منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحلقة 11: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛ دراسة أصولية تطبيقية

ذ. محمد الغالي

0

الحلقة 11: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛

دراسة أصولية تطبيقية

بقلم: ذ. محمد الغالي

مقاصدُ فقه التنزيل ووسائلُه

تمهيد:

       من كمال الشريعة الإسلامية اهتمامها بالوسائل المحققة للمقاصد، ذلك أن الحديث عن فقه الوسائل لا يقل أهمية عن الكلام والبحث في فقه المقاصد، باعتبار الوسائل هي الساحة التي يتم فيها الاجتهاد الحقيقي والطريق إلى تحقيق المقاصد، ولأن المقاصد تبقى أهدافا وغايات معلقة وعصية على التنزيل والتطبيق على الواقع، ما لم نسلك المنهج السليم والوسيلة السليمة. فكل ما يصدر عن المكلف من أفعال فهي إما وسائل وإما مقاصد، أو وسائل من جهة ومقاصد من جهة أخرى.

       ومن أجل بيان أهمية الوسائل للمقاصد وأثر ذلك في تنزيل الأحكام، فإن هذا المبحث يسعى إلى التأسيس لفكرة تحقيق المصلحة والعدل في التشريع من خلال التوفيق بين الوسائل والمقاصد  وعدم تغليب أحدهما على الآخر، والجواب على الأسئلة ذات أهمية بالغة ولها ارتباط وثيق بموضوع فقه تنزيل الأحكام.

        فما معنى فقه المقاصد وما قواعده ؟وما هو فقه الوسائل وخصائصه ؟ وما علاقة فقه المقاصد وفقه الوسائل بفقه التنزيل، وأثر ذلك على تطبيق الأحكام على الواقع ؟

المطلب الأول: فقه المقاصد وعلاقته بفقه التنزيل.

         إن أي شيء لم تُعْلم مقاصده الحقة، أو لم تُراع ولم تُتَحرّ عند استعماله أو التعامل معه؛ فقد ضاعت حقيقته وقيمته وفائدته، ولو بقي منه ما بقي، لأن “المقاصد أرواح الأعمال”[1]، وهذه الكلمة لا ينحصر مداها في مقاصد المكلفين ومقاصد أعمالهم، بل يشمل سائر المجالات؛ “فروح القرآن مقاصده، وروح السنة مقاصدها، وأرواح الأحكام الشرعية مقاصدها، وروح التدين تكمن في مقاصده وفي تحقيقها ما أمكن”[2]،  وبالتالي “فالفقه بلا مقاصد فقه بلا روح، والفقيه بلا مقاصد فقيه بلا روح، إن لم نقل إنه  ليس بفقيه، والمتدين بلا مقاصد تدينه بلا روح، والدعاة إلى الإسلام بلا مقاصد، هم أصحاب دعوة بلا روح”[3].

       ولذلك يصح القول بأن فقه التنزيل بلا فقه مقاصده هو تنزيل للأحكام بلا روح ولا معني أيضا.

الفرع الأول: فقه المقاصد؛ المفهوم، الأنواع، المشروعية.

أولا: حقيقة المقاصد ومفهومها:

  • المقاصد لغة:

المقاصد جمع مقصد، وهو مصدر مشتق من الفعل قَصَدَ يَقْصِدُ قَصْدًا فهو قاصد.

       والقصد له  عدة معاني[4] حسب السياق، نذكر منها:

أ-القصد: استقامة الطريق، قال تعالي: “وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر“(النحل؛9) أي؛ على الله تبيين الطريق المستقيم والدعاء إليه بالحجج والبراهين الواضحة،{ومنها جائر}أي؛ ومنها طريق غير قاصد. وطريق قاصد: سهل مستقيم، وسفر قاصد: سهل قريب.

ب- القصد: العدل والتوسط، ومنه قوله تعالي: “واقصد في مشيك“(لقمان؛19)، وفي الحديث الشريف: “القصدَ القصدَ تبلغوا”[5]، أي عليكم بالقصد من الأمور في القول والفعل، وهو الوسط بين الطرفين.

ج- القصد: الاعتماد وإتيان الشيء وأمره، يقال قصده يقصده قصدا وقصد له وأقصدني إليه الأمر، وهو قصدك، أي تجاهك. وقصد الشيء له وإليه قصدا، أي طلبته بعينه. والمقصد :الوجهة.

       وهذه المعاني الثلاثة لوحظت في المعنى الاصطلاحي للمقاصد، “كونها تتجه إلى مراد الشارع ومقصود الحكم، ومصالح التشريع ومراميه وأهدافه”[6].

  • المقاصد في الاصطلاح:

        في البداية وجب التنبيه إلى أن علماء الاختصاص المعاصرين قد لاحظوا أن العلماء المتقدمين لم يضعوا تعريفا للمقاصد، بقدر ما عبروا عنها بصيغ عامة لا يمكن عدّها تعريفات اصطلاحية.

        فهذا الإمام  الجويني[7]– وهو أحد المؤسسين الأوائل لهذا العلم- يعبر عن مقاصد الشريعة أحيانا بلفظ “المصالح العامة”، وأما أبو حامد الغزالي[8] فقد اعتبر المقاصد كلها بضروراتها وحاجياتها وتحسينياتها ضمن “المصالح المرسلة”، وعرف الطوفي المصلحة بقوله: “هي السبب المؤدي إلى مقصود الشارع عبادة لا عادة”[9]، وكذلك القرافي في قوله: “قاعدة: لا يعتبر الشرع من المقاصد إلا ما تعلق به غرض صحيح، محصِّل لمصلحة، أو دارئ لمفسدة”[10]، وكقول ابن الحاجب رحمه الله: “المقصود إما حصول مصلحة أو دفع مفسدة”[11]، ومثله عند شيخ الإسلام العز بن عبد السلام، والتاج السبكي[12] وغيرهم.

         ومما يلاحظ كذلك أن إمام  المقاصد، الشاطبي[13]، هو الآخر لم يتقصد إلى وضع تعريف جامع مانع للمقاصد، وقد نبه أحمد الريسوني إلى ذلك بقوله: “أما شيخ المقاصد، أبو إسحاق الشاطبي، فإنه لم يحرص على إعطاء حد وتعريف لمقاصد الشريعة، ولعله اعتبر الأمر واضحا، ويزداد وضوحا مما لا مزيد عليه بقراءة كتابه المخصص للمقاصد من “الموافقات” ولعل ما زهده  في تعريف المقاصد كونه كتب كتابه للعلماء، بل للراسخين في علوم الشريعة”[14].

        أما تعريف المقاصد عند المعاصرين ، فهي تعريفات كثيرة ومتعددة نأخذ أهما:

أ- تعريف الإمام الطاهر بن عاشور: “مقاصد الشريعة العامة هي المعاني والحِكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام التشريع”، وأشار إلى أن المقاصد تشمل كذلك “أوصاف الشريعة، وغايتها العامة، والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظاتها، ويدخل في هذا أيضا معانٍ من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها في أنواع كثيرة منها”[15]، مقررا بذلك أن المقصد العام من التشريع يتمثل في المحافظة على حفظ نظام الأمة بصلاح الإنسان.

ب- تعريف الشيخ علال الفاسي، قال: “المراد بمقاصد الشريعة؛ الغاية منها، والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها”[16]، والمقصد العام للشريعة الإسلامية، عند الفاسي، هو عمارة الأرض، وحفظ نظام التعايش فيها، واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها، وقيامهم بما كلفوا به من عدل واستقامة، ومن إصلاح في العقل وفي العمل، وإصلاح في الأرض واستنباط لخيراتها وتدبير لمنافع الجميع[17]. أما الأسرار فهي المقاصد الخاصة بكل حكم، وهي ما عرف بالمقاصد الجزئية.

ج- وأما عند الريسوني فالمقاصد هي: “الغايات التي وُضعت الشريعة لأجل تحقيقها، لمصلحة العباد”[18]. فكان معنى المقاصد عنده هو معنى الغايات.

د- واختار الدكتور نور الدين الخادمي تعريفا شاملا للمقاصد فقال: “هي المعاني الملحوظة في الأحكام الشرعية، والمترتبة عليها، سواء  أكانت تلك المعاني حِكما جزئية أم مصالح كلية أم سمات إجمالية، وهي  تتجمع ضمن هدف واحد، هو تقرير عبودية الله ومصلحة الإنسان  في الدارين”[19].

وعلى هذا اعتبر علم المقاصد بأنه علم أخلاقي، موضوعه صلاح الإنسان في الدارين، وهذا الصلاح لا يتم إلا بمقوماته الثلاثة وهي: القيم والنيات والأفعال.

ثانيا: أنواع المقاصد ومشروعيتها:

1- أنواع المقاصد وتفعيلها :

       تنقسم المقاصد باعتبار مدى شمولها لمجالات التشريع وأبوابه إلى ثلاثة أنواع:[20]

أ- المقاصد العامة: وهي التي تراعيها الشريعة وتعمل على تحقيقها في كل أبوابها التشريعية، أو في كثير منها، بحيث لا تختص ملاحظتها في نوع خاص من أحكام الشريعة، وتسمى المقاصد الكلية للشريعة.

ب- المقاصد الخاصة: وهي المقاصد التي تهدف الشريعة إلى تحقيقها في باب معين أو في مجال معين أو في أبواب قليلة متجانسة، من أبواب التشريع، وقد ذكر ابن عاشور[21] جملة من هذه المقاصد الخاصة بالأبواب، ومما ذكره: مقاصد أحكام العائلة التي تهدف إلى تحقيق مقاصد إحكام آصرة النكاح، ثم أحكام آصرة النسب والقرابة، ثم أحكام آصرة الصهر، وذكر مقاصد تصرفات المالية، ومقاصد أحكام التبرعات،  ومقاصد أحكام القضاء والشهادة ومقاصد العقوبات، وغيرها.

ج- المقاصد الجزئية: وهي ما يقصده الشارع من حكم شرعي، من إيجاب أو تحريم أو ندب أو كراهة، أو إباحة، أو شرط أو نسب.

2- مشروعية المقاصد وحجيتها:

        تعتبر مقاصد الشريعة تابعة للأدلة الشرعية المعتبرة ومتفرعة عنها ومستفادة من دلالتها، وليست مستقلة أو منفصلة عن أدلة الشرع الذي نُسبت إليه، بل هي منضبطة بقواعده وأصوله وثوابته ومواطن الإجماع فيه، والقول بحجية المقاصد يراد بها: “كون المقاصد الشرعية حُجّة دينية وقاعدة شرعية ومسلكا أصوليا واجتهاديا يعتمد عليه المجتهد في اجتهاده، وإفتائه وتأويله، ويستأنس به المتفقّه والمتعلّم والناظر في النصوص والأدلة والأحكام، (…) وليس حاصلا بمجرد الهوى العقلي أو المزاج النفسي أو الأمر الواقعي، وإنما هي مستفادة بتعاليم الوحي الكريم ومستحضرة بموجب الروابط والضوابط الشرعية الإسلامية، وبمقتضى القيود والحدود المحددة المضبوطة”[22]. وليست المقاصد الشرعية مصادر تشريع خارجية، بل هي جزء من المصادر الأساسية للتشريع الإسلامي، “والحكم الذي نأخذه بطريق المصلحة أو الاستحسان أو غير ذلك من ضروب المآخذ الاجتهادية،  يعتبر حكما شرعيا، أي خطاب من الله متعلقا بأفعال المكلفين”[23] .

       والأصل في مشروعية المقاصد هو الاستقراء، وبه عرف من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد، فإذا دَلَّ الاستقراء على هذا، وكان في مثل هذه القضية مفيدا للعلم، يقول الشاطبي: ” فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة، ومن هذه الجملة ثبت القياس والاجتهاد”[24].

       وهكذا تعتبر المقاصد من وراء النص الشرعي عمل اجتهاد ظني، ولكن “له أصول مما أقرّه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن فهم الصحابة وفعلهم”[25]. ومثال ذلك حديث صلاة العصر في بني قريظة السابق ذكره، فأغلب الصحابة فهموا المقصد من الأمر النبوي وهو الإسراع وليس عين الصلاة في بني قريضة. فهذا أصل في مسألة جواز استنباط المقصد من النص الشرعي بالظن الغالب، وإن خالف ظاهر النص الأصلي. ويفهم ذلك بقواعد الفطرة السليمة ومسلمات العقل وقوانين النظام الكوني البديع.

  • الفرع الثاني: مراتب المقاصد وأثر ذلك في فقه تنزيل الأحكام.

       أولا؛ مراتب المقاصد:

           إن المقاصد هي الغايات التي أراد الشارع تحقيقها من خلال التشريع للأحكام، وفقه التنزيل هو تطبيق الأحكام الشرعية وفق مقاصد الشارع دون الخارج عنها، لكي تكون المقاصد فاعلة ومتحققة في الواقع.

        وكل من يتكلم عن المقاصد لا بد له أن يتحدث عن مراتب هذه المقاصد، لكن الحديث عنها هنا سيكون حول أثرها في تنزيل الحكم الشرعي.

         ولكل مقصد من هذه المقاصد ثلاث مراتب: ضرورية، وحاجية، وتحسينية، وهي التي جاءت التكاليف بمراعاتها، لأنها ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق.

         ومن المعاصرين[26]، من أدمج المقاصد بمراتبها في أربع مجالات، ولكل مجال مقاصد معينة، فهناك مقاصد شرعية تخص الفرد، وأخرى تهم الأسرة والأهل، وثالثة تخص الأمة، ومقاصد شرعية أخرى تقصد الإنسانية جمعاء.

         ومن الضروري في التنزيل أن ينظر المجتهد في هذه المراتب والأنواع، للتقريب من رؤية المقصد، لأن “معرفة مقصد الشارع من الحكم الشرعي يعين على فهم النص على وجهه الصحيح، ومن ثم تساعد على حسن تنزيله على الوقائع سواء من جهة الاهتداء بفهم المقصد العام في تنزيل الحكم الكلي على الجزئيات، أو الترجيح بين ما ظاهره التعارض”[27].

          وبذلك يحصل التأكيد على أن المقاصد الضرورية هي أصل للحاجية والتحسينية، ومرتبة الأصل ليست هي مرتبة الفرع، ومعرفة هذا مهم في تنزيل الأحكام الشرعية، لأنه يضمن سلامتها وتناسقها وحفظها.

ثانيا؛ أثر المراتب في التنزيل:

         كل تنزيل للأحكام بغير مراعاة مراتب المقاصد هو طريق إلى الخطأ الكبير في تطبيق الشريعة، فكل محافظة على حاجي مقبولة إذا لم يكن هناك إساءة بضروري، ومثال ذلك من يقول أن الجهاد فيه حرج كبير للناس، والشريعة ما جاءت لتشق على العباد بل لرفع الضيق والحرج عنهم، فمراعاة المشقة وهي الحاجة من الحاجيات يؤدي في هذه الحالة إلى ضرب ضرورة كبرى وهي المحافظة على الدين كله. و دور فقه التنزيل هنا هو الحفاظ على ترتيب المقاصد، من خلال تقديم الأهم على المهم عند التعارض.

       ولذلك فالمسألة المهمة “أنه تمة رؤية خاطئة في النظر إلى هذه المقاصد، وهي رؤية تقوم على تعيين المقاصد أو المصالح بناء على المفاهيم السائدة في المجتمع، أو بناء على المفاهيم التي يحملها أهل النظر، أو المعرفة والخبرة أو القرار في المجتمع. وقد تكون هذه المفاهيم متأثرة بالأحكام الشرعية وقد لا تكون، وبهذا الاعتبار تكون هذه المقاصدُ مصالحا وتُعد شرعية، فينبني التشريع عليها، ويُعد المؤدي إليها والخادم لها شرعيا، والهادم لها مفسدة وممنوعا أو محرما. وقد نقض الشاطبي هذا الفهم مرارا و تكرارا في موافقاته، ومع ذلك فهناك من يقول به وينسبه إلى الشرع وإلى الشاطبي”[28]

       وكثيرة هي المبررات التي تدعو إلى تنزيل الأحكام وفق المقاصد الشرعية، وكذلك الدواعي التي دعت لأهمية التطبيق المقاصدي[29]، ومنها:

  • طبيعة النصوص والأدلة والآثار المنطوية على مقاصدها ومصالحها جلبا، ومفاسدها وأضرارها درءا.

    –  طبيعة الحوادث والمستجدات الكونية والإنسانية التي تقتضي المعالجة الشرعية لها وفق المنظور المقاصدي.

    – قلة النصوص الجزئية في مقابل الكليات، والمقاصد التي تفرض حفظها ومراعاتها، والشرعية بمجموعها كلية لا جزئية .

       ومن تم فإن تطبيق المقاصد في حياة الناس أمر لابد منه ولا محيد عنه، حتى يصلح الخلق وتستقيم الحوادث وتتحقق الأحكام وفق التعاليم الشرعية والقيم الدينية.

  • الفرع الثالث: مراحل تنزيل المقاصد وفوائده.

  1- مراحل تنزيل المقاصد؛

       لكي تقوم المقاصد بوظائفها الأساسية وتحقق النتائج المرجوة منها لا بد أن يمر تنزيلها بعدة مراحل؛ وهي على التوالي وباختصار:

  • فهم المقصد الجزئي أو علة الحكم، والعمل على تحديده وفق طرق إثبات المقاصد المقررة.
  • النظر في تعدية المقصد الجزئي، “لأن التعدي مع الجهل بالعلة، تحكم من غير دليل”[30].
  • فهم المقصد الكلي وتحديده من خلال عملية الاستقراء أو التقرير أو غير ذلك.
  • النظر في مستجدات الوقائع والحوادث، والعمل على إدراجها ضمن تلك المقاصد الكلية وفق ما يعرف بالاستصلاح المرسل أو الاستحسان،”وقد عُبر عن هذا بتعبيرات كثيرة منها القياس الكلي، والمصلحي، والواسع، وقياس المصالح المرسلة، والمقاصد العالية”[31].

       فكل حكم يخالف قصد الشارع يعد باطلا في التنزيل، لأنه ليس مرادا للشارع من تشريع الحكم، وبتعبير الشاطبي: “كل قصد يخالف قصد الشارع باطل”[32].

2- وظائف مقاصد الشريعة:

     وملخص ما عرضته المؤلفات المعتمدة في هذا العلم نبينه على الشكل التالي :

-التقليل من الخلاف:  إن مقاصد الشريعة – كما يعبر عن ذلك ابن عاشور[33]– تعد نبراسا للمتفقهين في الدين، ومرجع بينهم عند اختلاف الأنظار وتبدل الأعصار، وهي توسل إلى إقلال الاختلاف بين فقهاء الأمصار، كما أنها دربة لأتباعهم على الإنصاف في ترجيح الأقوال بعضها على بعض عند تطاير شرر الخلاف. فالغاية من مقاصد الشريعة هي أن تكون أداة يمتلكها الفقهاء حتى يحسنوا التعامل مع الاختلاف وقضاياه في كل مصر وفي كل عصر.

-صلاحية الشريعة: بيان صلاحيتها في كل زمان ومكان وتفوقها على القوانين الوضعية، وهي الغاية التي أراد علال الفاسي[34] تحقيقها من خلال تأليف كتابه في المقاصد.

-المقاصد أداة اجتهاد: التمكن من مقاصد الشريعة شرط أساسي في الاجتهاد المقاصدي؛ فإنما تحصل درجة الاجتهاد لمن “فهم مقاصد الشريعة على كمالها، وتمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها”[35].

-المقاصد منهج فكر ونظر: إن العقل المقاصدي قد حقق التحول من “عقلية التلقين والتلقي إلى عقلية التفكير والاستنتاج والاستدلال والاستقراء والتحليل والنقد والموازنة والاستشراف المستقبلي[36]“. كما أن المقاصد توفر للفكر نظرة شمولية متكاملة متناسقة “ينطلق منها ويهتدي بها في قضاياه واجتهاداته واختياراته”[37].

3- مقاصد المقاصد:

         إن مقاصد المقاصد[38] في هذا الباب تكمن في معرفة المقاصد الأساسية والكبرى من أحكام القرآن الكريم، باعتبارها المدخل السليم إلى فهم الرسالة القرآنية الإسلامية على وجهها الصحيح، بلا زيادة ولا نقصان، ولا إفراط ولا تفريط. وإنما هي ما نصّ عليه القرآن، وما نزل لأجله القرآن، وما استُخلص من جُملة من معانيه وأحكامه.

        ومقاصد القرآن هي الميزان والمعيار الذي يجب أن نزن به أعمالنا الفردية، والجماعية، وحياتنا الخاصة والعامة. ومقاصد السنة في عمومها هي نفسها مقاصد القرآن، فلا نستطيع أن نتحدث عن مقاصد للسنة غير تلك التي ذُكرت في مقاصد القرآن.

        جاءت مقاصد العبادات لتنقية القلوب وترقيتها، فهي رحمة من الله عز وجل للعباد، وهكذا كل التكاليف الشرعية فهي تشريف للخلق وليست تكليفا. ومقصد الطهارة تدريب للنفس البشرية على مكارم الأخلاق. وحكمة الزكاة ومقصدها تطهير للأغنياء من داء البخل، وتوسيع على الفقراء وإرفاق بهم. ونفس الشيء يقال عن الصيام؛ فحكمته كسر النفس وحبسها عن الشهوات. وعن مقاصد الحج ومناسكه؛ نتعلم معنى التجرد لله تعالى وحده، والصبر على مفارقات العادات وكل المحبوبات للنفس. والتوحيد حفظ للنظام وصيانة للحقوق ودفع للضرر العام.

       والخلاصة هي أن معرفة مقاصد الشريعة تكون في ضوء القرآن والسنة وبمعونة العقل والفطرة. وإن اختلاف التوجهات وتباين وجهة النظر في فهم المقاصد، وتحليل الوقائع، أمر حاصل. ويمكن تعدد الأحكام والقرارات والفتاوى في بعض المسائل الجديدة في العالم الإسلامي، وهذا ليس بمشكل، بل يجب على الجميع المساهمة في دراسة ومعرفة مقاصد الشريعة، وتحليل القضايا الجديدة، على ضوء التجارب والحجج والبراهين. كما ينبغي للمسلمين أن يساهموا مساهمة فعالة، في حل القضايا العالمية المشتركة وفي ضوء مقاصد الشريعة والحياة المعاصرة. لأن الدعوة إلى الله والشهادة على الناس تحتاج إلى أسلوب مقاصدي جذاب يستهوي قلوب عامة الناس وأذهانهم إلى الإسلام، دين الرحمة والمحبة والإحسان والشورى والعدل.

المطلب الثاني: فقه الوسائل وأثره في تنزيل الأحكام وتحقيق المقاصد.

        من المهم هنا أن نفرق بين المقاصد الثابتة والوسائل المتغيرة، فنكون مع المقاصد في صلابة وثبات، وفي الوسائل في ليونة ومرونة، وكما هو معلوم فأحكام الشريعة في مجموعها معللة، وباستقراء نصوصها نستنبط مقاصد يهدف المشرع إلى تحقيقها. يقول الشيخ القرضاوي: “ومن حسن الفقه في الدين أن ندرك مقصود الشرع من التكليف، حتى نعمل على تحقيقه، وحتى لا نشدد على أنفسنا وعلى الناس فيما لا يتصل بمقاصد الشرع وأهدافه”[39].

        إن منهجية تبين مقاصد الأحكام عند التنزيل تعتمد أساسا على دراسة الواقع وتحليله وفقه ملابساته وحيثياته لأن “تلك الحكمة لا توجد إلا ثانيا عن وقوع السبب، أي بعد تنزيل الحكم على الواقعة، فنحن قبل وقوع السبب جاهلون بوقوعها أو عدم وقوعها”[40].

         وعليه فمطلب وسائل المقاصد يحظى بنفس الأهمية التي حظي بها مطلب فقه المقاصد ذاته، وذلك لتوقف تلك المقاصد على وسائلها الموضوعة لها، وجودا وعدما.

فما معنى الوسائل؟ وما خصائصها وأنواعها؟

وما أثر ذلك على فقه تنزيل الأحكام على الوقائع؟

وما علاقة فقه الوسائل بالمقاصد؟

 

  • الفرع الأول: الوسائل؛ المفهوم والخصائص والأنواع.

      • أولا: تعريف الوسائل.

1- الوسائل لغة:

        الوسائل جمع وسيلة، ومدار معانيها في المعاجم اللغوية[41] هو: ما يُتوصّل به إلى الشيء ويتقرب به، وقد تدل في تصاريف اللسان العربيّ على: الرغبة والدرجة والمنزلة والقرابة.

        وتعبر بعض الدراسات المعاصرة[42] على الوسيلة بمعنى الذريعة إلى الشيء مطلقا، وهذا ما أشار إليه البرهاني بعد أن ذكر عددا من التعاريف فقال: “بناء على ما تقدم نستطيع أن نوجز معنى الذريعة في كل ما يتخذ وسيلة إلى غيره”[43].

  • الوسائل اصطلاحا:

         ويصطلح الأصوليون[44] على الوسيلة بالطرق المفضية إلى المقاصد التي هي المصالح أو المفاسد، وهذا التعريف يتحدث عن الوسائل في الاصطلاح العام ليشمل؛ “الطرق المؤدية إلى المصالح كالأسباب والشروط الشرعية. والطرق المؤدية إلى المفاسد كالحيل الباطلة والذرائع المؤدية إلى الحرام”[45].

         أما في الاصطلاح الخاص فقد عرفها الطاهر ابن عاشور بقوله: “هي الأحكام التي شرعت لأن بها تحصيل أحكام أخرى، فهي غير مقصودة لذاتها، بل لتحصيل غيرها على الوجه المطلوب الأكمل، إذ بدونها قد لا يحصل المقصد، أو يحصل مُعرضا للاختلال والانحلال”[46]. وباعتبار الوسائل هي المسالك المفضية إلى تحقيق المصالح الشرعية، فإنها تمتد بمفهومها الخاص حتى تشمل كل ما يتوصل به إلى المقاصد سواء كانت الوسائل شرعية أو غير شرعية، وسواء كانت تلك المقاصد شرعية أم غير شرعية.

      • ثانيا: خصائص الوسائل.

      تتميز الوسائل عن المقاصد بخصائص تساعد المجتهد عند تنزيل الأحكام الشرعية والعمل على تحصيل غاياتها، على التمييز بين ما هو من قبيل الوسائل وما هو مقاصد في ذاته، وهذه الخصائص هي:

1- نسبة الوسائل من حيث كونها بوصفها وسيلة من جهة ومقصد من جهة أخرى:

        لذلك ينبغي عند الاجتهاد التفريق بين الوسائل والمقصد، فبعض الوسائل تعد وسيلة من جانب ومقصدا من جانب آخر، فهذا الصنف لا يجوز إدخاله ضمن الوسائل التي تخضع للتغيير، يقول في ذلك الشاطبي: “والأعمال قد يكون بعضها وسيلة إلى البعض، وإن صحّ أن تكون مقصودة في نفسها”[47]،  وذلك كالحفاظ على المال فهو وسيلة إلى الحفاظ على الكليات الأخرى، وهو مقصد يتوسل إليه بالعمل والاستثمار بشتى الطرق المشروعة. وقد تثبت الوسائل شرعا مع انتفاء المقاصد، “كجرِّ الموس في الحج على رأس من لا شعر له”[48]، عند التحليل من الإحرام.

2-إن بطلان الوسيلة لا يلتزم منه بطلان المقصد، واعتبار الوسيلة مشروط بعدم عودها على المقصد بالإبطال:

ومثال الأول في قول الشاطبي: “لو ارتفع اعتبار المماثلة في القصاص لم يبطل أصل القصاص، وأقرب الحقائق إليه الصفة مع الموصوف، فكما أن الصفة لا يلزم من بطلانها بطلان الموصوف، كذلك ما نحن فيه، اللهم إلا أن تكون الصفة ذاتية بحيث صارت جزءا من ماهية الموصوف، فهي إذ ذاك ركن من أركان الماهية، وقاعدة من قواعد ذلك الأصل، وينخرم الأصل بانخرام شيء من قواعده”[49].

ومثال الثاني: أن المصلي إذ لم يجد ساترًا صلى على حالته، وسقط عنه ستر العورة، وذلك أن “كل تكملة يفضي اعتبارها إلى رفض أصلها فلا يصح اعتبارها”[50].

        وبناء عليه فإن الوسائل تسقط بسقوط مقاصدها لِكون “سقوط اعتبار المقصود يوجب سقوط اعتبار الوسيلة”[51]، إذ هي بالنسبة للأصل كالصفة مع الموصوف، ولا بقاء للصفة مع ارتفاع الموصوف.

3 – الوسائل دون مقاصد رتبة:

       ويشهد لهذا قول العلماء بأن “مراعاة المقاصد مقدمة على رعاية الوسائل أبدا”[52]، ولذلك حصل التساهل في حكم الوسائل دون المقاصد، وصاغ العلماء قاعدة فقهية بحيث “يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد”[53]، وقد ذكر السيوطي تطبيقات لهذه القاعدة، منها قوله: “ومن ثم جزم بمنع توقيت الضمان وجرى في الكفالة خلاف، لأن الضمان التزام للمقصود، وهو المال، والكفالة التزام للوسيلة،(…) قال: وكذلك لم تختلف الأمة في إيجاب النية للصلاة، واختلفوا في الوضوء”[54].

       ومن القواعد المهمة في موضوعنا خصوصا ما يتعلق في حكم الوسائل، وتغيرها من زمن لآخر، قاعدة: “حصول المقصود بإحدى الوسائل مُسقط لاعتبار التعين فيها”[55]، فالمراد هو تحصيل المقصود، وتحقيق مصلحته، وكل تلك الوسائل تشترك في هذا المعني، وتؤدي إليه. فقد ثبت عن رافع بن خديج أنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الذبح بالقصب، فقال له: “ما أنهر الدم وذكر إسم الله عليه فكُلْ”[56]، فأخبره الرسول صلى الله عليه وسلم أن كل وسيلة يحصل بها المقصود، وهو “إنهار الدم يصح الذبح به إلا ما وجد فيه مانع شرعي”[57].

        بالإضافة إلى هذه الخصائص، فإن الوسيلة تمتاز بعدة مميزات[58]؛ فهي ضرورية، فكلما كان المقصد ضروريا كانت الوسائل المحققة له ضرورية. وهي تابعة للمقصد ولا تتقدم عليه، وهي غير مطلوبة لذاتها. كما أنها تمتاز بالتدرج في المراتب؛ بمعنى تدرج الوسائل مع المقاصد في المراتب. والوسائل لا تقع في درجة واحدة من حيث الأفضلية، وتفاضل الوسائل مرتبط بتفاضل المقاصد، وقوة الأداء إليها . ومن الوسائل ما هو ثابت، ولا يدخله التغيير بتغير الزمان والمكان والأحوال والعوائد، ويجمع هذا القسم الوسائل التي تم النص عليها، من أسباب وشروط وانتفاء وموانع، وكثير من الوسائل الأخرى خاضعة للتغير والتبدل بتغير الزمان والمكان والظروف والعوائد وغيرها، وخاصة مع التطور العلمي والتكنولوجي الحديث، فصار اعتبار الوسائل توفيقية إلا ما نص الشارع عليها.

      • ثالثا؛ أنواع الوسائل:

              وهي إما ثابتة أو متغيرة؛

1 – الوسائل الثابتة: وهي “الوسائل التي لا تخضع للتغير بسبب ظروف الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، ولا يدخلها الاجتهاد، وإنما تحقق المقاصد لا يكون إلا بهذه الوسائل، وغالبا ما تكون موقوفة فتكون منصوصا عليها في القرآن أو في السنة، و المصلحة في الالتزام بهذه الوسائل ثابتة، وتفضي يقينا إلى المقصد المرجو”[59]، بحيث إذا اختلت هذه الوسائل يختل معها المقصد، وهذا النوع من الوسائل كثيرا ما يتضمنه خطاب الشارع وتعاليمه. ويتناول هذا القسم “الأحكام الوضعية من أسباب وشروط وانتفاء موانع، في مختلف العبادات، وأصول الفضائل والمعاملات، وقواعد ومسائل الاعتقاد، وغير ذلك من الأمور التي جعلها الشارع وسائل لتوصيل تحصيلها”[60].

        ومثال ذلك نجد الشارع اشترط الطهارة، والنية، وستر العورة، واستقبال القبلة، وجملة من الأفعال والأقوال التي تصح بها الصلاة. ونجد كذلك اشتراط النصاب، وحولان الحول وانتفاء الديون، وغيرها، اعتبرت وسائل شرعية إلى تحقيق مقاصد الزكاة.  والأمثلة الشبيهة بهذا كثيرة ومتنوعة.

2– الوسائل المتغيرة: وهي الوسائل التي تتغير بتغير الحال والظروف، والتي تثبت صلاحيتها لمقاصدها عن طريق الاجتهاد، ويتضمن هذا النوع كل الوسائل الاجتهادية التي لم يرد فيها نص، وذلك في مختلف مجالات الشريعة الظنية وهي “الطرق غير الثابتة والتي تتعين طرقا إلى مقاصدها بطرق الاجتهاد المضبوط حسب تغيرات الأوضاع، وطروء المستجدات، وطبيعة النصوص، وملكة الفقيه والأحوال، بحيث يكون دور المجتهد ممثلا في تحديد الوسائل إلى المقاصد، أو في تحديد أحسن الوسائل إذا تعددت وتداخلت وتعينت جميعها طرقا إلى مقصد واحد أو مقاصد كثيرة”[61].

        وإن من أسباب الخلط والتخبط في فهم السنة، “أن بعض الناس خلطوا بين المقاصد والأهداف الثابتة التي تسعى السنة إلى تحقيقها، وبين الوسائل الآنية والبيئية التي تعينها أحيانا للوصول إلى الهدف المنشود”[62]. وحينما يقع الخلل في الفهم يحصل الخلل في التنفيذ.

        بذلك تكون الوسائل الاجتهادية  مساحة واسعة لإعمال العقل وموطنا رحبا لإمعان النظر، وسلك أنجع الطرق وأقربها، وأحسن منهجية لتحصيل المصالح والمنافع، وتجنب المفاسد والمضار، وفق مراد الشارع الحكيم ومقصوده.

           وفي الأخير وجب التنبيه إلى أن من الوسائل ما هو توقيفي ولا اجتهاد فيه، ومنها ما هو اجتهادي يختلف باختلاف الظروف والأحوال والمقاصد.

  • الفرع الثاني: أثر الوسائل في تنزيل الأحكام علي الواقع.

1- إن فقه تنزيل الأحكام لابد له من النظر في الوسائل المحققة  لهذه الأحكام ليصلح تطبيقها، ويتعلق ذلك بالسنة النبوية والقرآن الكريم على السواء، ولا يعني ذلك أن نقف عندها، “ولا نفكر في غيرها من الوسائل المتطورة بتطور الزمان والمكان، ألم يقل القرآن: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل“(الأنفال؛60)، ومع هذا لم يفهم أحد أن المرابطة في وجه الأعداء لا تكون إلا بالخيل التي نص القرآن عليها، بل فهم كل من له عقل يعرف اللغة والشرع؛  أن خيل العصر هي الدبابات والمدرعات ونحوها من أسلحة العصر”[63].

         فالوسائل والصيغ التنظيمية، التي اتبعت في الزمن الأول للإسلام من أجل تنظيم الشورى واختيار رئيس الدولة، إنما هي “إجراءات وسيلية صرفة مقصودها إقامة شورى حقيقية تجمع أفضل أهل العلم والرأي وأكفأ أهل الحل والعقد وأكثر الناس ثقة ومصداقية لدى عموم الأمة”[64]. ولاشك أن ما جرى به العمل يومئذ كان ملائما وصالحا لزمانه، أما إذا جئنا إلى تدابير الشأن العام في زماننا، فلا شك في أن الأخذ بوسائل العصر، وإقرار أحكامها وإحلالها محل ما جرى به العمل في الصدر الأول، “عمل مشروع وتغيير غير ممنوع، لأن ما غيرناه لم يكن تعبدا، ولم يكن مقصودا  وليس هو مصلحة في ذاته، إنما مصلحته فيما يفضي إليه”[65].

2- وقد ذكر الأصوليون وعلماء المقاصد أن من الوسائل ما هو مباشر للمقصد، ومنها ما هو وسيلة لوسيلة أو هو حلقة في سلسلة من الوسائل المتصلة، فهما قسمان؛ أحدهما: “وسيلة إلى ما هو مقصود في نفسه، كتعريف التوحيد وصفات الإله سبحانه، فإن معرفة ذلك من أفضل المقاصد، والتوسل إليه من أفضل الوسائل. أما الثاني: فهو وسيلة إلى وسيلة، كتعليم أحكام الشرع، فإنه وسيلة  إلى إقامة الطاعات التي هي وسائل المثوبة  والرضوان، وكلاهما من أفضل المقاصد”[66].

        لذلك وجب النظر عند الاجتهاد في تنزيل الأحكام على الواقع إلى الفرق بين الوسيلة والمقصد، فبعض الوسائل تعد وسيلة من جانب ومقصدا من جانب آخر، فهذا الصنف لا يجوز إدخاله ضمن الوسائل التي تخضع للتغيير. كما يمكن القول بنسبية الوسائل وندرة الوسائل المحضة، ذلك من أجل تحقيق تنمية في حياة المسلم على مستوى النية والقصد، “مما يجعل من نياتنا وتطلعاتنا مشبعة بالوعي وبالخير المتصل في طلب الرزق وتربية الأبناء هذا من جهة، ومن جهة أخرى على مستوى التخطيط،  مما يرسخ التفكير السبـبي في عقلية المسلم والأخذ بالأسباب المفضية إلى أفضل وأحسن الأهداف”[67].

3-ولكي تكون الوسيلة معتبرة والتواب عليها عظيما لابد أن تكون قوية في الأداء والمصلحة؛ فكما قويت الوسيلة في الأداء إلى المصلحة كان أجرها أعظم من أجر ما نقص عنها، “فتبليغ رسالات الله من أفضل الوسائل لأدائه إلى جلب كل صلاح دعت إليه الرسل، وإلى درء كل فاسد زجرت عنه الرسل،  والإنذار وسيلة إلى درء مفاسد الكفر والعصيان،  والتبشير وسيلة إلى جلب مصالح الطاعة والإيمان”[68].

       وكل وسيلة مندوبة أو مباحة إذا كانت تفضي إلى محرم عند التنزيل يسقط اعتبارها،  ومثلها إذا كانت المفسدة الناجمة عن الوسيلة – عند تنزيل الحكم- من المصلحة المرجوة من المقصد فهي باطلة.

        واعتبار الوسائل في التنزيل قائم على اعتبار المآل،  فالوسيلة تأخذ حكم مآلها، فإذا تغير المآل بأن كان مصلحة،  ثم لسبب من الأسباب أصبح مفسدة،  فالوسيلة يتغير حكمها تبعا لهذا المآل، فلا يتم الوقوف عند ظواهر الأفعال،  بل لابد من النظر إلى ما يؤول إليه.

       ولذلك يشترط[69]في الوسيلة التي تفضي إلى المصلحة؛ اندراجها في مقاصد الشرع، بحيث تكون مصلحة، لأنه لا يجوز التوسل بما هو مفسدة لتحقيق مقصد شرعي، إلا في حالة الضرورة التي تقدر بقدرها. وأن لا تكون هذه الوسيلة معارضة لنص من نصوص القرآن أو السنة، (القطعي الثبوت والدلالة ). وعدم تفويتها مصلحة أرجح منها، ولذلك وجب تقديم الوسيلة الراجحة عن المرجوحة لتحقيق المقصد.

  • الفرع الثالث: الفرق بين المقاصد والوسائل عند تنزيل الأحكام.

1-المقاصد والوسائل هي موارد الأحكام؛ فإذا كانت المقاصد هي المصالح المجتلبة والمفاسد المبتعدة،  فإن الوسائل هي الأمور التي تسبق المقاصد وتوصل إليها، أو هي “الطرق المفضية إليها بحسب وضع الشرع واجتهاد العقل”[70]. وتشمل الوسائل الأحكام الشرعية: التكليف، الأسباب، الشروط، الموانع، الرخص، والذرائع المختلفة، وصيغ العقود، والمعاملات، والأسماء والألفاظ الدالة على معانيها ومسمياتها، وغير ذلك.

         وتُجعل الوسيلة، أحيانا، مقصدا وهذا مما يجعل التنزيل متعثرا في الواقع، ومن أسباب الخلط والزلل في التنزيل، “فتراهم يركزون كل التركيز على هذه الوسائل، كأنها مقصودة لذاتها، مع أن الذي يتعمق في فهم الشريعة وأسرارها، يتبين له أن المهم هو الهدف، وهو الثابت الدائم، والوسائل قد تتغير بتغير البيئة، أو العصر، أو العرف، أو غير ذلك من المؤثرات”[71].

          وهذا الضابط في التنزيل هو الذي يحافظ على أصالة الشريعة وتطبيقها تطبيقا صحيحا، فإنه إذا وقع العكس وجعلت الوسيلة مكان المقصد أدى ذلك إلى قلب الشريعة. ومثال ذلك؛ اعتبار الجهاد وسيلة لإقامة الدين، وكذلك الأسرى وفدائهم؛ فهي وسيلة لتحقيق مقصد مصلحة الأمة، واعتبار الحدود وسيلة للحفاظ على مقاصد الدين. أما الإيمان فهو مقصد شرعي ووسائله متغيرة، واختيار الأمة للإمام مقصد؛ والوسيلة إلى ذلك يقدرها الاجتهاد الجماعي حسب كل زمان وحاله. و كذلك العدل فهو مقصد، ووسائله مختلفة، وهكذا؛ فإذا اعتبرت الوسيلة مقصدا اختل ميزان الشرع.

2- الأمثلة الفقهية التطبيقية؛ لكي يتضح الفرق بين الوسائل والمقاصد في تنزيل الأحكام ونستطيع التمييز بينهما في الواقع؛ نسوق بعض الأمثلة التطبيقة التي تدل على ذلك:

أ-   السواك بين الوسيلة والمقصد: عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك”[72]،  فالمقصود من السواك في الحديث هو الطهر والنظافة، ويؤيد هذا ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “السواك مطهرة للفم مرضاه للرب”[73].  فإذا كان السواك كذلك، فهو إذن وسيلة إلى مقصد التنظيف وإزالة الروائح الكريهة في الفم، وبهذا الفهم قال الإمام النووي: “ويحصل السواك بخرقة، وكل خشن مزيل”[74]، ومعنى يحصل السواك، أي تحصل السنة في الاستعمال، لأن القصد النظافة، والسواك وغيره وسيلة إلى ذلك، وهذه الوسيلة تتغير وتتطور حسب حال المجتمعات، يقول القرضاوي: “ولا بأس أن تتغير هذه الوسيلة في مجتمعات أخرى، لا يتيسر لها العود، إلى وسيلة يمكن تصنيعها بوفرة تكفي مئات الملايين من الناس، مثل الفرشاة”[75].

 فإذا استعمل الفرشاة مكان العود في بيته، وأزال بذلك الروائح والفضلات يكون قد طبق السنة بمقاصدها.

ب-  نتف الإبط بين الوسيلة والمقصد:  أمر الرسول صلى الله عليه وسلم[76] بنتف الإبط، لأن ذلك من الفطرة أصلا، ولأن إزالة الشعر من أجل نظافة المكان وتلافيا لأسباب التلوث هو المقصود الشرعي من العملية وليس عملية النتف لذاتها التي تعتبر مجرد وسيلة لذلك، يقول الريسوني: “فإذا وجدت وسيلة جديدة، أيسر وأكثر تحقيقا للمقصود، فلا شك في مشروعيتها وأفضليتها”[77].

ج-  وذكر ابن القيم مجموعة من الأمثلة المتعلقة بالوسائل وجواز استحداث وسيلة تقوم بالمقصود، من ذلك حديث ولوغ الكلب في الإناء[78]، وكيفية تطهيره، يقول: “فإن النصّ على التراب، لأنه أفضل الموجود لهذه الغاية في عصر النبي، والنص عليها ليس لذاتها، فتغني عنه الأشنان والصابون، وكاستعمال الحجارة في الاستجمار، فذلك لنفس السياق، فيغني عنه الورق والخرق وذلك أحسن”[79].

        وهكذا فإن تجديد فقه المقاصد والتنزيل على أحكامه وربط الفروع والمستجدات بمقصودها الشرعي، يعتبر وسيلة ضرورية ومشعل منير يضيء درب العالم والمجتهد والمثقف الديني في زماننا، لأن هذا الذي يمكنهم من معرفة أحوال زمانهم وخصائص بلدانهم وتطوراتها، ويسهموا في مواكبتها بقدر الإمكان، فمهمة هؤلاء المجددين مهمة عسيرة ، خاصة في واقع اختلط فيه الحق بالباطل وعمت الفتنة .

         ختاما نقول؛ إن الوعي بمقاصد الشريعة ينتج عنه جوا حواريا، يتيح لنا المجال لبناء وتجديد نظام القيم الإسلامية في شكل متكامل ومتناسق، لا يفصل بين الدنيا والآخرة  ولا يميز بين الذات والمجتمع. وإن هذا الوعي عند المسلم يعتبر خطوة مهمة نحو المواكبة لتطورات العصر و وسائله المتجددة والمتنوعة. وإن الواجب على كل مسلم في عصر الانهزام والانحطاط؛ النهوض الجاد والمغالبة بالرفق والمدافعة بالحسنى لتمكين حكم الله عز وجل من التنزيل والتطبيق في أرض الواقع.

المطلب الثالث: مقاصد فقه تنزيل الأحكام.

         إن مقاصد فقه التنزيل أولا وأخيرا إنما هي مقاصد القرآن الكريم، وبالتبع لها وضمنها مقاصد السنة النبوية، يقول الإمام الشاطبي: “ولما بدا من مكنون السر ما بدا، ووفق الله الكريم لما شاء منه وهدى، لم أزل أقيد من أوابده وأضم من شوارده تفاصل وجملا، وأسوق من شواهده في مصادر الحكم وموارده مبينا ومجملا، معتمدا على الاستقراءات الكلية، غير مقتصر على الأدلة الجزئية، ومبينا أصولها النقلية بأطراف من القضايا العقلية، حسبما أعطته الاستطاعة والمنة، في بيان مقاصد الكتاب والسنة”[80] .

         ومقاصد الشريعة مبتداها الكتاب والسنة، ومنتهاها الكتاب والسنة. و”من لا يعول على النصوص الشرعية، منفردة ومجتمعة، ولا يدمن النظر والتنقيب في معانيها ومراميها متحدة متضافرة، ولا يستخرجون مقاصد الشريعة من خلالها، هؤلاء لا يمكن اعتبارهم من أهل المقاصد ولا من أصحاب التوجه المقاصدي في فقه الشريعة، فمقاصد الشريعة لا مصدر لها سوى نصوص الشريعة”[81] .

         وقبل التطرق إلى مقاصد فقه التنزيل، نتحدث بداية عن بعض الضوابط لهذه المقاصد وإعمالها في الاجتهاد التنزيلي.

  • الفرع الأول: إعمال المقاصد في الاجتهاد التنزيلي.

         وجملة هذه الضوابط قد تتبعها وحررها ومثل لها الشيخ عبد الله بن بيه في عدد كبير من بحوثه ومؤلفاته، ولعل أجمعها وأوعاها ما ذكره في كتابه “مشاهد من المقاصد”[82] حيث أوصلها إلى ثمانية ضوابط، يمكن تلخيصها في الآتي:

1- الضابط الأول: التحقق من المقصد الأصلي الذي من أجله شرع الحكم؛ لأنه بدون التحقق من المقصد الأصلي لا يمكن أن يعلل به، إذ يمكن أن ينصرف إلى التعبد مباشرة، لأن الأصل في المصلحة تعبدي، والشارع هو الذي حددها، وهي مسألة مختلفة فيها، قال الجويني: “ما لا يعقل معناه على التثبت لا يُحكم المعنى به”[83].

2-  الضابط الثاني: أن يكون ذلك المقصد وصفا وجوديا منضبطا؛ لأنه إذا لم يكن كذلك فلا يمكن التعليل به، فالغرر مثلا يورث البغضاء، والبغضاء صفة نفسية، فهو من باب الحكمة[84] التي قد نلجأ إليها للتعليل بها على خلاف، وذلك عند تعذر الانضباط في الوصف.

3-  الضابط الثالث: أن نحدد مرتبة المقصد في سلم المقاصد، هل هو في مرتبة الحاجي أو التحسيني؛ لأن التعامل معها ليس على وثيرة واحدة، وهل هو مقصد أصلي أو تبعي. والمقصود الأصلي هو المقصود بالأمر أو النهي ابتداء، والتبعي في الغالب قد يكون وسيلة، وقد يكون حماية للأصلي وسياجا له، كمنع البيع وقت النداء سدا لذريعة التشاغل عن الجمعة. وقد يكون تابعا باعتبار علية المقصد الأول واهتمام الشارع به، كالتناسل بالنسبة للنكاح، مع ما يلحق به من المودة والسكن، والإحصان والاستعفاف، والتمتع بمال الزوجة، والاعتزاز بحسبها والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية، فهذه مقاصد تابعة.

4-  الضابط الرابع: النظر في النصوص الجزئية المؤسسة للحكم؛ لأنه من خلالها يمكن ضبط التصرف في ضوء تأكيد الشارع على الحكم أو عدمه للتعرف على المقصد ومكانته وضبط التعامل معه إلغاء أو إثباتا لما يعارضه من الضروريات أو الحاجيات.

5- الضابط الخامس: النظر هل المقصد المعلل به منصوص أو مستنبط، ففي الحالة الأولى يرتفع الحكم بزواله، وفي الثانية لا يرتفع، لكنه يمكن أن يخصص كالثمنية بالنسبة  للنقدين.

6-  الضابط السادس: النظر في المآل الذي يفضي إليه إعمال المقصد.

7- الضابط السابع: اعتبار الجزئي بالكلي، والكلي بالجزئي.

8- الضابط الثامن: ألا يكون المقصد معارضا بمقصد أولي منه بالاعتبار، تبعا لما ورد فيه الضابط الثالث. وزاد بعض أهل العلم[85] ضابطين آخرين لإتمام العشرة:

9- الضابط التاسع: ألا يكون المقصد خلاف النص أو الإجتماع أو القياس الكلي السالم من المعارض.

10- الضابط العاشر: أن يكون المتصدي لإعمال المقاصد من أهل الارتباط على أصول الاجتهاد ومعاني الشريعة.

          وبذلك يكون إعمال المقاصد في الاجتهاد مهم لكل مهتم وباحث ومنشغل بعلوم الدين والفقه الإسلامي، فلا يمكن أن يستغني عنها مفسر ولا فقيه ولا محدث، خاصة من يريد تنزيل الأحكام الشرعية وتطبيقها على الواقع، لأن إعمال المقاصد هو المعيار لمعرفة صحيح الاجتهاد التنزيلي من ضعيفه، وهو عمدة المجتهد في المسائل والنوازل المستجدة وضابط  لمراحل الفتوى والحكم.

  • الفرع الثاني: مقاصد تنزيل الأحكام على الوقائع.

      • أولا: مقاصد التنزيل على سبيل الإجمال.

          إن أهم مقاصد الإسلام عموما، عمارة الأرض[86]، والقيام على المهمة التي كلف الله عز وجل بها الإنسان، من نشر التوحيد وإقامة العدل والإنصاف بين أبناء البشرية جمعاء، وهذا لا يكون إلا بالتمكين لهذه الأمة في الأرض وسيادة حكمها على الواقع.

        ومن مقاصد الإسلام كذلك الوحدة الإسلامية، بل إن الإسلام ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو الوحدة الإنسانية[87]، قال تعالى: “إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون“(الأنبياء؛92)، وهذا لا يتحقق إلا بتكوين الدولة الإسلامية التي تتحدث باسم المسلمين وتمثل قوة الإسلام وعدله. وقد ذكر ابن خلدون[88] أن من وظيفة الدولة الإسلامية هي الحفاظ على مقاصد الشريعة وذلك بحماية الدين ورعاية مصالح العباد.

         ويمثل فقه التنزيل في ضوء الفهم لمقاصد الشريعة؛ الطريق الأمثل للتعامل مع فقه المقاصد وفقه الواقع، وللموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة، حيث إن مقاصد الشريعة تمثل المرتكز الأهم لفقه التنزيل. وهذا الأخير يلعب “دورا هاما في بيان سر مقاصد الشريعة، وذلك بمراعاتها لمصالح العباد ولأعراف الناس، ما لم يعارضها معارض”[89].

         ومجالات الاجتهاد التنزيلي المقاصدي توجد في الظنيات[90]، وهي المجالات التي تتغير أحكامها وفروعها بتغير الأزمان والأحوال والواقع مع مراعاة تحقيق مصالح العباد وفق الضوابط الشرعية، وتلك المجالات يوجد مداها[91]، ونلمس أثرها من عدة نواحي نجملها في التالي:

أ-   مدى استعمال المقاصد في الوسائل الخادمة للعقيدة؛ ويتمثل ذلك في الكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة، والقول البليغ والحجة الدافعة، والحوار، وكذا استعمال وسائل الاتصال والإعلام المعاصرة.

ب- مدى استعمال المقاصد في الوسائل الخادمة للعبادات؛ وهي التي تساعد على قيام العبادات والمحافظة عليها وضمان وقوعها وتعاظمها وتكاثرها، مثل استعمال مكبرات الصوت، واتخاذ طوابق في الطواف والسعي والرمي وغيرها.

ج-  مدى استعمال المقاصد في كيفيات بعض المعاملات؛ ومثال ذلك: تفاصيل الشورى والعدل وغيرهما.

د- مدى استعمال المقاصد في التصرفات السياسية؛ والتي يحددها الحكام وأولي الأمر وفق المصالح الشرعية؛ كتقوية الجيوش وإنشاء الحروب وإبرام المصالحات والمعاهدات وغيرها.

هـ – مدى استعمال المقاصد في النوازل الاضطرارية؛ كجوائز أخذ مال الغير خشية الهلاك المحقق، أو أكل الميتة للمصاب بالجوع أو شرب الخمر لمن أصيب بغصة مميتة وغير ذلك.

و- أثر استعمال المقاصد على عموم الظنيات؛ التي لا نص فيها ولا إجماع، وأمثلتها كثيرة: كالمستجدات الطبية -الاستنساخ نموذجا- والمستجدات المالية -حكم بيع العقار قبل الانجاز مثلا- والمستجدات الاجتماعية – زواج المسيار أو الزواج التجريبي الذي ظهر مؤخرا في مصر – وغير ذلك كثير.

      • ثانيا: مقاصد فقه التنزيل على سبيل التفصيل.

1- مقاصد تنزيل أحكام القرآن الكريم:

         نتحدث هنا عن المقاصد العامة الجامعية، التي أنزل القرآن لأجل بيانها للناس، وتوجيههم إليها وحثهم على إقامتها ورعايتها، “فهي تلك الأغراض العليا الحاصلة من مجموع أحكام القرآن”[92]. ويمكن تلخيص هذه المقاصد[93] التي تحدث القرآن الكريم عنها بنفسه كالآتي:

أ- مقصد توحيد الله وعبادته: والآيات في هذا المقصد كثيرة، منها قوله تعالى: “كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير، ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير“(هود؛1-2).

ب- مقصد الهِداية الدينية والدنيوية للعباد: قال تعالى: “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم“(الإسراء؛9)، وقال سبحانه: “قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام“(المائدة؛16)، ومثل هذه الآيات في القرآن الكريم كثيرة، لا يتسع المجال لعدها وحصرها.

ج- مقصد التزكية وتعليم الحكمة: ومن هذه الآيات قوله تعالى: “كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكمُ ءآياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة“(البقرة؛150).

د- مقصد الرحمة والسعادة والشفاء: وفيه من الآيات قوله تعالى: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”(الأنبياء؛107)، و قوله سبحانه: “وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمومنين“(الإسراء؛82).

هـ- مقصد إقامة الحق والعدل: ونجد ذلك في آيات من مثل قوله تعالى: ” لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط“(الحديد؛25)، وقوله عز من قائل:”وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا“(الأنعام؛115). ومثل هذه الآيات مبثوثة في كل أنحاء القرآن الكريم، وهي آيات لا تحتاج إلى شرح أو تفسير، ولكنها تتطلب شيئا من التأمل والتفكير.

        فمن القرآن الكريم تستفاد مقاصد الشارع الحكيم، من: “إرسال الرسل، وتنزيل الكتب، وبيان العقيدة والأحكام، وتكليف المكلفين، وبعْث الخلائق والحياة والكون والوجود”[94]، والقرآن كله مقاصد.

        وارتباط الأحكام القرآنية بعللها وحِكمها ومقاصدها ليس إلا دليلا واضحا على “تأكيد مقاصدية القرآن الكريم وسعيه إلى الصلاح والخير والهدى، وتثبيت وجود النظر المقاصدي الأصيل، وضرورة ارتباط الحُكم بمقصده وجودا وعدما”[95]، وكل أحكام القرآن تخدم مقاصده.

         وقد اجتهد العلماء في استنباط واستقصاء مقاصد القرآن الكريم واستقرار دلالاتها الكلية، نظرا لأهميتها في الفهم والعمل والتدبير. نذكر أهمها، تعريفا وتعميما لفائدتها:

أ- مقصد التدرج والنسخ[96]: ينطوي مبحث التدرج والنسخ في أحكام الكتاب على تعليلات وحِكم كثيرة تتصل إجمالا بدفع الحرج والمشقة، وإقرار التيسير والتخفيف، ومراعاة العادات الحسنة ومصالح الناس، وتهيئة الظروف والأجواء المناسبة لتطبيق وتنزيل الحكم و”ضمان جدواه وفاعليته وأثره الشرعي المضبوط، وعدم مفاجأة المكلفين بما يرونه تحولا جذريا مخالفا لواقعهم وحياتهم”[97]، أو مغايرا لمألوفهم وتقاليدهم وأعرافهم.

         الأمر الذي قد يؤدي بهم إلى النّفْرة والتمرد والتحايل، والركون إلى ما هو فيه الضلال والتيه والانحراف عن المنهج الإسلامي كليا أو جزئيا، لذلك كان “لزاما على القائمين على أمر الله والدعوة إليه، استكمال شروط تنفيذ شرع الله تعالى فهما وتنزيلا حتى يؤدي أغراضه وأهدافه”[98].

         ولعل أهم شرط من تلك الشروط، ما يتعلق بفهم مقاصد القرآن الكريم من اعتماده على التدرج في بيان الأحكام وتكليف الناس بها، و”عدم وضعها جملة واحدة ودفعة مجتمعة ليس بينها وبين الواقع الذي يراد حكمه بتلك الأحكام مناسبة معتبرة، ورابط منطقي، ومشروعية معقولة”[99]، تأخذ بعين الاعتبار تغير الأحوال والبيئات واختلاف العصور والأمصار.

        وقد كانت هذه المرحلية المتدرجة في تنزيل أحكام الدين سنة ونبوية، في التبشير بالإسلام، حيث كانت الأحكام التعبدية المنظمة للحياة تنزل في الوحي منجمة، ويربى عليها المسلمون بالتدرج كذلك، وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاما، “خلصت الحياة بالتدرج من الجاهلية إلى الرشد، وأنجزت أحكام الدين في واقع الحياة، وكما كان التدرج في تنزيل الأحكام كميّا بتواليها أحكاما بعد أخرى، فقد كان كيفيا أيضا بتصاعد الحكم الواحد من الأخف إلى الأشد في التكليف إيجابا وتحريما كما هو معلوم في إيجاب الصلاة وتحريم الخمر”[100].

         وفي هذا المقصد تعليم وتوجيه للمسلمين في كل زمان ومكان؛ فكلما وجدوا أنفسهم في وضع مشابه لما كان عليه الوضع أثناء تنزيل الدين، عليهم أن يهتدوا بهذا الفقه في الإنجاز والتنزيل، فهذا المقصد دائم الصلاح ومستمر الحكمة، مساعد للمغادرة من وضع باطل إلى آخر صحيح.

ب- مقصد الترجيح والتأجيل: من أغراض وجود التعارض[101] والترجيح في المعاني، التوسع على المكلفين لئلا ينحصروا في رأي واحد، أو مذهب واحد، أي أن يجدوا متسعا من الآراء والاجتهادات تسع مختلف حاجياتهم ومنافعهم.

          ومن الأمور المساعدة على الترجيح عند التعارض، اعتماد المقصد والالتفات إليه، “فقد يستأنس المجتهد بمراعاة مقصد أو حكمة  تبينت له للخروج من التعارض، الذي لا مخرج منه سوى باعتماد تلك الحكمة والتعويل عليها، لما بدا له مقبولا ومشروعا”[102]، فيُعتمد هذا المقصد/الحكمة، تفاديا للتعارض الذي هو راجع في الأصل إلى ذهن كل مجتهد وليس إلى القرآن ونصوصه، لأن التشريع لا تعارض فيه.

          أما التأجيل فهو “العدول عن تطبيق الحكم الشرعي في ظرف معين، وإسقاط العمل به في ذلك الظرف، حتى يحين ظرف آخر مناسب، يعاد فيه ذلك الحكم إلى التطبيق”[103]. ورغم أن مقصد التأجيل يدخل ضمن مقصد التدرج وهو ضرب منه في تطبيق الأحكام، فإن مقصد التأجيل يتجاوز ذلك ليكون صالحا في تنزيل الأحكام الشرعية في الأحوال كلها.

        والغفلة أو عدم الاهتمام بهذا المقصد، يؤدي إلى الحرج الشديد والمشقة أثناء تنزيل الأحكام على واقع حياة الناس، مما يعصف بالمقصد الأصلي الذي من أجله وضعت الأحكام في القرآن الكريم.

ج- بعض مقاصد القرآن عند بعض العلماء:

         لخص الإمام الغزالي في أول كتابه “جواهر القرآن” المقاصد الجامعة التي اعتنت معظم سور القرآن وآياته ببيانها وتحقيقها، فقال: “انحصرت سور القرآن وآياته في ستة أنواع: ثلاثة منها هي السوابق والأصول المهمة، وثلاثة هي الروادف والتوابع المغنية المتمّة”[104].

          أما الثلاثة المهمة فهي: تعريف المدعو إليه، وقصد بذلك الله عز وجل، والثانية تعريف الصراط المستقيم الذي تجب ملازمته في السلوك إليه، ويقصد به الشريعة والتكاليف الشرعية، والثالثة تعريف الحال عند الوصول إليه، يقصد اليوم الآخر.

         وأما الثلاثة المغنية: فأحدها تعريف أحوال المجيبين للدعوة ولطائف صنع الله فيهم، وثانيها حكاية أحوال الجاحدين وكشف فضائحهم وجهلهم، وثالثها تعريف عمارة منازل الطريق، وكيفية أخذ الزاد والأهبة والاستعداد.

         ويعلق الريسوني على ذلك قائلا: “ومن الواضح في هذا النص أن أبا حامد غلبت عليه ثقافته ولغته الصوفية في صياغته لهذه المقاصد القرآنية”[105]، ومعلوم أن الغزالي رحمه الله جمع الفقه والحديث بالإضافة إلى التصوف مما ساعده على إحياء علوم الدين في زمانه.

         وعند الإمام عز الدين ابن عبد السلام، فقد جمع مقاصد القرآن في جملة واحدة، قال فيها: “ومعظم مقاصد القرآن الأمر باكتساب المصالح وأسبابها، والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها”[106]، ثم قال: “وأجمع آية في القرآن (الكريم) للحث عن المصالح كلها والزجر عن المفاسد بأسرها، قوله تعالى: “إن الله يامر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون“(النحل؛90)، فإن الألف واللاّم في (العدل والإحسان) للعموم والاستغراق، فلا يبقى من دِق العدل وجِله شيء إلا اندرج في قوله{إن الله يأمر بالعدل}، ولا يبقى من دِق الإحسان وجِله شيء إلا اندرج في أمره بالإحسان، والعدل هو التسوية والإنصاف، والإحسان إما جلب مصلحة أو دفع مفسدة. وكذلك الألف واللاّم في (الفحشاء والمنكر والبغي)، عامة مستغرقة لأنواع الفواحش ولما يُذكر من الأقوال والأعمال”[107]. فالإحسان مقصد جامع لهم الفرد وخلاصه في الدنيا والآخرة، والعدل مقصد جامع لهم الأمة وسيادتها.

        وخصص العلامة الطاهر ابن عاشور[108] المقدمة الرابعة من مقدمات تفسيره لبيان مقاصد القرآن، وأوصلها إلى عشرة مقاصد، وهي: إصلاح الاعتقاد وتعليم العقد الصحيح، وتهذيب الأخلاق، والتشريع؛ وهو الأحكام خاصة وعامة، وسياسة الأمة؛ وهو باب عظيم في القرآن القصد منه صلاح الأمة وحفظ نظامها، والقصص وأخبار الأمم السالفة للتأسي بصالح أحوالهم، وللتحذير من مساويهم، والتعليم بما يناسب حالة عصر المخاطبين، وما يؤهلهم إلى تلقي الشريعة ونشرها، والمواعظ والإنذار والتحذير والتبشير، والإعجاز بالقرآن، ليكون آية دالة على صدق الرسول. وكونه شريعة دائمة، وذلك يقتضي فتح أبواب عباراته لمختلف استنباط المستنبطين، تعويد حملة هذه الشريعة، وعلماء هذه الأمة، بالتنقيب والبحث واستخراج المقاصد من عويصات الأدلة.

       ويُعتبر العلامة رشيد رضا، أول من توسع في الاستقصاء والبيان لمقاصد القرآن، فقد عقد لذلك فصلا ضافيا في الجزء الحادي عشر من تفسيره “المنار” عند تفسير أول سورة يونس، وفي كتابه”الوحي المحمدي“، وقد عدها عشرة مقاصد للقرآن الكريم[109]. وذلك على شاكلة ما ذكره ابن عاشور.

2- مقاصد تنزيل أحكام السنة النبوية:

أ- نشأت المقاصد مع نشأة الأحكام؛ والتي انتصب الرسول صلى الله عليه وسلم لبيانها وتبليغها، وقد كان “المقصد الشرعي أحد الأمور الملتفت إليها والمعول عليها في عملية فهم الأحكام واستنباطها، وتنزيلها، سواء من قِبله عليه الصلاة والسلام بما يبلغه قولا وفعلا، أو من قِبل أصحابه رضي الله عنهم بما يُقره عليهم ويثبته ويؤكده”[110]. ونجمل هذه المقاصد في أمرين متكاملين متلازمين، لا بد منهما لبناء فقه سليم وإقامة تدين صحيح:

         الأمر الأول: هو التمكن من وضع السنن والأحاديث النبوية في مواضعها وما أريد بها، وفق مقاصد الشرع في كل موضع منها.

         والأمر الثاني: تلافي الوقوع في تفسيرات وتطبيقات مجانبة لمقاصد الشارع أو مضيقة لها، مع ما ينجم عن ذلك من تحريف وتشويه للدين[111].

         وهذا ما يعبر عنه بمقاصدية[112] السنة، فما قيل في مقاصدية القرآن الكريم يمكن أن يقال عن مقاصدية السنة الشريفة من جهة كونها مبينة لأحكام القرآن وشارحة ومدعمة لها، ومن جهة كونها مبرزة لمقاصده وأسراره.

         ومن مقاصد السنة استفدنا الخصائص العامة للشريعة الإسلامية، والتي أشرنا لها سابقا في موضعها من هذا البحث، على نحو خاصية الوسطية والاعتدال، والواقعية والشمول والتيسير والسماحة والرفق والتخفيف وإرادة الصلاح والخير للأمة.

ب- أمثلة؛ ولمعرفة مقاصد السنة نذكر بعض النصوص والوقائع النبوية التي وردت مقرونة بعللها وحِكمها وأسرارها ومقاصدها، على سبيل المثال:

– قال صلى الله عليه وسلم: “إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة”[113]،

         فقد تضمن هذا الحديث العظيم جملة من المقاصد وهي: إقرار التيسير، ومنع التشدد والمبالغة من غير موجب، وملازمة السداد والوسطية؛ أي الصواب من غير إفراط ولا تفريط، و الحث على بلوغ الكمال؛ أي العمل بما يقرب من الأكمل، و دوام العمل وزيادته، و الفوز بالثواب والجنة.

– وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: “ما خُير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قطّ إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه”[114]. وتتلخص مقاصد هذا الحديث في اعتماد التيسير والرفق والتخفيف في الأمور كلها ما لم يكن فيها إثم أو ذنب.

         ومن الأمثلة المشابهة والخادمة  لهذا المقصد نذكر كذلك:

– اختيار الجزية على الحرب في معاقبة المعرضين عن الدعوة، ليسرها وسهولتها بخلاف الحرب التي تدمر وتترك خسارة ومشقة للطرفين معا.

– اختيار الأخف على الأشد في العبادة فيما خُير فيه المؤمنون، رفقا بهم وإبعادا لما شق عليهم، ولما يؤدي إلى ترك العبادة كلها.

        والأحاديث في معنى هذا المقصد كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم فيما روته أمنا عائشة: “إن الله يحب الرفق في الأمر كله”[115]. وقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: “يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا”[116]. والحديث الذي رواه عبد الله بن عمر في حجة الوداع، قال: فما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء قدِّم أو أُخِّر -من مناسك الحج- إلا قال عليه الصلاة والسلام: “إفعل ولا حرج”[117]، وذلك لنفي الحرج عن الأمة في الحج وفي غيره، وهو نفس الفعل لنفس المقصد عند تركه لصلاة التراويح في جماعة خشية أن تفرض، وترك التطويل في الصلاة لنفي المشقة والفتنة، “فإن استعماله عليه الصلاة والسلام للحرج منفيا، ويشعر بعمومه”[118].

ج- معرفة أسباب النزول: وإن معرفة حيثيات النزول وأسباب الورود تعين كثيرا على معرفة الحكمة الباعثة والمقصد الداعي إلى تشريع الحكم “فإن تنزيل أي حكم شرعي في أي واقعة إنسانية أو ظاهرة اجتماعية أو فترة تاريخية، لا بد فيه من فهم عميق ودقيق لملابسات ومستلزمات ذلك الواقع، وإدراك جيد لحكمة التشريع ومراميه، وسعي جاد لتحصيل ما يصلح للناس ويفيدهم”[119].

          ودراسة أسباب نزول القرآن وأسباب ورود الحديث يساعدان في إدراك حكمة الشارع ومراده، وتنزيل ذلك في واقع يتسم بالتجديد والتداخل والتعقيد، وإدراك ذلك، فهما وتنزيلا، شرط في معرفة الأحكام ومقاصدها ومواضع تنزيلها. فلا بد إذن لفقه التنزيل من مقاصد، لأن المقاصد دليل مع كل دليل ودليل مع كل تنزيل.

       خلاصة:

          وفي الختام، يحق لنا نستنتج العلاقة الجدلية التكاملية الضرورية بين فقه الوسائل وفقه المقاصد وأثر ذلك على فقه تنزيل الأحكام، و أن الحديث عن فقه الوسائل لا يقل أهمية على الحديث عن فقه المقاصد. فرغم أن المقاصد هي روح الأعمال، والأثر الذي تحدثه مراتب المقاصد على تنزيل الأحكام على وقائع المكلفين. ورغم ما يميز الوسائل المتغيرة عن المقاصد الثابتة، فإن منهجية تحقيق مقاصد الأحكام عند التنزيل، لا بد لها من دراسة الواقع وتحليله وملابساته، وهذا لا يتم إلا بفقه وسائل المقاصد.

ولإتمام الفهم لهذا الفقه لا بد من الوقوف على ضوابط هذا العلم وأصوله وقواعده المؤطرة لفقه تنزيل الأحكام. وهذا هو موضوع الحلقة المقبلة إن شاء الله تعالى.

…يتبع…..


[1]الموافقات، الشاطبي،2/334.

[2] مقاصد المقاصد؛ الغايات العلمية والعملية لمقاصد الشريعة، أحمد الريسوني، ص 10.

[3]مدخل إلي مقاصد الشريعة، الريسوني، ص:14.

[4] ينظر: معجم مقاييس اللغة، ابن فارس(مادة: قصد). والصحاح، الجواهري(مادة: قصد).

[5] أخرجه البخاري في كتاب الرقائق، باب القصد والمداومة، رقم:6463.

[6] المقاصد الشرعية: تعريفها، أمثلتها، حجيتها، نور الدين الخادمي، ص:23.

[7] ينظر: غياث الأمم في التياث الظلم، ص:253.

[8] ينظر: المستصفي، الغزالي، 1/172.

[9] التعيين في شرح الأربعين، نجم الدين الطوفي، ص:239.

[10] الذخيرة في فروع المالكية، أحمد القرافي،  5/478.

[11] مختصر المنتهي، ابن الحاجب،  2/239.

[12] ينظر: الأشباه والنظائر، السبكي، 1/12.

[13] ينظر: الموافقات، 2/9 و2/168.

[14] نظرية المقاصد، الريسوني، ص:5.

[15] مقاصد الشريعة الإسلامية، الطاهر بن عاشور، ص: 50 .

[16] مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، علال الفاسي، ص:111.

[17] مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، علال الفاسي، ص: 146.

[18] نظرية المقاصد، الريسوني، ص: 7.

[19]الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، ص:52.

[20]ينظر: مقاصد الشريعة، ابن عاشور، ص:171ومابعدها. ومقاصد الشريعة، الفاسي، ص:41 وما بعدها. ونظرية المقاصد، والريسوني، ص: 7-8.

[21]ينظر: مقاصد الشريعة الإسلامية، ص:155 وما بعدها .

[22]علم المقاصد الشرعية، نور الدين الخادمي، 1/34.

[23]مقاصد الشريعة، علال الفاسي، ص: 41 .

[24]الموافقات، الشاطبي، 2/7.

[25]نقد نظرية النسخ؛  بحث في  فقه مقاصد الشريعة، جاسر عودة،  ص:23.

[26] ينظر: نحو تفعيل مقاصد الشريعة، جمال عطية، ص: 28-32 .

[27] الاجتهاد التنزيلي، بشير بن مولود، 1/50.

[28]المقاصد عند الإمام الشاطبي دراسة أصولية فقهية، محمود فاعور، 1/241.

[29] ينظر: الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، 1/61.

[30]الموافقات، الشاطبي، 2/394.

[31]الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، 1/62.

[32] الموافقات، الشاطبي، 2/129.

[33]مقاصد الشريعة، ابن عاشور، ص:5 وما بعدها .

[34] ينظر: مقاصد الشريعة، علال الفاسي، المقدمة، ص: 5.

[35] ينظر: الموافقات، الشاطبي، 4/106.

[36] الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، مقدمة ، 1/17.

[37]الفكر المقاصدي قواعده وفوائده، أحمد الريسوني، ص: 100.

[38] ينظر: مقاصد المقاصد، الريسوني، ص: 50.

[39] في فقه الأولويات، القرضاوي، ص:38-39.

[40]الموافقات، الشاطبي، 1/252.

[41] ينظر: لسان العرب، ابن منظور، وأساس البلاغة، الزمخشري، والمصباح المنير، أحمد الفيومي؛ (مادة: و س ل). والمفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، ص:871.

[42]ينظر: أصول الفقه، الزجيلي، ص:873. والوجيز في أصول الفقه، عبد الكريم زيدان، ص:245.

[43]سد الذرائع في الشريعة الإسلامية، البرهاني، ص: 56.

[44] قواعد الأحكام، ابن عبد السلام، 1/43. والفروق، القرافي، 2/33. وترتيب الفروق، محمد البقوري، 1/320.

[45]في الاجتهاد التنزيلي، بشير بن مولود ، ص: 94 .

[46]مقاصد الشريعة، ابن عاشور، ص:148.

[47]الموافقات، الشاطبي، 1/58.

[48] المصدر السابق، 2/333.

[49]المصدر نفسه، 2/20.

[50]نفسه، 2/18.

[51]موسوعة القواعد الفقهية محمد صديقي، 1/317.

[52]المصدر السابق، 1/ 330 .

[53]الأشباه والنظائر، السيوطي، القاعدة: 37،1/158.

[54]المصدر السابق، 1/158.

[55] قواعد الوسائل في الشريعة الإسلامية، مصطفى مخدوم، ص:275.

[56] أخرجه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب التسمية علي الذبيحة ومن ترك متعمدا، رقم: 5498 .

[57] قواعد الوسائل في الشريعة الإسلامية، مصطفي مخدوم، ص:275.

[58] ينظر للتفصيل: فقه الوسائل، البركاني، الصفحات:105-115.

[59] المرجع السابق، ص:73.

[60]الاجتهاد المقاصيدي، الخادمي، 1/66.

[61] المرجع السابق،1/67.

[62]كيف نتعامل مع السنة النبوية، القرضاوي، ص: 139.

[63] المرجع السابق، ص :140- 141.

[64]فقه الوسائل، بركاني، ص:75.

[65]الاجتهاد،النص الواقع المصلحة، الريسوني، ص:160.

[66]قواعد الأحكام، ابن عبد السلام، 1/168.

[67] مقاربات في السياسة الشرعية، عبد لكريم بكار، ص:35.

[68]قواعد الأحكام، ابن عبد السلام، 1/92.

[69] فقه الوسائل، بركاني، ص:120.

[70]الاجتهاد  المقاصدي، الخادمي،ص:64-65.

[71] كيف نتعامل مع السنة، القرضاوي، ص:159.

[72]سبق تخريجه، ص:62.

[73] أخرجه ابن خزيمه في صحيحه، كتاب الوضوء، باب فضل السواك وتطهير الفم به، رقم:135. وقال الأرناؤوط: صحيح لغيره، تخريج المسند، رقم:7. وصححه الألباني، إرواء الغليل، رقم:66، و تخريج المشكاة، رقم:365.

[74] روضة الطالبين وعمدة المفتين، النووي، 1/167.

[75] كيف نتعامل مع السنة، القرضاوي، ص:161.

[76] عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”عشر من الفطرة؛ قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقص الأظافر، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء”. أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الطهارة، باب السواك من الفطرة، برقم:53. قال الشيخ الألباني: حسن، الجامع الصحيح، رقم:4009.

[77] الاجتهاد –النص-الواقع-المصلحة، الريسوني، ص:161.

[78] الحديث رواه أبو هريرة قال، قال الرسول صلى الله عليه وسلم:”إذا شرب الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبع مرات”. أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب، رقم:279.

[79] إعلام الموقعين، ابن القيم، 3/11.

[80] الموافقات، الشاطبي، 1/23.

[81] مقاصد المقاصد، الريسوني، ص:16.

[82] ينظر: مشاهد من المقاصد، الشيخ عبد الله بن بيه، ص:181-182.

[83] نهاية المطلب، الجويني، 4/291.

[84] قال القرافي: “ومن شروط الوصف الانضباط (…) وإلا فحكمة بها يناط”، ينظر: مراقي السعود؛ ص:327.

[85] ينظر: إعمال المقاصد في الاجتهاد مجالاته وضوابطه، عبد الحميد عشاق، مجلة الإحياء، العدد:37-38، ص: 141.

[86] ينظر: مقاصد الشريعة الإسلامية، علال الفاسي، ص:47.

[87] ينظر: دراسة تطبيقية حول فلسفة المقاصد في الشريعة الإسلامية، عبد الرحمان صالح بابكر، ص:64.

[88] ينظر:  المقدمة، ص: 114. وينظر كذلك: الأحكام السلطانية، الماوردي، 1/3.

[89]  مقاصد الشريعة عند ابن تيمية، محمد أحمد البدوي، ص:435.

[90] ينظر للتوسع في هذه المجالات: أهمية المقاصد، الجندي، ص:22 وما بعدها. والاجتهاد المقاصدي في عصر الخلفاء الراشدين، مها إسماعيل الصيفي، ص:72 وما بعدها.

[91] ينظر في ذلك: حاجة المجتهد إلى الاجتهاد المقاصدي، ماهر حامد الأهلي، مجلة الجامعة الإسلامية للدراسات الإسلامية، غزة، فلسطين، الطبعة: الأولى، سنة: 2008م، ص: 56 وما بعدها.

[92] مقاصد القرآن من تشريع الأحكام، عبد الكريم حامدي، ص:47.

[93] ينظر: مقاصد المقاصد، الريسوني، ص:24-28.

[94] مباحث في علوم القرآن، مناع القطان، ص:23.

[95] الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، ص:74.

[96] ينظر: التبيان في علوم القرآن، محمد علي الصابوني، ص:32 وما بعدها. والمقدمات الممهدات، محمد ابن رشد القرطبي، 1/145. ومباحث في علوم القرآن، مناع القطان، ص:240.

[97] أحكام القرآن، ابن العربي، 1/153.

[98] الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، 1/75.

[99] المرجع السابق، 1/76.

[100] في فقه التدين، النجار، 2/214-215.

[101] التعارض بين معاني القرآن راجع إلى ذهن المجتهد وليس إلى القرآن نفسه، فالمقرر كما هو معلوم أن الشريعة لا تعارض فيها البتة وهي على قول واحد. ينظر: الشاطبي، الموافقات، 4/294.

[102] الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، ص:77.

[103] في فقه التدين، النجار، 2/239.

[104] جواهر القرآن، أبو حامد الغزالي، ص:23-24.

[105] مقاصد المقاصد، الريسوني، ص:31.

[106] قواعد الأحكام، ابن عبد السلام، 1/10.

[107] قواعد الأحكام، ابن عبد السلام، 2/190.

[108] ينظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور،  1/18-38-45.

[109] أنظرها مفصلة في: تفسير المنار،11/171-239. و الوحي المحمدي، ص:191-348.

[110] الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، ص:78.

[111] مقاصد المقاصد، الريسوني، ص:61-62.

[112] ينظر: الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، ص: 79.

[113] أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب الدين يسر، رقم:39.

[114] أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب قول النبي يسروا ولا تعسروا، رقم:6126.

[115] أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله، رقم:6395

[116] أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب قول النبي يسروا ولا تعسروا، رقم:3038.

[117] أخرج البخاري في كتاب العلم، باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها، رقم:83.

[118] الرخص الفقهية، الرحموني، ص:174.

[119] في فقه التدين، النجار، 1/96-97.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.