرج وتجنبا للخطأ ووقوع الظلم في الحدود. ومراعاة هذه القاعدة في تنزيل الأحكام يعد من التخفيف والتوسعة على المكلفين ورفع المشقة والحرج، مما يرفع ويعزز من نظرة الشريعة إلى الإنسان بإقامة العدل وإحقاق الحق قبل تنفيذ الحدود حتى يوافق تنزيل أحكام الشريعة مقاصدها.
كما يجب مراعاة قاعدة: “الضرورات تبيح المحظورات” عند التنزيل، مما يعين المجتهد على تصحيح التطبيق للأحكام، كما أن العمل بفحوى هذه القاعدة ومقاصدها يعين على رفع الحرج ويطبق مبدأ العمل بالتيسير، وهو كذلك من وسائل التطبيق المقاصدي لأحكام الشريعة الإسلامية.
والشارع حينما يبيح المحرم للمكلف في حالة الضرورة فذلك من أجل رفع المشقة عليه، لأن التنزيل أولا وأخيرا قائم على رعاية المقاصد. ولأن “القول بهذه القاعدة والأخذ بها في الأحوال الاستثنائية لاستباحة المحرم دليل على أن الإسلام قدّر واقع الإنسان وضعفه، ومقتضيات الحياة التي يواجهها”[157]. وهذا يؤكد على واقعيّة الشريعة الإسلامية، “التي لا تحلق بالإنسان في مثاليات حالمة، ترفرف في السماء، ولا تنزل إلى الأرض، بل تعترف بضغط الحياة، وقهر الظروف وضعف الإنسان، وتلبس لكل حالة لبوسها”[158]، وتنزل الحكم على كل مكلف في الزمن والظرف والحال المناسب.
الضابط السابع؛ مراعاة المستلزمات العامة لفقه التنزيل:
ومن الضوابط الإضافية التي ينبغي للمجتهد أن يراعيها عند التطبيق – خصوصا عندما لا تتحقق عنده الشروط الكاملة للتنزيل- مستلزمات يلجأ إليها فقيه التنزيل عند الضرورة، وهي كثيرة نذكر منها ما يلي:
– إسقاط تطبيق الحكم في بعض الأحيان: ونقصد بذلك أنه يمكن التمييز في تنزيل الحكم حيث يمكن إسقاطه عن بعض المكلفين أو في بعض الحالات المعينة، في الوقت الذي يتم تطبيق نفس الحكم على باقي العينات والحالات الأخرى، وذلك لعدم الانطباق عليهم، وهذا ما يسميه الدكتور النجار بالاستثناء[159]،
– العدول عن تطبيق الحكم الشرعي في ظروف معينة: ونعني بذلك أنه ممكن العدول عن تنزيل الحكم الشرعي وإسقاط العمل به في ظرف معين، حتى يحين ظرف آخر مناسب لتطبيق هذا الحكم، وهذا ما يصطلح عيه بالتأجيل[160].
ولا ينبغي الفهم من العمل بمسلك التأجيل إلغاء الحكم الشرعي، فإن هذا لا يقول به عاقل، لأنه لا يستطيع أحد إلغاء حكم ثابت شرعا، ولكن يجب أن نفهم أن هذا التأجيل هو طريقة مرحلية للتعرف على محال تنزيل الحكم الشرعي، وهذا مثاله في تشريع الرخص من قبيل الترخيص للمسافر والمريض بالإفطار في نهار رمضان وقصر الصلاة للمسافر، وتأجيل قيام الحدود في الحرب، فقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:”لا تقطع الأيدي في الغزو”[161]، واستثنى الخليفة عمر بن الخطاب أرض العراق من تقسيم الفيء، وقد اعتمد “هذا الفقه الاستثنائي في منع توزيع أرض العراق على الجنود الفاتحين، لما رأى من أن ذلك يؤدي إلى حرج عظيم يصيب الأمة في مستقبلها”[162]، وهذا يدخل في السياسة الاقتصادية للدولة، أو ما يسمى بتحقيق الأمن الغذائي للأجيال القادمة.
وبهذا يكون كل من التأجيل والاستثناء قاعدة مهمة في فقه تنزيل أحكام الشريعة، تحقق المقاصد المرجوة وترفع الحرج والمشقة المحتملة.
– إيقاف تنزيل الحكم عند زوال موجبه: ونعني به “عدم تنفيذ الحكم إذا زال موجبه الذي شرع لأجله ولم يتحقق المقصد منه”[163]. وهذه مرحلة تأتي بعد مرحلتي الاستثناء والتأجيل وذلك لتخلف شروط التنزيل للحكم، أو لوجود موانع تمنع من التطبيق.
وأبلغ مثال على هذه الحالة ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: “لا قطع في عذق ولا في عام سنة”[164]، وهو ما يعرف في كتب السيرة بعام المجاعة حيث أوقف الخليفة تطبيق حد السرقة، لأن”السنة إذا كانت سنة مجاعة وشدة غلب على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رمقه”[165]. فالخليفة عمر بن الخطاب أعمل فقه التنزيل بنظره إلى الظروف المحيطة بالواقعة، ورأى حاجة الناس إلى ما يسد رمقهم ويقيم حياتهم من الطعام، مما خلق شبهة دفعت بأمير المؤمنين أن يوقف الحد لعدم تحقق مقاصده وبوجود موانع حالت دون تنزيل الحكم على المحل.
ونفس المعيار استعمله عمر الفاروق لإيقاف حصة المؤلفة قلوبهم، وشاهده على ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتألف الناس يوم كان الإسلام ضعيفا ويحتاج إلى مناصرين، أما وأن الله قد أعز الإسلام فقد رأى أن لا حاجة للمؤلفين قلوبهم، فأسقط حصتهم.
– الإبقاء على الحكم الأصلي مع العدول عنه من أجل المصلحة والعدل: ذلك لأن الشريعة تقوم على العدل والمصلحة من خلال تطبيق أحكامها، وكلما أفضى تنزيل الحكم إلى غير ذلك، وجب العدول “إلى نوع من الاجتهاد الجزئي تتقاضاه ملابسات الظرف القائم، وما يحيط بها من خصوصيات؛ استتبعت تعديلا في الحكم الأصلي، كي يبقى متسقا مع مقاصد التشريع الكلية بما يحقق المصلحة والعدل”[166].
والمثال على هذا المسلك الذي يلجأ إليه المجتهد عند التنزيل، ما ذكره ابن حزم “أن عمر بن الخطاب ضمن الصناع، يعني: من عمل بيده. ومن طريق آخر، كان علي بن أبي طالب يضمن الأجير. وصح من طرق آخر أن عليا كان يضمن القصار والصواغ وقال: لا يصلح الناس إلا ذلك”[167]. فضعف الإيمان في القلوب وغياب الوازع الديني عند العامة كانا السبب في العدول عن الأصل الشرعي العام، وذلك من أجل صحة وسلامة تنزيل الأحكام على محالها المناسبة لها.
– العدول في الفتوى عن الحكم الأصلي إلى حكم اجتهادي آخر: وهذا هو المسلك الاجتهادي الأخير الذي يلجأ إليه فقيه التنزيل لتحقيق مقاصد الشرع، وذلك “نظرا لارتفاع المناط الأول وظهور مناط جديد استوجب حكما جديدا مغايرا للأول، هو أقدر على تحقيق المصلحة والعدل”[168]، ولأن المصلحة تتغير بتغير الزمان، فإن “كل حكم مبني عليها عرضة للتغيير والتبديل، وبيان ذلك أنه بعد تغير الزمان لا يمكن العمل بمقتضى الأحكام الفقهية الاجتهادية المقررة قبل، وإلا كان المآل في النهاية عبارة عن إلحاق كثير من الأضرار بالمكلفين”[169]، والمقصود بالتغيير هنا، والذي يحصل بسبب تغير في الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد، هو التغيير في الفتوى وليس التغيير في الحكم. ومن المقرر في فقه التنزيل أن “لتغير الأوضاع والأحوال الزمنية تأثيرا كبيرا في كثير من الأحكام الشرعية الاجتهادية، فإن هذه الأحكام تنظيم أوجبه الشرع بهدف إقامة العدل وجلب المصلحة ودرء المفسدة”[170].
وخير مثال على هذا المسلك؛ تغير حكم زيارة القبور، والنهي عن أكل لحم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، والأصل في هذا؛ قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرا”[171]. فظروف النهي عن زيارة القبور كانت مرتبطة بالتصرفات الجاهلية التي أنتجت بعض المفاسد في بداية الدعوة الإسلامية، لكن بعد زوال هذا السبب لم يبق لمنع زيارة القبور أي مصلحة شرعية، بل أصبح في زيارتها مصلحة الموعظة والتذكر والاعتبار. وكلما كانت هناك عادات وتقاليد غير شرعية تمارس في المقابر، في أي زمان أو مكان، يمكن الرجوع للحكم الأصلي وهو التحريم، لأن “هذا النص ليس من قبيل النسخ بل هو مرتبط بعلة اقتضت تغيير الحكم”[172].
أما سبب نهيه صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فيوضحه حديث عائشة عند مسلم قالت: “دف أهل أبيات من البادية حضرة الأضحى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “ادخروا ثلاثا ثم تصدقوا بما بقي”، فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويجملون منها الودك. فقال رسول الله وما ذاك؟ قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. فقال:”إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت، فكلوا وادخروا وتصدقوا”[173]، قال الإمام الطحاوي: “فدل هذا الحديث أن ذلك النهي إنما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم للعارض المذكور في هذا الحديث، فلما ارتفع ذلك العارض أباح لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد كان حظره عليهم”[174]. ومثل هذه الأحكام تتغير تبعا لمناطها الذي يتنزل عليه الحكم، وبالتالي فيمكن لمثل هذا الاجتهاد التنزيلي أن يفتى به في بعض الدول المعاصرة في زماننا والتي تعيش حروبا أهلية ومجاعة وهجرة تسبب انتشار الفقر والحاجة، وقد فعلها الإمام علي بن أبي طالب[175] حينما حوصر عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان أهل البوادي قد ألجأتهم الفتنة إلى المدينة وأصابهم جهد فأمر لذلك بمثل ما أمر رسول الله حين جهد الناس ودفت الدافة.
وختاما فإن كل هذه المستلزمات المذكورة من تغيير وتعديل وإيقاف للحكم وتأجيل له، هي مجرد حلول وطرائق يلجأ إليها المجتهد في التنزيل كمسلك عند الضرورة باعتبارها إجراءات مؤقتة تخفف عن المكلف وترفع عنه الحرج، تحقيقا للمصلحة ولمقاصد الشريعة، وليست هي الأصل دائما.
خلاصة:
تتنوع ضوابط فقه التنزيل وتتوسع حسب الحاجة والدواعي المحيطة بالواقعة، وقد حاولنا في هذا المبحث أن نقسمها إلى عناوين صغيرة متجانسة حتى يسهل فهمها وضبطها، وكانت بشكل منطقي وتكاملي. بدأنا بضوابط العلاقة بين الكليات المقاصدية باعتبار الضرورة أصل لما سواها واختلالها اختلال لما بعدها، ثم عرجنا على ضوابط اعتبار قصد المكلف لضرورة موافقته لمقاصد الشريعة، وأهمية الكشف عن حقيقته باعتماد مسالك فقهية متعددة، وبعدها تعرفنا على ضوابط الضرورة الشرعية المحققة وغير المتوهمة واتفاقها مع مقاصد الشرع وألا تؤدي إلى إزالة ضرورة أكبر، والضرورة تقدر بقدرها. وأشرنا إلى أن مراعاة منع الضرر يوجب الاحتياط له قبل وقوعه ويزال بعد وقوعه، مع استحضار أحوال المكلفين المختلفة وضبطها. وختمنا المبحث بالضوابط الأصولية والفقهية، وهي أم الضوابط وأساسها، وهي متعددة ومتشعبة، جمعناها في سبع ضوابط مختصرة ومتكاملة. والحمد لله رب العالمين.
في الحلقة المقبلة سنتابع وإياكم أمثلة من السيرة النبوية تشهد على فقه تنزيل الأحكام.
……يتبع……
[1] الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، 2/23.
[2] المرجع السابق، 2/23-24.
[3] المرجع نفسه، 2/24.
[4] المقاصد الشرعية؛ طرق إثباتها، حجيتها، وسائلها، نور الدين الخادمي، ص:27.
[5] الاستحسان وصلته بالاجتهاد المقاصدي، إلياس دردور، ص:231.
[6] الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، 2/20-21.
[7] إعلام الموقعين، ابن القيم، 3/14.
[8] ضوابط المصلحة، البوطي، ص:132.
[9] المقاصد الشرعية، الخادمي، ص:31.
[10] المرجع السابق، ص:33.
[11] ضوابط المصلحة، البوطي، ص:140.
[12] المرجع السابق، ص:215.
[13] المقاصد الشرعية، الخادمي، ص:36.
[14] ضوابط المصلحة، البوطي، ص:228.
[15] المقتضيات المنهجية، النجار، ص:13.
[16] المرجع نفسه، ص:14.
[17] الموافقات، الشاطبي، 2/38.
[18] الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، 2/28.
[19] في فقه التدين، النجار، 2/188-190.
[20] المقتضيات المنهجية، النجار، ص:19.
[21] أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، برقم:3475، واللفظ له. ومسلم في كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة في الحدود، برقم:1688.
[22] الموافقات، الشاطبي، 1/31.
[23] المصدر السابق، 1/36.
[24] المصدر نفسه، 1/41.
[25] مسلك الإمام الشاطبي في تقعيد المقاصد وتنزيل الأحكام، عبد الرزاق وورقية ، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، الكويت، سنة:2004م، ص:148 وما بعدها.
[26] الموافقات، الشاطبي، 2/7.
[27] المصدر السابق، 2/82.
[28] ينظر: الرسالة، الشافعي، ص:509-511. وإعلام الموقعين، وابن القيم، 1/46، وروضة الناظر، 3/401-406.
[29] الاجتهاد النوازلي، محمد بن حسن الجزولي، مجلة العدل، المدينة المنورة، العدد:19، سنة: 1424هـ؛ ص:19.
[30] الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط، يوسف القرضاوي، ص:92
[31] أخرجه أبو داوود في السنن، كتاب العلم، باب التوخي في الفتيا، برقم:3657. وابن ماجة في السنن، أول كتاب منه، باب اجتناب الرأي والقياس، رقم:53. وصححه الألباني في صحيح أبي داود، رقم: 3675.
[32] جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، 2/8. وإعلام الموقعين، ابن القيم، 2/199.
[33] إعلام الموقعين، ابن القيم، 4/216.
[34] المصدر السابق، 4/131.
[35] ضوابط النظر الاجتهادي في القضايا والمستجدات المعاصرة، ماهر حامد الحولي، ص: 7.
[36] الفقه والمتفقه، الخطيب البغدادي، 2/340.
[37] الفتوى بين الانضباط والتسيب، القرضاوي، ص:75-77.
[38] ينظر: المحصول، الرازي، 2/493. وتقريب الوصول، ابن جزي، ص:422.
[39] ينظر: الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، 2/12-14.
[40] ينظر: جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، 2/1067-1068.
[41] ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة، مسفر القحطاني، ص:21.
[42] الفتوى بين الانضباط والتسيب، القرضاوي، ص:72.
[43] ينظر: الفقيه والمتفقه، البغدادي، 2/390. والموافقات، الشاطبي، 5/323.
[44] أخرجه الدارمي في سننه، المقدمة، باب الفتيا وما فيه من الشدة، رقم:157. وقال ابن باز: “مرسل صحيح”، النكت على التقريب، رقم:123.
[45] قال ابن القيم: “صح عن ابن مسعود وابن عباس”، إعلام الموقعين،2/119. وقال الهيثمي: “رجاله موثقون”، مجمع الزوائد،1/188. وأخرجه البغدادي في الفقه والتفقه، 2/416.
[46] أخرجه البيهقي، المدخل إلى السنن الكبرى، كتاب آداب القاضي، باب التثبت في الحكم، رقم:2070.
[47] الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، القرضاوي، ص:176.
[48] أصول وضوابط الاجتهاد في النوازل، مثنى سلمان صادق، ، بحث جماعي، ص:597.
[49] إعلام الموقعين، ابن القيم، 4/123.
[50] التفصيل في شروط الاجتهاد في النوازل في كتب الأصول، خالد بن علي المشيقح، ص:5.
[51] أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب بطانة الإمام وأهل مشورته البطانة والدخلاء، رقم:6659.
[52] إعلام الموقعين، ابن القيم، 4/125.
[53] نظرية المقاصد عند الشاطبي، الريسوني، ص:7.
[54] مقاصد الشريعة ومكارمها، علال الفاسي، ص:7. وينظر: أصول الفقه، وهبة الزحيلي، 2/1017.
[55] نهاية السول في شرح المنهاج، الإسنوي، 4/91.
[56] الإحكام، الآمدي، 4/32.
[57] رفع الحرج، صالح بن حميد، 5/178.
[58] القواعد الفقهية، أحمد الزرقا، ص:227.
[59] القواعد، ابن رجب، القاعدة رقم:127، 2/597.
[60] كشف الأسرار، النسفي، 2/718. والتعريفات، الجرجاني، ص:193.
[61] ينظر: شرح مجلة الأحكام، المجلد:36، ص:40.
[62] أخرجه أحمد في المسند،5/211، رقم:2409، وقال أحمد شاكر: “إسناده صحيح وهو موقوف على ابن مسعود”، عمدة التفسير، 1/820.
[63] ينظر: إعلام الموقعين، 3/41.
[64] الاعتصام، الشاطبي، 2/418.
[65] الموافقات، الشاطبي، 3/311.
[66] كيف نتعامل مع السنة النبوية، القرضاوي، ص:148.
[67] أخرجه الترمذي في الجامع الصحيح، كتاب السير عن رسول الله، باب ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين، رقم:1904. وقال ابن حجر: “إسناده صحيح، ورجح البخاري إرساله”، بلوغ المرام، رقم:383. وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم:1207. وفي صحيح الجامع، برقم:1461.
[68] القرضاوي، كيف نتعامل مع السنة النبوية؛ ص:150.
[69] أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب كتاب النبي إلى كسرى وقيصر، رقم:4425.
[70] السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، محمد الغزالي، ص:48-49.
[71] ذهب ابن حزم إلى أن النهي منصرف إلى الأمر العام، وهو الخلافة، ونهج نفس المذهب كل من الطبري ومالك والحنفية، ينظر: أحكام القرآن، ابن العربي، 3/482. والمحلى، ابن حزم، 9/430.
[72] ينظر في تأصيل هذه المسألة: التبصرة في أصول الفقه، أبو إسحاق الشيرازي، ص:289.
[73] فقه الواقع وأثره في الاجتهاد، ماهر حصوة، ص:158.
[74] أخرجه أحمد في المسند،3/129، رقم:12329. وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم:520.
[75] المقدمة، ابن خلدون، ص:214-217.
[76] فقه الواقع وأثره في الاجتهاد، ماهر حصوة، ص:160-161.
[77] مقاصد الشريعة الإسلامية، ابن عاشور، ص: 67.
[78] الاعتصام، الشاطبي، ص:170.
[79] أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب سرية عبد الله بن حذافة السهمي، رقم:4340.
[80] ينظر للتفصيل: الإحكام، القرافي، ص:34 ومابعدها.
[81] السنة مصدرا للمعرفة، يوسف القرضاوي، ص:60.
[82] ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية؛ ص:223.
[83] أخرجه البخاري في كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، برقم:2596.
[84] أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب قول الله{ويوم حنين}، رقم:4321.
[85] أخرجه البخاري في كتاب المزارعة، باب من أحيا أرضا مواتا، رقم:2209.
[86] الموافقات، الشاطبي، 1/58.
[87] موسوعة القواعد الفقهية، محمد الصديقي، 1/330.
[88] مقاصد الشريعة الإسلامية، ابن عاشور، ص:348.
[89] الموافقات، الشاطبي، 2/377.
[90] أثر المقاصد الجزئية والكلية في فهم النصوص الشرعية، عبد الله الكيلاني، مجلة دراسات علوم الشريعة والقانون، عدد:1، مجلد:33، سنة: 2006م؛ ص:104.
[91] خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، فتحي الدريني، ص:172.
[92] أثر المقاصد الجزئية والكلية في فهم النصوص الشرعية، الكيلاني، ص:103.
[93] أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب إذا قال أحدكم آمين، حديث:3225.
[94] أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب عذاب المصورين يوم القيامة، حديث:5950.
[95] ينظر لمزيد من التفصيل: كيف نتعامل مع السنة النبوية، القرضاوي، ص: 198 وما بعدها.
[96] قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عباس:”لا تلقوا الركبان، ولا يبيع حاضر لباد”. أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر، وهل يعينه أو ينصحه، رقم:2158.
[97] ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامي، البوطي، ص:184.
[98] أخرجه مسلم في كتاب البيوع، باب تحريم بيع الحاضر لبادي، رقم:1521.
[99] ينظر: ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامي، البوطي، ص:184.
[100] الموافقات، الشاطبي، 2/251.
[101] المصدر السابق 2/251.
[102] ضوابط الاجتهاد التنزيلي، عبد الرزاق وورقية، ص:340.
[103] ينظر: اعتبار مآلات الأفعال ومراعاة نتائج التصرفات، معمر السنوسي، ص:382.
[104] ينظر: الفراسة عند العرب، فخر الدين الرازي، ص:96-97.
[105] الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ابن القيم، ص:13.
[106] الموافقات، الشاطبي، 2/246.
[107] ينظر: المبسوط، السرخسي، 1/239. وموسوعة القواعد الفقهية، محمد البورنو، 1/158.
[108] الموافقات، الشاطبي، 2/246.
[109] ينظر: المصدر السابق، 2/300، وما بعدها.
[110] ينظر: نظرية الضرورة الشرعية، حدودها وضوابطها، محمد بن مبارك جميل، الصفحات:305-321.
[111] الاعتصام، 2/129. والموافقات، الشاطبي، 4/105.
[112] فقه التنزيل وقواعده وتطبيقاته، أيت أمجوض، ص:473.
[113] فقه الضرورة وتطبيقاته المعاصرة؛ آفاق وأبعاد، عبد الوهاب أبو سليمان، ص:64.
[114] نظرية الضرورة الشرعية، مبارك جميل، ص:313.
[115] قواعد الأحكام، ابن عبد السلام، 1/65.
[116] الأشباه والنظائر، ابن نجيم، ص:107. الأشباه والنظائر، السيوطي، ص:84.
[117] ينظر: درر الحكام شرح مجلة الأحكام، علي حيدر، 1/38. وشرح مجلة الأحكام، منير القاضي، 1/87.
[118] نظرية الضرورة الشرعية، مبارك جميل، ص:321.
[119] ينظر: المدخل الفقهي العام، مصطفى أحمد الزرقا، 2/996.
[120] الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 3/156.
[121] أخرجه ابن ماجة في السنن، كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره ، رقم:2340. وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم:7517. وفي إرواء الغليل، برقم:896.
[122] ينظر: نيل الوطار، الشوكاني، 3/167.
[123] أخرجه مسلم في كتاب البيوع، باب تحريم الاحتكار في الأقوات، والترمذي في سننه، كتاب البيوع، باب ما جاء في الاحتكار، رقم:1267.
[124] أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب من كره حاضر لباد بأجر، رقم:2160، واللفظ له. ومسلم في كتاب البيوع، باب تحريم بيع الحاضر للبادي، رقم:1520.
[125] رواه مالك في الموطأ، كتاب الأقضية، باب القضاء في المرفق. وقال ابن حجر: “سنده صحيح”، فتح الباري، 5/333. وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم:1427.
[126] ينظر: نظرية التعسف في استعمال الحق، فتحي الدريني، ص:126. والمجلة العدلية، ص:31. والأشباه والنظائر، السيوطي، 1/211. وإيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك، أبو العباس أحمد الونشريسي، ص:219.
[127] الأشباه والنظائر، ابن نجيم، ص:85.
[128] المصدر السابق، ص:87.
[129] أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان، رقم:6739.
[130] الحديث أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب كراهية الصلاة بحضرة الطعام. وأبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب أيصلي الرجل وهو حاقن، رقم:82.
[131] ضوابط الاجتهاد التنزيلي، عبد الرزاق وورقية، ص:450.
[132] الموافقات، الشاطبي، 4/20.
[133] أخرجه البخاري في الصحيح ، كتاب العلم، باب من خصّ بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، رقم:127.
[134] ينظر: التلقين في الفقه المالكي، القاضي عبد الوهاب البغدادي، ص:51-87.
[135] إعلام الموقعين، ابن القيم، 3/17.
[136] للتفصيل في الموضوع ينظر: العرف والعمل في المذهب المالكي، عمر الجيدي، ص: 120 وما بعدها.
[137] أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام، رقم: 1293.
[138] قواعد الأحكام، ابن عبد السلام، 1/151.
[139] أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدا، رقم:4398، وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم:3514، وفي إرواء الغليل، برقم:297.
[140] أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى:{ووهبنا لداود سليمان، نعم العبد إنه أواب}.
[141] في فقه التدين، النجار، 1/99.
[142] في فقه التدين، النجار، 1/102.
[143] أصل اعتبار المآل، عمر الجيدي، ص:258.
[144] شرح مختصر الروضة، الطوفي، 3/233.
[145] تبصرة الحكام، ابن فرحون، 1/98.
[146] أسباب ورود الحديث، محمد سعيد رأفت، المقدمة، ص: 21.
[147] الموافقات، الشاطبي، 3/117.
[148] فقه التنزيل، أحمد المعماري، ص: 446.
[149] التحرير والتنوير، ابن عاشور، ص: 641.
[150] من النص إلى الواقع، حسن حنفي، 2/144.
[151] شرح تنقيح الفصول، القرافي، 2/287.
[152] المقدمة، ابن خلدون، 1/28.
[153] أخرجه الترمذي في السنن، كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحدود، رقم:1424، واللفظ له. والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الحدود، ما جاء في درء الحدود بالشبهات،8/238.
[154] أخرجه ابن ماجة في السنن، كتاب الحدود، باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات، رقم:2545. وعن ابن مسعود مرفوعا قال:”ادرؤوا الجلد والقتل عن المسلمين ما استطعتم” قال الحافظ :”وإسناده صحيح”،ينظر:نيل الأوطار،7/272. وصححه الألباني في إرواء الغليل، 8/26.
[155] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الحدود، باب في درء الحدود بالشبهات. قال السخوي: إسناده صحيح، المقاصد الحسنة، رقم:50. وقال الألباني: “رجاله ثقات”، إرواء الغليل، 7/344.
[156] الإجماع، محمد ابن المنذر النيسابوري، 1/113.
[157] نظرية الضرورة الشرعية، وهبة الزحيلي، ص:213.
[158] السياسة الشرعية، القرضاوي، ص:304.
[159] ينظر: في فقه التدين، النجار، 1/105.
[160] ينظر: في فقه التدين، النجار، 1/105.
[161] أخرجه الترمذي في السنن، كتاب الحدود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء أنه لا تقطع الأيدي في الغزو، وقال الألباني: “إسناده صحيح”، صحيح الجامع، رقم:1450، وتخريج مشكاة المصابيح، برقم:3532.
[162] في فقه التدين، النجار، 1/107.
[163] النظر المقاصدي وأثره في تنزيل الأحكام الشرعية على الواقع، نور الدين قراط، وهو بحث منشور، ص:78.
[164] أخرجه البخاري في التاريخ الكبير،3/4، وابن أبي شيبة في المصنف، برقم:28591. ورواه أبوداود في السنن برقم:4388 ، والترمذي في سننه برقم:1449، وابن ماجة في السنن، برقم:2593؛ بلفظ:” لا قطع في ثمر… “.
[165] إعلام الموقعين، ابن القيم، 3/10.
[166] الاجتهاد الاستثنائي وأثره في فقه الواقع، محمود صالح جابر وعمر مونة، بحث منشور، ص:15.
[167] المحلي، ابن حزم، 8/202.
[168] الاجتهاد الاستثنائي وأثره في فقه الواقع، صالح جابر وعمر مونة، ص:16.
[169] أصل اعتبار المآل، عمر جدية، ص:276.
[170] المدخل الفقهي العام، أحمد الزرقا، 2/923.
[171] أخرجه مسلم في كتاب الأضاحي، باب ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه وإباحة إلى متى شاء. برقم:1977.
[172] فقه التنزيل، أحمد المعماري، ص:643.
[173] أخرجه مسلم في كتاب الأضاحي، باب ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه وإباحة إلى متى شاء. برقم:1971.
[174] شرح معاني الآثار، الطحاوي، 4/187.
[175] ينظر: المحلى، ابن حزم ، 7/385.