منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحلقة العاشرة: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛ دراسة أصولية تطبيقية.

ذ. محمد الغالي

0

الحلقة العاشرة: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛

دراسة أصولية تطبيقية.

ذ. محمد الغالي

اعتبار المآل في تنزيل الأحكام.

تمهيد.

        إن تطبيق الأحكام الشرعية يستلزم تحقيقا في مآل تطبيق الحكم على الأفراد المعينة من حيث حصول المقصد أو عدمه، ويكون هذا التحقيق بدراسة طبيعة الوقائع في أحوال فاعليها، وفي علاقاتها مع غيرها من الأوضاع في ظروفها الزمانية والمكانية. ولفهم ذلك وجب التطرق إلى مفهوم فقه المآلات أولا، ثم التعرف إلى القواعد المبنية على أصل المآل وأثر ذلك في تنزيل الأحكام.

المطلب الأول: فقه المآلات.

  • الفرع الأول: حول المفهوم والأهمية.

      • أولا؛ حول المفهوم:

       يتحدث الأصوليون عن أصل المآل أو اعتبار المآل أو اعتبار فقه المآل أو اعتبار مالآت الأفعال، وهم يعنون بذلك في الحقيقة مفهوما واحدا.

      والمآل عند أهل اللغة يعني المرجع والمصير والعاقبة والمنتهى[1]. ولم نعرف أحدا من السابقين تحدث عن مصطلح “مآلات الأفعال” غير الإمام الشاطبي في قوله: “النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا،كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام، إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل مشروعا لمصلحة فيه تُستجلب أو لمفسدة تُدرأ”[2].

          ومن أشهر المعاصرين الذين حصلوا قدرا كبيرا من موافقة معنى المآل، تعريف الدكتور عبد الرحمان السنوسي بقوله: “هو تحقيق مناط الحكم بالنظر في الاقتضاء التبعي الذي يكون عليه عند تنزيله، من حيث حصول مقصده، والبناء على ما يستدعيه ذلك الاقتضاء”[3].

          وعرفه الدكتور الريسوني، فقال: “اعتبار المآل ومعناه النظر فيما يمكن أن تؤول إليه الأفعال والتصرفات والتكاليف موضوع الاجتهاد والإفتاء والتوجيه، وإدخال ذلك في الحسبان عند الحكم والفتوى”[4].

وتعار يف أخرى[5] قريبة من هذا، جلها تدور حول تنزيل الحكم ابتداء وبملاحظته انتهاءًا.

         ونستنتج مما سبق أن فقه المآلات هو: الفقه الذي ينظر إلى مآل الحكم الشرعي عند تنزيله في الواقع، ويأخذه بعين الاعتبار، فإن كان الحكم سيؤدي إلى مقصده أمضاه، وإن كان لا يؤدي إلى مقصده عدله أو غيره بحسب طبيعة المآل. فهو يستلزم  توقع ما سيؤدي  إليه الحكم الشرعي عند تطبيقه، لذلك اختار له بعض المعاصرين اسم: “فقه التوقع”[6].

       والصحيح أن التوقع مرحلة من مراحل فقه المآل[7]، لأننا بعد أن نستشرف المستقبل، ونتوقع ما ستؤول  إليه الأمور، يجب أن ننتقل إلى المرحلة  الثانية التي هي أخذ ذلك التوقع بعين الاعتبار في صياغة المطلوب منا شرعا.

ثانيا؛ حول الأهمية:

         فقه المآل من العلوم المهمة الشريفة التي تهدي صاحبها إلى السداد والصواب في الأحكام والمواقف، وفي الغفلة عنه وعدم العناية به يكون التخبط والشرور والعواقب السيئة، فتكثر المواقف والأحكام الخاطئة التي يتسرع فيها أصحابها نتيجة ردود أفعال عواقبها ومآلاتها غير مدروسة.

        ومن تأمل ما جرى في تاريخ الإسلام قديمه وحديثه من الفتن الكبرى والصغرى يرى أن أغلب أسبابها جاءت من إضاعة المسلمين لأصل المآل. ولذلك نجد المجتهدين من علماء هذه الأمة قديما وحديثا دأبوا في تنزيل الحكم الشرعي على مراعاة تحقق مقصده في الحال والمآل.

        وتظهر أهمية ذلك؛ باعتبار تقدير مآلات الأحكام عنصر أساسي من عناصر فقه تنزيل الأحكام على الوقائع، فصياغة الحكم  الشرعي لمعالجة وضع ما تعتبر المآلات فيها بصفة أساسية مما يحقق ذلك الحكم من أثر صالح، إما باستحداث الحكم اللائق أو التعديل أو الاستثناء أو التأجيل[8]، بحسب ما يتبين من تحقيق المصلحة إذا كان الوضع في حكمٍ منصوص عليه.

        فأصل المآل هو البعد الاستراتيجي والمستقبلي للحكم الشرعي، الذي يحفظ التنزيل من الخطأ والزلل حالا ومستقبلا.

       واعتبار مآلات  الأفعال في تقدير الأحكام من شأنه أن يفضي ببناء الشريعة بناء تطبيقيا إلى التكامل.

  • الفرع الثاني: اعتبار المآل؛ المشروعية ومسالك الكشف.

      • أولا؛ المشروعية:

         يمكن إثبات حجية اعتبار المآل ومشروعيته من خلال أمثلة من القرآن الكريم والسنة النبوية وعمل الصحابة كما يلي:

1- من القرآن الكريم: من الآيات القرآنية التي استُدل بها على أصل اعتبار المآلات نذكر الأمثلة الآتية:

– قال الله تعالى: “ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا“(الإسراء؛110)، أخبر البخاري أن سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: “أنزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوار بمكة، فكان إذا رفع صوته سمعه المشركون فسبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى:”{ولا تجهر بصلاتك} حتى يسمع المشركون، {ولا تخافت بها} عن أصحابك، {وابتغ بين ذلك سبيلا} أسمعهم ولا تجهر حتى يأخذوا عنك القرآن”[9].

– وقال تعالى: “ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم“(الأنعام؛108)، فنهى الله تعالى عن سب آلهتهم حتى لا يسبوا الله جل وعلا ، فهو نهي عن أمر مشروع في الأصل بالنظر إلى مآله. ويعلق ابن العربي على الآية قائلا: “منع الله في كتابه أحدا أن يفعل فعلا جائزا يؤدي إلى محظور، ولأجل هذا تعلق علماؤنا بهذه الآية في سد الذرائع،كما استدل بها على أن المُحق قد يكف عن حق له إذا أدى إلى ضرر يكون في الدين”[10].

         وأكد القرطبي[11]، بأن حكم الآية باق في هذه الأمة على كل حال، فمتى كان الكافر في مَنَعة وخِيف أن يسب الإسلام أو النبي عليه السلام أو الله عز وجل ، فلا يحل لمسلم أن يسب صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك، لأنه بمنزلة البعث على المعصية، وهذا عند ابن القيم “كالنية، بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سببا في فعل ما لا يجوز”[12].

– وقال تعالى: “وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك ياخذ كل سفينة غصبا“(الكهف؛79)، فهذه الآية، والتي بعدها (قتل الغلام) تبين إباحة المحظور لمآل محمود ومقصود، عكس الآية السابقة ذكرها التي تبين النهي عن المباح لمآل مذموم. مما يدل على أهمية اعتبار المآل في تنزيل الأحكام، سواء أكان الفعل منهيا عنه أو مطلوبا أو مباحا فعله.

2- من السنة النبوية: والأدلة من السنة المطهرة كثيرة، نذكر منها:

– قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو: “إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه” قيل يا رسول الله، وكيف يلعن الرجلُ والديه؟ قال:”يسُب الرجلُ أبا الرجلِ، فيسب أباه، ويسب أمّه فيسب أمه”[13]، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في سب والدي الغير عملا مساويا لسبهم مباشرة، لأن فعل السب بمنزلة فعل النتيجة، والمتسبب في إثارة الفاعل بمنزلة الفاعل نفسه. قال ابن بطال: “هذا الحديث أصل في سد الذرائع، ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل وإن لم يقصد ما يحرم”[14].

– وقد رخصت السنة في الكذب لمآل محمود، فقد روي عن عبد الرحمان بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعيط أنها سمعت رسول الله صل الله عليه وسلم يقول: “ليس الكذاب الذي يُصلح بين الناس، فينمي خيرا، أو يقول خيرا، قالت: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، و الإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها”[15].

        والترخيص في الكذب في هذه المواقف نظرا لما سيترتب عن ذلك من مصالح في المآل، “مثل تأليف القلوب والإصلاح بين الناس، وجلب المحبة بين الزوجين، فالكذب مفسدة محرمة إلا أن يكون فيه جلب مصلحة أو درء مفسدة، فيجوز تارة ويجب أخرى”[16].

         وتتعدد صور الأدلة على مشروعية اعتبار المآل في السنة الكريمة، مثل ترك النبي صلى الله عليه وسلم البيت على قواعد إبراهيم عليه السلام، وترك الأعرابي يكمل بولته في المسجد، ونهي الرسول صلى الله عليه وسلم على التشديد في العبادة[17]، وغير ذلك مما يذل دلالة واضحة على ضرورة اعتبار المآلات عند تنزيل الأحكام على وقائع المكلفين.

3- تطبيقات الصحابة رضي الله عنهم لأصل المآل:

          ورد عن العديد من الصحابة الكثير من الشواهد على أخذهم بالمآلات في اجتهاداتهم وفتاواهم وتصرفاتهم، ويعتمدون في ذلك على القرائن المحيطة بالتصرفات التي تدل بمقدماتها على المآلات التي تفضي إليها. سواء في مجال تدبير الشأن العام أو في مجال الحياة عموما.

         فمن التدابير السياسية التي رويت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه لما علم بأن الصحابي حذيفة بن اليمان تزوج بيهودية، كتب إليه عمر أن خل سبيلها، فرد عليه: “إن كانت حراما خليت سبيلها”، فكتب إليه عمر: “إني لا أزعم أنها حرام ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن”[18].

       لذلك رأى عمر رضي الله عنه أن يمنع الزواج من الكتابيات، “دفعا لهذه المفاسد، والأضرار العظيمة التي ستلحق بالأمة قطعا، إذا استمر العمل بالحكم الأصلي الذي يقضي الإباحة”[19]،وهذا اعتبار المآل عند التنزيل.

        وفي موضوع نشر العلم ورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: “حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله”[20]. مخاطبة الناس على مستوى عقولهم وأعمارهم وحالاتهم حكمة وإغفال ذلك فتنة، يعبر عنها ابن مسعود  بقوله :”ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة”[21]، فهذا تكييف للأمر العام القاضي بنشر العلم حسب ما يؤول إليه في الواقع.

        ومن الأمثلة أيضا على اعتبار المآل تنازل سيدنا الحسن بن علي بن أبي طالب عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان سنة40هـ، إذ توحدت راية المسلمين بعد طول قتال وخلاف. ولم يكن ميل الحسن نحو الصلح وحقن الدماء ناتجا عن ضعف أو قلة عدد، بل اتقاء مآلات تضر بالمسلمين واستقرارهم، وبغية جمع شملهم وحقن دمائهم، “فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة”[22]، بتعبير ابن حجر، وقد فرح المسلمون بذلك فسموا ذلك العام عام الجماعة[23]، واعتبروا الصلح تحقيقا لبشرى[24] الرسول صلى الله عليه وسلم في الحسن بن علي رضي الله عنهما.

      • ثانيا؛ مسالك الكشف عن مآلات الأفعال:

          حاول عديد من الباحثين المعاصرين[25] أن يلتمسوا من خلال ما كتبه الإمام الشاطبي مجموعة من المسالك المعتبرة، رغم اختلافهم في حصرها، وعلى اختلاف بينهم في تسمية عناصر التفريع.

         ونحن في هذه الفقرة نعرض لأهمها بشكل مختصر كالتالي:

1- مسلك الاستنباط النصي: وهو أولى المسالك بالذكر لارتباطه بنصوص الوحي، ورغم محدوديته فإنه يصح عندما يثبت باستنباط من نصوص الشارع إفضاء وسيلة معينة إلى مآل ما. والمثال على ذلك ما رواه المغيرة بن شعبة، أنه خطب امرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أنظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما”[26]، تحقيقا لهدف المحبة والمودة والرحمة.  وعن أبن مسعود عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، أجْلَ أن يحزنه”[27]. فعلم منه تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث وبحضوره وبغير رضاه، وإذا تجاوز العدد أكثر من ثلاثة فلا بأس بهذا.

2- مسلك التجربة والخبرة الواقعية: ومثال إعمال هذا المسلك ما روي في الصحيح مما حدث ليلة المعراج في تشريع الصلاة، وفيه قول سيدنا موسى عليه السلام لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: “إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك”[28]، وهي نتائج توصل إليها سيدنا موسى من خلال تجربته مع قومه. يقول ابن حجر: “التجربة أقوى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة، يستفاد ذلك من قول موسى عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم”[29]. وذلك يحدث بالاستقراء الواقعي.

        ومنه يمكن اعتبار التجربة والخبرة المكتسبة من أهم المسالك المفيدة لرجحان صحة العدول عن الاقتضاء الأصلي إلى الاقتضاء التبعي كلما تواترت الوقائع الدالة على إفضاء إجراء الإقتداء الأصلي إلى مخالفة مقاصد الشريعة في أغلب الحالات. لذلك أفتى سيدنا عمر رضي الله عنه بإمضاء الطلاق الثلاث الوارد بلفظ واحد سدا لذريعة الاستهتار بالطلاق التي عمت بها البلوى في زمانه[30]. وهذا الحكم مبني على استقراء أغلب الحالات الواقعة.

3- مسلك الاستشراف المستقبلي: أو ما يسمى الاستبصار المستقبلي[31]، الذي يقوم على أصول وقواعد ومناهج تمكن من تجميع الأمارات من الأحداث الواقعة، وبناء تصورات لمآلات الأوضاع في شتى مجالات الحياة، وهي عادة ما تنتهي إلى الظن الغالب إن لم  تكن قطعية، ولذلك تعتمد اليوم في المخططات المستقبلي، في الاقتصاد والسياسة والاجتماع. ومن ثم ينبغي اعتبارها مسلكا من مسالك الكشف عن المآلات خاصة في الشؤون العامة.

4- مسلك النظر في المآل العادي للفعل: ولعل أظهر مثال على العمل بهذا المسلك عدول سيدنا عمر عن الاقتضاء الأصيل لآية السرقة في عام المجاعة، نظرا لمخافة مآله الطبيعي لقصد الشريعة إلى الحفاظ على النفوس المضطرة إلى سد الرمق من غير عدوان.

5- مسلك النظر في المآل العرفي للفعل: إن سلطان الأعراف الاجتماعية[32] قد يقضي ببعض الأحكام إلى غير مقاصدها الشرعية، بفعل ما يستقر في  القوم من عادات ترتبط فيها أفعال بأفعال، وتصرفات بنتائج تؤول إليها في سببية عرفية مستمرة أو غالبة، تعرف بها مآلات الأفعال ونتائج التصرفات.

        فالعلم بالعادات والتقاليد الاجتماعية مُلزم للمجتهد قبل إجراء الأحكام، حتى يوظفها في الكشف عن المآلات الغالبة، فيسترشد بها في تحقيق المناطات التبعية.

6- مسلك الكشف عن قصد المكلف: وهو مسلك إضافي يبين أثر القصد في اعتبار المآل، نظرا لارتباط القصد عادة بالمآلات الدنيوية والأخروية، وفي ذلك يقول الشاطبي أثناء عرضه للأدلة المعنوية والمنطقية لاعتبار المآلات: “إن التكاليف الشرعية مشروعة لمصالح العباد في الدنيا و الآخرة، أما المصالح الأخروية فراجعة إلى مآل المكلف في الآخرة، ليكون من أهل النعيم لا من أهل الجحيم”[33].

         وأهم طرق كشفه[34]؛ الاسترشاد بالقرائن والملابسات التي تنبيء البصير بما قد يبدر من المكلف من إشارات يتبدى منها قصد الإفضاء إلى نتائج حتمية أو غالبة، ومثاله قصد الواهب ماله في نهاية الحول فرارا من الزكاة، فمتى ظهر هذا القصد بإقرار أو قرينة قاطعة، أو راجحة، أصبح حجة على صاحبه تدرأ المآل الممنوع المكشوف بطريق معرفة القصد.

      • ثالثا؛ أثر اعتبار المآل في تنزيل الأحكام:

          بما أن اعتبار المآل يعني النظر المستقبلي في مدى تحقق المصلحة أو المفسدة عند تطبيق الحكم، فإن فقه التنزيل يسعى بدوره إلى تطبيق الحكم الشرعي مع تحقق مقاصده ومصالحه، “وقد يختلف تحقيق هذه المقاصد لعدم التحقق من مآلات الأفعال؛ إذ الحكمة لا تقتضي التطبيق الآلي للأحكام دون النظر لما قد يؤول إليه ذلك التطبيق وما يسببه من تداعيات قد تعود على المقاصد الشرعية بالنقض، بل هو محكوم بأصل النظر في المآلات الواقعة والمتوقعة”[35].

          ومن المعلوم أنه إذا تحقق المجتهد أو غلب على ظنه، عند تطبيق أي حكم في الشريعة، أنه يفضي في ظرف من الظروف، إلى مآل يناقض المقاصد التي استهدفها التشريع، فإنه “لا يجوز المصير إلى ذلك  بأي حال من الأحوال، لمنافاة ذلك للنظام الشرعي العام في مقاصده وأهدافه، ولا يقول بهذا عاقل فضلا عن مجتهد”[36]. وبهذا القانون يسير المجتهد في تنزيل الأحكام الشرعية، ليحقق التكامل في التشريع من خلال تحقيق المصالح ودرء المفاسد في الحال والمآل، فلا يحكم بالحكم إلا بعد النظر بما يؤول إليه الحكم، ” فمآل التطبيق هو الذي يكيف الفعل بالمشروعية وعدمه”[37].

         وعلى هذا يلتقي فقه التنزيل وأصل المآلات على كلمة سواء وهي جلب المصالح ودرء المفاسد في تنزيل الأحكام، “وهذا الالتقاء يؤكد أن المآلات أصل أصيل، وركن ركين في فقه التنزيل، فلا تنزيل صحيح من غير اعتبار صحيح”[38]، وكل تنزيل لا يعتبر فقه المآل هو ضرب من العشوائية.

       ولأصل المآل أهمية كبيرة في الواقع الذي يجتهد فيه المجتهد لينزل الأحكام، فبدون النظر للمآلات والعواقب التي قد تلحق بالحكم يعني ذلك الإساءة للشريعة والمجتمع، فعلاقة هذا الأصل مع تنزيل الأحكام الشرعية علاقة وثيقة، “باعتبار مهمة المجتهد لا تنحصر في إعطاء الحكم الشرعي بل تتعداه إلى استحضار مآله، ولا يكون ذلك إلا عند التنزيل، فإذا لم يفعل، فهو إما قاصر عن درجة الاجتهاد أو مُقتصر فيها”[39].

       وهذه العلاقة هي التي تؤكد على أن هذا الأصل مسلك تنزيلي، ذلك أن أحكام الشريعة سُنّت من أجل تحقيق مقاصد راجعة إلى العباد، منتهاها تحقيق المصالح، فالنظر الجاد لتتبع هذا التحقيق لا ينازع فيه أحد وهو مشروع. فالامتثال للأوامر والنواهي والانصياع لها إنما هو امتثال لما يحقق المصلحة، “فتبين هذه المصلحة مما يعضد حال الانصياع ويقويه، لأنه ينضاف به العلم بوجه الحق في الأحكام تفضيلا بتبين آثارها الفعلية إلى العلم بوجه الحق فيها إجمالا باعتبار صدورها عن الرحمان الرحيم”[40]، وقد أشار الشاطبي رحمه الله إلى العلاقة كذلك بين المآل ومقاصد الشريعة، بعد بيانه لصعوبة هذا المسلك، بقوله: “وهو مجال للمجتهد صعْب المورد محمود الغِبِّ جارٍ على مقاصد الشريعة”[41].

      والنتيجة هي أن حاجة المجتمعات الإسلامية إلى فقه المآلات حاجة ماسة وملحة لتصحيح سيرها من خلال قراءة المستقبل وما يحمل من تداعيات وعواقب عند تنزيل الأحكام على الواقع.

المطلب الثاني: قواعد اعتبار المآل وأثرها في تنزيل الأحكام.

        يُعتبر الشاطبي أول من استشعر خطورة هذا المسلك التنزيلي، وبنى عليه جملة من القواعد المنهجية الضابطة لأصل المآل أثناء استعماله في تنزيل  الأحكام الشرعية، وهي ثلاثة نذكرها مفصلة في الفروع التوالية:

  • الفرع الأول: قاعدة فتح وسد الذرائع.

      • أولا- تعريف الذريعة:

         عرفها الإمام الشاطبي في موضعين فقال أولا بأن “حقيقتها التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة”[42]،وقال في الموضع الثاني: “فإنه منع الجائز، لئلا يتوسل به إلى الممنوع”[43].

        ونُقل عن الزركشي قوله: “أن الذرائع هي المسألة التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها إلى فعل المحظور”[44]. ونفسه عند الإمام الشوكاني حيث قال: ” الذريعة: هي المسألة التي ظاهرها الإباحة، ويتوصل بها إلى فعل المحظور”[45].

        وبغض النظر عن كون الأصوليين عندما تكلموا عن الذرائع، فهم يقصدون سد الذرائع أكثر من فتح الذرائع، لأنه هو الغالب عند التنزيل، فمجمل تعريفاتهم للذرائع تكون بمعنى السد للذرائع لا فتحها، “لأن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، تكره وتندب وتباح، فإن الذريعة هي الوسيلة”[46]، فإذا كانت وسيلة الحرام محرمة، فإن وسيلة الواجب واجبة كذلك.

        والحالة هذه، يكون التعريف العام للذرائع سدها وفتحها هو: منع الجائز وإجازة الممنوع، تحقيقا للمصلحة ودرءا للمفسدة عند التنزيل.

      • ثانيا- حكم الذرائع:

        يختلف حكم الذرائع  تبعا لاختلاف أقسامه[47]، بين المنع وعدمه، أو الترجيح بينهما:

1- القسم الأول: أجمعت الأمة على سده ومنعه، ومثاله حفر الآبار في الطرق، فإنه وسيلة إلى إهلاك الناس، وإلقاء السم في الأطعمة وسب الأصنام عند من يعلم أنه ذريعة إلى سب الله تعالى عند سبها.

2- القسم الثاني: أجمعت الأمة على عدم منعه، وأنه ذريعة لا تُسد كالمنع من زراعة العنب خشية اتخاذ عصيره خمرا، والمنع من المجاورة في البيوت خشية الزنا، ولم يقل أحد بمنعها خشية الزنا.

3-القسم الثالث: اختلف فيه العلماء، هل يسد أم لا؟ ومثال ذلك: بيوع الآجال، والنظر إلى النساء، وتضمين الصناع، وحملة الطعام، وغير ذلك.

         وحقيقة الاختلاف المنقول عن العلماء في هذه القاعدة، هو تحقيق المناط في بعض الجزئيات، فإننا إذا تتبعنا الفروع الفقهية عند الأئمة الأربعة، وجدنا أنه لم يخل مذهب من إعمالها على العموم، مع بعض التفاوت بين هذه المذاهب في الأخذ بها في صور معينة. ولهذا نجد الإمام القرافي[48] يقرر أن أصل سدها مجمع عليه، وليس من خواص مذهب مالك. وخلص حسين حامد إلى نفس النتيجة بعدما استعرض فروع كثيرة من اجتهادات الفقهاء في المذاهب الأربعة، ليقرر في الأخير أن “قاعدة الذرائع متفق عليها في الجملة وإنما الخلاف في تحقيق مناط هذه القاعدة في بعض الجزيئات”[49].

      • ثالثا-ضوابط الذريعة:

      لاشك أن ضوابط الذريعة له دور مهم في تجنب منزلق التفريط بالمنع المجمد للشريعة والإفراط في الإذن المعطل لها، وبناء على ذلك لا يمكن التنزيل بناء على سد الذرائع من غير تحقيق في مناط السد والمنع بإعمال ضوابطه[50]، وهي باختصار كالآتي :

الضابط الأول: أن يؤدي الفعل المأذون فيه إلى مفسدة،كما في مسألة سب آلهة الكفار.

الضابط الثاني: أن تكون تلك المفسدة راجحة على مصلحة الفعل المأذون فيه،كبيع الآجال.

الضابط الثالث: أن يكون إفضاء الفعل المأذون فيه إلى المفسدة مقطوعا به، أوغالبا،كبيع السلاح في زمن الفتنة.

الضابط الرابع: أن لا يكون سد الذريعة شاملا عاما لكل صور المحكوم فيه وكل أحواله، بالقدر الذي تزول فيه المفسدة.

      ويمكن إجمال هذه الضوابط  وجمعها في ضابطين مهمين:

الأول؛ ضابط إباحة الذريعة: أن يكون إقصاؤها إلى المفسدة نادرا، أو أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته.

والثاني؛ ضابط منع الذريعة: أن تكون من شأنها الإفضاء إلى المفسدة لا محالة قطعا أو كثيرا، أو أن تكون مفسدة الفعل أرجح، مما قد يترتب على الوسيلة من المصلحة.

      • رابعا-دور الذرائع في فقه تنزيل الأحكام:

        دور الذرائع هو دور الداعم والمساند الأولى للحكم؛ لأنه ينظر إلى نتيجة تنزيل الحكم وثمرة تطبيقه، بما يحقق من نتائج متناغمة مع مقاصد الشارع من تشريعه، “فهو خطة تشريعية مستقبلية، وفقه التنزيل يسعى لوضع خطط يحافظ من خلالها على حسن تنزيل الشريعة على واقع الناس، ليحقق مصالح الخلق”[51].

        ومنه ينظر المكلف إلى مستقبل حياته وأعماله في الدنيا، وإلى المصالح التي سيحققها من أفعالها التي يقصدها، فيسد الطريق الذي يوصل إلى مضرته، ويفتح الطريق الموصل إلى مصلحته.

        كما يجب مراعاة مآلات التنزيل للأحكام في كل واقعة ونازلة، لأن “تغيير الظروف-بما ينشأ عنه من صور أو ممارسات واقعية جديدة-يقتضي اعتبار هذه الصور والممارسات عند تطبيق الأحكام، لاحتمال أن يفضي الحكم الأصلي عليها، إلى ظلم أو فساد أو ضرر، وهذا نقيض ما قام عليه التشريع من العدل.

        وتأسيسا على ذلك، فإذا أثبت التطبيق أن حكما ما، في ظروف معينة، سيكون مناقضا للغاية التشريعية منه، بأن تنتفي المصلحة المترتبة عليه أو تتحقق المفسدة المدفوعة به، “فإن العدل أو المصلحة يقضيان بمنع العمل بالحكم في هذه الظروف، سدا لذريعة الفساد أو الضرر، ودرءا للتناقض الواقع-أو المتوقع-بين جزئي الشريعة وكليّها، إذ الشريعة كلٌ منسقٌ لا تتناقض أجزاؤه”[52].

        وهذا هو الذي يؤكد أهمية فتح الشريعة بشكل عام، في التنزيل للأحكام، لأنها تعد المرحلة التي تلحق التنزيل الآني، لتحافظ على سلامة تنزيل وتطبيق الشريعة بشكل صحيح يحقق مقاصدها ويدرأ مفاسدها.

        ولهذا يكون دور الذرائع في تنزيل الشريعة على واقع الناس الدور المهم الذي “يوثق الأصل العام الذي قامت عليه الشريعة من جلب المصالح ودرء المفاسد، وذلك لأنه يمنع الافتئات على مقاصد الشريعة عن طريق غير مباشر، وذلك باتخاذ وسيلة مشروعة في الظاهر لتحقيق غرض غير مشروع”[53].

        جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنه قال: “كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عم، طلاق الثلاث واحد، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم”[54]، فلما رأى الفاروق رضي الله عنه أن سير المسلمين على الحكم الأول، أدى في زمانه إلى تساهل الناس في الطلاق، عالج الواقع باجتهاد ليحقق بذلك المآل المحمود والمقصود.

         ويشرح ابن القيم هذه الواقعة ويبين أن سيدنا عمر “ألزمهم بالطلاق الثلاث إذا جمعوها، ليكفوا عنه إذا علموا أن المرأة تحرم به، وأنه لا سبيل إلى عودتها بالتحليل، فلما تغير الزمان وبعد العهد بالسنة وآثار القوم، وقامت سوق التحليل، ونفقت في الناس، فالواجب أن يرد الأمر إلى ما كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخليفته من الإفتاء بما يعطل سوق التحليل، أو يقللها، ويخفف شرها، وإذا عرض على من وفقه الله وبصره بالهدى وفقهه في دينه مسألة كون الثلاث واحدة، ومسألة التحليل، ووازن بينهما تبين له التفاوت، وعلم أي المسألتين أولى بالدين وأصلح للمسلمين”[55].

          وهذه الإشارة من ابن القيم توحي أن الاجتهاد في هذه المسألة في زمانه، يقتضي الرجوع إلى إيقاع طلاق الثلاث طلقة واحدة، “لأن الناس اتخذوا إيقاعه ثلاثا ذريعة لرواج سوق التحليل، وهو الزواج من المطلقة بقصد تحليل المرأة لمطلقها، وهو ينافي مقصود الشارع”[56].

         كما أننا نلاحظ اتفاق الاجتهاد بناء على الفهم المقاصدي، “مع الاختلاف في التطبيق بناءا على تغيير وفهم الواقع المعيش، وكيفية تنزيل النصوص على الواقع التطبيقي”[57]. وهذه العقلية التنزيلية الكبيرة التي يملكها ابن القيم رحمه الله هي التي نقصدها.

        والأمثلة كثيرة في هذا الشأن سواء في سد الذرائع  أو فتحها، ولا يمكن التغافل على أي منها في فقه تنزيل الأحكام، لأنه بسد الذرائع وفتحها يكون التكامل في النظرية التنزيلية، من غير طغيان جانب على آخر. فالمسألة عموما محكومة بما هو أصلح لحال المسلمين، وقيام شريعة رب العالمين.

  • الفرع الثاني: قاعدة الحيل.

      • أولا-تعريف الحيل:

        في اللغة: الحيل جمع حيلة[58]: وهي بمعنى: الحَذَقُ في تدبير الأمور وجودة النظر، والقدرة على التصرف. والحيلة الحول من الانقلاب عن الحالة الأصلية؛ يقال حالت القوس واستحالت؛ أي: انقلبت عن حالها واعوجت. والحيلة اسم من الاحتيال، لأن المحتال يقلب الفكر والنظر حتى يهتدي إلى المراد المقصود، والحيال صاحب الحيلة.

         وفي الاصطلاح: “حقيقتها المشهورة تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر”[59].

        وأغلب العلماء يؤكد وجود حيلة حسنة وكما هي قبيحة عند الإطلاق، وذلك يتغير بين الحسن والقبيح بالقصد الذي يسعى إلى تحقيقه المتحايل،كما يقيدون الحيلة بما يتوصل به إلى المحظورات الشرعية، يقول ابن تيمية: “والحيلة ما يكون من الطرق الخفية إلى حصول الغرض، وبحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة، فإن كان المقصود أمرًا حسنًا كانت حلية حسنة، وإن كان قبيحا كانت قبيحة”[60].

        ويقول ابن القيم :“ثم غلب عليها بالعرف استعمالها في سلوك الطرق الخفية التي يتوصل بها الرجل إلى حصول غرضه، بحيث لا يتفطن إلا بنوع من الذكاء والفطنة، وسواء كان المقصود أمرا جائزا أو محرما أو خص من هذا استعمالها في التوصل إلى الغرض الممنوع منه شرعا أو عقلا أو عادة، فهذا هو الغالب عليها في عرف الناس”[61].

        والخلاصة أن التحيل الذي يعتبر قاعدة من قواعد المآل، هو إتيان المكلف لسبب صحيح في الظاهر، لهدم أصل شرعي، أو مناقضة مصلحة شرعية، من إبطال حق أو إسقاط واجب أو تحيل حرام في الظاهر أو العكس. وهو ما عبر عنه الإمام الشاطبي[62] بقلب الأحكام الشرعية .

       وهي بهذا المعنى عبارة عن وسائل شرعية لتحقيق مقاصد معينة، سواء كان القصد موافقا لقصد الشارع في تشريع الحكم، أو كان مخالفا له.

ثانيا-حكم التحيّل وحجية اعتبار قاعدة الحيل:

        إن الحيلة تعني دقة التصرف واستعمال الذكاء في استنتاج الأحكام ومطابقتها لغرض الشارع ومقصده من التشريع، وتعني أحيانا البعد عن مقصده، بل مناقضته، وتعني أيضا “اختيار رأي أو دليل لاستنباط حكم معين عند تعارض الأدلة؛ إما على سبيل الترجيح وإما على سبيل الترخيص والتوسعة على المؤمنين فيما لهم فيه سعة ورفع الحرج عنهم”[63]. ومثاله: كالواهب ماله عند رأس الحول فرارا من الزكاة، فإن أصل الهبة على الجواز، ولو منع الزكاة من غير هبة لكان ممنوعا، فإن كل واحد منهما ظاهر أمره في المصلحة أو المفسدة، فإذا جمع بينهما على هذا القصد، صار مآل الهبة المنع من أداء الزكاة، وهو مفسدة ولكن بشرط القصد إلى إبطال الأحكام الشرعية[64].

        ومثاله كذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم “ولا يُجمع بين مُتفرق، ولا يُفرق بين مُجتمع خشية الصدقة”[65]، لأن الجمع والتفريق جائزان إذا قصد الخليطان مصلحة مشروعة لذلك الفعل، أما إذا كان بقصد إسقاط الزكاة الواجبة أو تقليلها فإن القصد يبطل والفعل يحرم لمخالفته مقاصد الشريعة.

        والحيل في دين  الله غير جائزة، وتجويزها يناقض سد الذريعة مناقضة ظاهرة، وقد ذهب الإمام ابن القيم إلى القول بأنه: “لا يجوز أن ينسب القول بجواز الحيل إلى الإمام، لأن ذلك قدح في إمامته”[66].

       والقاعدة القطعية التي يتأسس عليها بطلان التحليل، فضلا عن استقراء النصوص الشرعية[67]، التي يقطع مجموعها منع التحيل في الشريعة، والتي لا يتسع المجال لذكرها في محل كهذا، وهي من قواعد اعتبار قصد المكلف، وهي أن “قصد الشارع من المكلف أن يكون قصد العمل موافقا لقصده في التشريع، وكل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعلمه في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل”[68].

       ومع ذلك فقد اختلف العلماء في إعمال قاعدة الحيل، على نحو خلافهم في قاعدة الذرائع، وذلك كله راجع إلى الاختلاف في تحقيق مناط القاعدة.

       ومستند هذه القاعدة، هو الاستقراء، فبتتبع الأدلة الجزئية يلاحظ أنها ذات الأدلة التي سيقت لإثبات قاعدة الذرائع وأصل الحيل. وقد استند ابن القيم في تقريره لهذه القاعدة على أصل تعليل الأحكام، حيث قال: “ومما يدل على بطلان الحيل وتحريمها أن الله تعالى إنما أوجب الواجبات وحرم المحرمات لما تتضمن من مصالح عباده في معاشهم ومعادهم”[69].

       فإذا احتال العبد على تحليل ما حرم الله، وإسقاط ما فرض الله، يكون ساعيا في دين الله بالفساد من وجوه، وهذه الوجوه عديدة حصرها ابن القيم[70] في ثلاثة وهي باختصار:

أ- أن الحيلة تبطل ما في الأمر المحتال عليه، من حكمة الشارع، ونقض حكمته تعطيل للشرع وسعي في دين الله بالفساد.

ب- أن الأمر المحتال به ليس له عند صاحبه حقيقة، ولا هو مقصوده، بل هو ظاهر المشروع، فالمشروع ليس مقصودا له، والمقصود له هو المحرم نفسه.

ت- نسبة ذلك إلى الشارع الحكيم وإلى شريعته يعد سعيا بالفساد في الشريعة لأنه يغير حقائق الأحكام.

      وعليه فإن قاعدتي التحليل وسد الذرائع تتحدان في جهة الانتماء في أصل اعتبار المآل؛ لاشتراكهما في مبدأ حظر المأذون المفضي إلى الإخلال بالمقاصد الشرعية، وهذا ما يجعلهما تحققان الهدف نفسه، وإن اختلفت الوسيلة ومجال الاشتغال، فلكل ضوابطه.

      • ثالثا- أقسام الحيل وضوابط منع التحيل:

1- أقسامه:

       اختلف أهل العلم في أقسام الحيل؛  فهذا الشاطبي يحددها في ثلاثة أقسام: باطل وجائز ومختلف فيه[71]، وأوصلها الطاهر بن عاشور إلى خمسة أنواع[72]، كما أوصلها ابن القيم[73]إلى سبعة أقسام بالتفصيل ولخصها في أربعة بالجملة: فالأول عنده أن تكون الحيلة محرمة ويقصد بها المحرم، والثاني أن تكون مباحة نفسها ويقصد به المحرم؛ فيصير حراما تحريم الوسائل، كالسفر لقطع الطريق، وقتل النفس المعصومة. أما الثالث فهو أن تكون الطريق لم توضع للإفضاء إلى المحرم، وإنما وضعت مفضية إلى المشروع  كالإقرار والبيع والنكاح والهبة ونحو ذلك، فيتخذها المتحيِّل سُلمًّا وطريقا إلى الحرام. ثم الرابع وهو أن يقصد بالحيلة أخد حق أو دفع باطل.

         ولذلك فالحيل تدور في نظر ابن القيم حول المقصد، وأصالة الفعل، وتعتريها الأحكام الخمسة؛ “فعل الواجب، وترك المحرم، وتخليص الحق ونصر المظلوم، وقهر الظالم، وعقوبة المعتدي، وتحته التوصل إلى استحلال المحرم، وإبطال الحقوق، وإسقاط الواجبات”[74].

        وانتقال الحيلة من واجب وحرام ومستحب يكون بحسب ما قصد إليه المكلف من الأفعال، فإن “كل تصرف يقصد به العاقد مقصوده الشرعي فهو جائز، وله أن يتوسل به إلى أمر آخر مباح، بخلاف من قصد ما ينافي المقصود الشرعي”[75].

2- ضوابطه:

       أما من حيث الضوابط؛  فإن فقيه التنزيل يحتاج لمعرفة ضوابط اعتبار قصد المكلف -كما سنبين لاحقا-وباعتبار منع التحيل يقوم على النظر في قصد المكلف، عكس سد الذرائع الذي يعول فيه على قوة الإفضاء إلى المآل سواء كان يقصد أو بدون قصد. وعليه يمكن تلخيص ضوابط منع التحيل في ثلاثة[76] وهي:

الأول: أن يكون المعيار في اعتبار مقاصد المكلفين هو مدى موافقتها، أو مخالفتها لمقاصد الشريعة؛

 والثاني: أن يتم الكشف عن حقيقة قصد المكلف من فعله بقرينة قاطعة أو راجحة؛

 والثالث: أن يتعلق حكم اعتبار القصد في حالة الاشتراك في الفعل بذمة صاحبه؛

         فيكون حسن إسقاط الحكم على النازلة منوط بتحقيق مقصد الشارع من وضع الشريعة، والمحافظة على قصد الشارع يستدعي الاعتداد بمآل فعل المكلف.

      • رابعا- قاعدة منع الحيل وأثرها في فقه تنزيل الأحكام:

        أشرنا في مقدمة هذا المطلب، أن النظر في المآلات مطلوب في التنزيل، وتعتبر الحيل إحدى القواعد المبنية على أصل المآلات، ويلجأ إليها المجتهد لتنزيل الحكم الشرعي الملائم على الوقائع.

        والحيل بهذا المعنى يمكن تقسيمها من حيث علاقتها بفقه التنزيل إلى نوعين:

 النوع الأول: تعتبر فيه الحيل وسيلة للهروب من التشريعات والتكليفات فإذا غلب عليها هذا المعنى، فما قصد بذلك لا يجوز ولا يصح تنزيله، لأن ذلك يعارض مبادئ الشريعة لتقرير الأحكام وإثباتها.

         وكذلك إذا كان المقصود من الحيل التعدي على حق الغير، فقد ورد عن الإمام أحمد قوله: “لا يجوز شيء من الحيل في إبطال حق المسلم”[77]. بل اعتبره الإمام الشاطبي[78] عمل خطير على القواعد الشرعية، لأن مآل العمل في الحيل حرم قواعد الشرعية في الواقع، وابتغى تكاليف الشريعة غير ما شُرعت له،  فقد ناقض الشريعة. ووجه المناقضة في ذلك أنه “تعارضت فيه مصلحة الأصل مع مفسدة المآل، فلم تعتبر الأولى واعتبرت الثانية، فكان حكم التحيل المنع ترجيحا لمفسدة المآل على مصلحة الأصل، لكون مفسدة المآل هادمة لمقاصد الشريعة”[79].

النوع الثاني: لا يقصد فيه بالحيل الهروب من التكليفات، وإنما هي تعارض مصالح؛ وفي هذه الحالة ممكن أن نحكمها بقاعدة المصالح والمفاسد، لأن الغالب فيها هو التغير بتغير الظروف والأحوال. فإذا كانت الحيل كذلك فربما تترجح المصلحة في العمل فيها لا بقصد الهدم بل بقصد البناء، فالمتحايل بهذا المعنى نوعان: من صح قصده ومن فسد قصده، ومستند ذلك حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا أحدث أحدكم وهو في الصلاة فليأخذ على أنفه ثم لينصرف”[80]، فكل من أفتى من أئمة المسلمين من الحيل إنما أخذه من هذا الحديث[81]. وعلى هذا القول فإن من الحيل ما هو جائز وموافق لمقصد الشارع، ويصح به التنزيل مع قيام المصالح الراجحة، وبتخلفها لا يصح تنزيل الحكم.

  • الفرع الثالث: مراعاة الخلاف.

      • أولا- تعريف القاعدة:

       عرفت  هذه القاعدة بتعاريف كثيرة؛ نذكر أهمها:

-التعريف الأول: هو إعمال دليل الخصم في لازم مدلوله الذي أُعمل في نقيضه دليل آخر[82]؛

       أو هو إعمال المجتهد لدليل خصمه المخالف في لازم مدلوله الذي أعمل في نقيضه دليل آخر.

-التعريف الثاني: “هو قاعدة ظنية تقوم على إعمال الدليل المرجوح، لتجويز المنهي عنه بعد وقوعه درءا للمفسدة الأشد”[83].

– التعريف الثالث: “هو اعتبار رأي المخالف في الحكم رغم مرجوحية دليله، نظرا لما يلزم عن التقيد بالراجح في بعض الوقائع من مآل ممنوع”[84].

-التعريف الرابع: “هي الاقتراب في النظر من القول المرجوح إذا قوي دليله بقصد الخروج من الخلاف بشروط”[85].

        وأغلب هذه التعريفات وغيرها، تدور حول اعتبار “مراعاة الخلاف” أنها قاعدة تقتضي عمل المجتهد بدليل القول المخالف لاجتهاده والمرجوح في نظره في بعض مدلولاته أو بعض لوازمه.

        وبهذا تكون حقيقة مراعاة الخلاف هي إعطاء كل واحد من الدليلين حكمه، بمعنى “أن الأدلة الشرعية منها ما تتبين قوته تبيينا يجزم الناظر فيه بصحة أحد الدليلين والعمل بإحدى الأمارتين، فها هنا  لا وجه  لمراعاة وجه الخلاف ولا معنى له. ومن الأدلة ما يقوى فيها أحد الدليلين وتترجح فيها أحد الأمارتين قوة ما ورجحانا لا ينقطع معه تردد النفس وتشوفها إلى مقتضى الدليل الآخر، فها هنا تحسن مراعاة الخلاف(…) فهو توسط بين موجب الدليلين. فإذا أخذته هذه المآخذ ذهب التناقض؛ لأنه لو كان يُراعي الخلاف مطلقا لما ثبت له مذهب يوجبه”[86].

         والمشهور أن مراعاة الخلاف أصل من أصول مالك التي بنى عليها كثيرا من المسائل[87]، وهذا مما يدل على أن الإمام مالك راعى الجانب التطبيقي التنزيلي للأحكام بشكل أصولي علمي، وفق ما هو مقرر في كليات الشريعة. كما أن أغلب المذاهب الفقهية راعوا الخلاف وحددوا لذلك شروطا.

      • ثانيا – البعد المآلي لمراعاة الخلاف وضوابطه:

1-البعد المآلي:

اعتبر العلماء -رغم الاختلاف- أن الأخذ بقاعدة مراعاة الخلاف من الورع والاحتياط[88] المطلوب شرعا،  قال عز وجل: “يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن، إن بعض الظن إثم“(الحجرات؛12)، فالله سبحانه وتعالي أمر باجتناب بعض ما ليس بإثم خشية من الوقوع فيما هو إثم، وهذا هو الاحتياط. وقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه أنكر على عثمان بن عفان رضي الله عنه إتمام الصلاة في السفر ثم صلي خلفه متمما،  وقال:” الخلاف شر”[89].

          وأظهر ما تستند إليه حجية “مراعاة الخلاف” هو المضمون المآلي الذي تحمله هذه القاعدة، ولأنه أصل قامت الأدلة على القطع بمشروعيته، يقول الإمام الشاطبي: “والنظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة”[90].

         ومن أقرب الأمثلة على البعد المآلي لهذه القاعدة: حديث البائل في المسجد، قال عنه الشاطبي “فإن النبي صلي الله عليه وسلم أمر بتركه حتى يتم بوله، لأنه لو قطع بوله لنجست ثيابه، ولحدث عليه من ذلك داء في بدنه، فترجح جانب تركه على ما فعل من المنهي عنه على قطعه بما يدخل عليه من الضرر، وبأنه ينجس موضعين، وإذا ترك فالذي ينجسه موضع واحد”[91].

2- الضوابط:

          وللعمل بقاعدة مراعاة الخلاف ضوابط – أربعة – وهي:

– الضابط الأول: أن يكون الخلاف ناتجا عن الأسباب المعتبرة شرعا؛ والخلاف المعتبر سببه إما عدم الإطلاع على الدليل، وهذا لا مدخل له في مراعاة الخلاف في تحقيق المناط. وإما بسبب تعارض أنظار المجتهدين في تحريمهم لقصد الشارع المستبهم بين طرفين، أو أكثر، وهذا هو الذي ترد عليه قاعدة “مراعاة الخلاف”حال تحقيق المناط [92].

– الضابط الثاني[93]: أن يكون مأخذ المخالف قويا، فإنه إذا كان دليل المخالف ضعيفا جدا لا يراعي خلافه، ولو كان القصد إلى تحري الصواب حاصلا.

– الضابط الثالث[94]: وقوع الفعل محل الخلاف؛ عكس ما ذهب إليه البعض باعتبار الخلاف قبل الوقوع في القاعدة، فهذا لا علاقة له بقواعد اعتبار المآل.

– الضابط الرابع[95]: أن يفضي الحكم بالنقض والإبطال إلى مفسدة توازي مفسدة مقتضى النهي أو تزيد، لأنه من غيره لا يحق العدول عن الراجح إلى المرجوح.

      • ثالثا- قاعدة مراعاة الخلاف وعلاقتها بفقه التنزيل الأحكام:

يبين الشاطبي وجه العدل -والذي يعد المبدأ الأصيل في تنزيل الشريعة-في الأصل  التشريعي لأصل مراعاة الخلاف قائلا: “قاعدة مراعاة الخلاف، وذلك أن الممنوعات في الشرع إذا وقعت فلا يكون إيقاعها من المكلف سببًا في الحيف عليه بزائد على ما شرع له من الزواجر وغيرها، كالغضب مثلا، إذا وقع فإن المغضوب منه لابد أن يوفي حقه لكن على وجه لا يؤدى إلى إضرار الغاضب فوق ما يليق به في العدل والإنصاف، لأن العدل هو المطلوب”[96]. فلا يزاد على الزاني مثلا إذا حُدّ بسبب جنايته، لأن ذلك ظلم له، وهكذا في جميع الأمثلة الدالة على منع التعدي.

         ومن هذا يفهم أن الكلام في الغضب و الزنا تمهيد لقياس عليه الكلام في مراعاة  الخلاف، يعلق حسن مشهور بالقول: “إذا كان ما وقع ممنوعًا باتفاق لا يصح أن يكون سببًا للحيف، فما وقع ممنوعا عند المجتهد مخالفًا لغيره في منعه  من باب أولى أن يراعي دليل صحته، وإن كان مرجوحا عند هذا المجتهد، فلا يكون سببًا للحيف، بل ينظر للأمر الواقع وللمآل”[97].

         وجميل بنا التذكير أن مراعاة الخلاف يُنظر إليها من جهتين: الأولى من جهة قبل وقوع الفعل، والثانية من جهة بعد وقوع الفعل.

        وكثيرا ما تختلف المصالح والمفاسد قبل وقوع الفعل عنه بعد الوقوع، وبالتالي سيختلف التنزيل حسب زمان وقوع الفعل. كما يجب مراعاة الخلاف قبل وقوع الفعل وذلك حسب النظر في المآلات وما يترتب على تنزيل الأحكام من مصالح ومفاسد.

        ويتبين من خلال هذا أن أصل مراعاة الخلاف له أثر في تنزيل الأحكام بعد وقوع المكلف في المنهي عنه، غير التنزيل الذي قبل الوقوع، وهذا مما يؤكد أن تنزيل الأحكام يحتاج إلى فقه دقيق يبصر العواقب والمآلات، التي تنتج قبل الوقوع في المنهي وبعده، وما هو الحكم المناسب الذي لا يخالف المقاصد الكلية للشريعة.

         والنتيجة الملاحظة هي أن هذه القاعدة شديدة الارتباط بالجانب التنزيلي للأحكام الشرعية؛ لأن فقه التنزيل يرى جميع الآراء وينزلها على الواقع بما يحقق المقاصد ويتبصر بالمآلات التي لا تعود بالنقص على المقاصد.

خلاصة:

        هكذا يكون النظر في مآلات الأفعال من القواعد الكبرى والضوابط العظيمة لتنزيل أحكام الشريعة على الواقع، فمراعاة  مآل هذه الأحكام عند التطبيق من أهم ركائز الاجتهاد التنزيلي، لأن النظر إلى الثمرة المقصدية هو الذي كان محط عناية واهتمام  من طرف المجتهدين، يقول الشاطبي: “فالمجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، والنظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة”[98].

         وللخوض في اعتبار مآلات الأفعال عند التنزيل اعتمدنا ثلاث  قواعد أساسية بمثابة أصول وضوابط كلية لولوج فقه المآلات وهي؛  قاعدة سد الذرائع وقاعدة منع الحيل وقاعدة مراعاة الخلاف،  واقتصرنا على الثلاثة المذكورة، رغم أن بعض أهل المقاصد  زاد قاعدة الاستحسان  وكذا التحفظ في جلب المصالح بحسب الاستطاعة؛ ونرى أنهما تندرجان في ضوابط المصلحة وليس من ضوابط اعتبار مآلات الأفعال، والله أعلم.

في الحلقة المقبلة سيكون لنا موعد إن شاء الله مع مقاصد فقه التنزيل ووسائله.

…………يتبع ……………


[1] لسان العرب، ابن منظور(مادة: مال). والقاموس المحيط، الفيروز آبادي، (مادة: مال).

[2]الموافقات، الشاطبي، 4/194.

[3]اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات ، عبد الرحمان ابن محمد السنوسي، ص:19.

[4] الاجتهاد- النص – الواقع – المصلحة، الريسوني، ص:67.

[5] ينظر: المصطلح الأصولي عند الشاطبي، فريد الأنصاري، ص:19. ومقاربات في السياسة الشرعية، عبد الكريم بكار، ص:153. وكلها تعريفات استفاد أهلها من تراث الإمام الشاطبي في هذا الأصل.

[6] ينظر: تنبيه المراجع على تأصيل فقه الواقع، عبد الله بن بيه، ص:15. ومنهم من سماه: “الفقه الافتراضي”، ينظر: فقه الواقع وأثره في الاجتهاد، ماهر حصوة ، ص:32-33.

[7] ينظر: فقه المآلات مفهومه وقواعده، العثماني، ص:15.

[8] ينظر: المقتضيات المنهجية، النجار، ص:29-30.

[9]أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قوله تعالى:{أنزله بعلمه والملائكة يشهدون}، برقم 7052.

[10] أحكام القرآن، ابن العربي ، 2/265-266.

[11]تفسير الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، (8/491-492).

[12] إعلام الموقعين، ابن القيم، (5/5).

[13]أحرجه البخاري في كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه، رقم:5628.

[14]فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني،  10/404.

[15]أخرجه  مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الكذب وبيان المباح منه، رقم:2605 واللفظ له. والبخاري في كتاب الصلح، باب ليس الكاذب من يصلح بين الناس، رقم:2692.

[16]العز بن عبد السلام،  قواعد الأحكام في مصالح الأنام؛ 1/124.

[17]قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”يا أيها الناس خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله مادام وإن قل”، أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب الجلوس على الحصير ونحوه، رقم:5524.

[18]مصنف ابن أبي شيبة، كتاب النكاح، من كان يكره النكاح في أهل الكتاب، رقم: 12209. وقال الألباني: إسناده صحيح، إرواء الغليل، 6/301.

[19]اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات، السنوسي، ص:166.

[20]أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من خُص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، رقم: 127.

[21]أخرجه مسلم في صحيحه، المقدمة ، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، رقم: 12.

[22]فتح الباري، ابن حجر، 13/66.

[23] ينظر: تاريخ الرسل والملوك، الطبري، 5/324، البداية والنهاية، وابن كثير، 9/210.

[24]قال عليه الصلاة والسلام: “إن ابني هذا سيّدٌ، ولعل الله أن يُصلح به فئتين عظيمتين من المسلمين” أحرجه البخاري، في الصحيح، كتاب الصلح، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي رضي الله عنه: ابني هذا سيد، رقم:2557.

[25] ينظر: اعتبار مآلات الأفعال وأثرها الفقهي، وليد الحسين، 2/245-272. والتكييف الفقهي، عثمان شبير، ص:107-109. وفقه الموازنات بين النظرية والتطبيق، ناجي السويد، ص:127-128. واعتبار المآلات ومراعات النتائج التصرفات، السنوني، ص:379-395. ومقاصد الشريعة بأبعاد جديدة، عبد المجيد النجار، ص275-282.

[26]أخرجه الترمذي في السنن، كتاب النكاح، باب ما جاء في النظر إلى المخطوبة، رقم:1087، وقال: “هذا الحديث حسن”. وابن ماجة في سننه، كتاب النكاح، باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم:96.

[27]أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمساراة والمناجاة، رقم: 6290، واللفظ له. و مسلم في كتاب السلام، باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه، رقم:2183.

[28]أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصاري، باب المعراج، رقم: 3887. ومسلم في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء وفرض الصلوات، رقم: 164، باختلاف يسير.

[29]فتح الباري، ابن حجر، 8/186.

[30]عن ابن عباس قال :”كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب :”إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضياه عليهم، فأمضاه عليهم”، أخرجه مسلم في كتاب الطلاق، باب طلاق الثلات، رقم:1472.

[31] ينظر: مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة، عبد المجيد النجار،ص:278.

[32] ينظر: التكييف الفقهي للوقائع المستجدة وتطبيقاته الفقهية، محمد عثمان شبير، ص:108.

[33] أورد الشاطبي ثلاثة أدلة اعتبرها أسس بيان جريان أصل اعتبار المآل على مقاصد الشريعة وهي: أن التكاليف الشرعية مشروعة لمصالح العباد في الدنيا والآخرة. وأن مآلات الأعمال إما تكون معبرة شرعا أو تكون معتبرة. وأن المآلات معتبرة في أصل المشروعية. ينظر: الموافقات، 5/178-180.

[34] ينظر: اعتبار المآلات، السنوسي، ص:386. وفقه التنزيل، أيت أمجوض، ص:581.

[35]الاجتهاد التنزيلي، بشير مولود،1/13.

[36]المناهج الأصولية، الدريني، ص:194.

[37] المرجع السابق، ص:194.

[38]فقه التنزيل، المعماري، ص:278-279.

[39] نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، الريسوني، ص:353.

[40]مآلات الأفعال وأثرها في فقه الأقليات، عبد المجيد النجار، بحث مقدم للدورة التاسعة للمجلس الأوروبي للإفتاح والبحوث، باريس، فرنسا، مجلة المجلس، العدد الثالث،جوان 2003م، ص182.

[41]الموافقات، الشاطبي، 4/160.

[42]الموافقات، الشاطبي، 4/199.

[43]المصدر السابق، 3/257.

[44]البحر المحيط، الزركشي، 4/382.

[45]إرشاد الفحول، الشوكاني، 2/193.

[46] الفروق مع هوامشه، القرافي، 2/61.

[47] ينظر: إعلام الموقعين، ابن القيم، 3/165.والموافقات، الشاطبي، 2/348. والفروق، القرافي، 2/32

[48]الفروق،القرافي، 2/33.

[49]نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي، حسين حامد، ص:266.

[50] ينظر: فقه التنزيل، أيت أمجوض، ص:571 وما بعدها.

[51]فقه التنزيل، المعماري، ص:305.

[52] تغير الظروف وأثره في اختلاف الشريعة الإسلامية، محمد قاسم المسني، ص:454.

[53]المناهج الأصولية، الدريني، ص:477.

[54]أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب الطلاق ، باب طلاق الثلاث، رقم:1472.

[55]إعلام الموقعين، إبن القيم،3/59.

[56]فقه الواقع وأثره في الاجتهاد، ماهر حصوة، ص:104.

[57]نفس المرجع، ص:104.

[58] ينظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ومختار الصحاح، الرازي،(مادة:حيل).

[59]الموفقات، الشاطبي،4/21.

[60]الفتاوى الكبرى، ابن تيمية، 6/106.

[61]إعلام الموقعين، إبن القيم، 3/277.

[62]الموافقات، الشاطبي، 2/287.

[63]سد الذرائع ونماذج من تطبيقاته في الفقه الإسلامي، حسين مصطفى خصير، ص:18.

[64]الموافقات، الشاطبي، 4/201.

[65]أخرجه البخاري عن أنس بن مالك، كتاب الزكاة، باب لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع، رقم:1450.

[66]إعلام الموقعين، ابن القيم، 3/141.

[67] ينظر: صور التحايل على الربا وحكمها في الشريعة الإسلامية، سعيد أحمد حوى، ص:54-55.

[68]الموافقات، الشاطبي، 2/151-152.

[69] إعلام الموقعين، ابن القيم،  3/141.

[70] المصدر السابق، 3//143.

[71] ينظر: الموافقات، الشاطبي، 2/387.

[72] ينظر: مقاصد الشريعة الإسلامية، ابن عاشور، ص:356-360.

[73]ينظر: إعلام الموقعين، ابن القيم، 3/373-374.

[74]المصدر السابق، 3/277-278.

[75] الفتاوى الكبرى، ابن تيمية ، 6/180.

[76] ينظر: فقه التنزيل، أيت أمجوض، ص:588.

[77]إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، محمد  بن أبي بكر الزرعي، تحقيق محمد حامد الفقي، 1/339.

[78] ينظر: الموافقات، 2/333.

[79] الاجتهاد التنزيلي، بشر بن مولود، 1/86.

[80]أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الحديث في الصلاة، برقم: 2239، قال شعيب الأرنؤوط: “إسناده صحيح”. وصححه الألباني في صحيح أبي داود، رقم:1114.

[81] ينظر:المستدرك على الصحيحين، الحاكم،1/294.

[82] ينظر: شرح ميارة الفاسي للمالكي على تحفة الحكام، 1/13. إيصال السالك في أصول الإمام مالك، يحيى بن الطالب الولاتي، ص:30. والجواهر الثمينة في بيان أدلة عالم المدينة، حسن بن محمد المشاط، ص:235.

[83] المصطلح الأصولي عند الشاطبي، فريد الأنصاري، ص:503.

[84]قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي عرضا ودراسة وتحليلا، عبد الرحمان الكيلاني،  ص:370.

[85]الاجتهاد بتحقيق المناط وسلطانه في الفقه الإسلامي، عبد الرحمان زايدي، ص:121.

[86]المعيار المعرب والجامع المغرب، أبو العباس أحمد الونشريسي، 38|6

[87]ينظر للتفصيل: الاعتصام، الشاطبي، 6/145.

[88] ينظر: الأشباه والنظائر، تاج الدين السبكي، 1/110.

[89]أخرجه أبو داود في سننه، كتاب المناسك،  باب الصلاة بمنى. والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصلاة،  باب من ترك القصر في السفر غير رغبة في السنة. وقال الألباني :”إسناده صحيح”، السلسلة الصحيحة،1/444.

[90]الموافقات، الشاطبي،  4/140.

[91]الموافقات، الشاطبي،  4/147. والحديث سبق تخريجه، ص:179.

[92]هناك ضابط عام لا بد من الأخذ به حتي لا يغتر كل مفتٍ ومستفت باعتقاد وجوب مراعاة الخلاف في كل ما اختلف فيه الفقهاء؛ وهو كون  القول المرجوح قويا في المسألة وإلا كان العمل بالراجح هو المعمول عليه من غير التفات إلى القول المرجوح. ينظر: الاجتهاد بتحقيق المناط وسلطانه في الفقه لإسلامي، عبد الرحمان زايدي، ص :128.

[93]يقول العز بن عبد السلام: “والضابط في هذا أن مأخذ المخالف إن كان في غاية الضعف والبُعد من الصواب فلا نظر إليه”، قواعد لأحكام في مصالح الأنام، 1/267.

[94]يقول ابن رشد: “على قوة الخلاف تقوى مراعاته”، التاج والإكليل لمختصر خليل، 5/90.

[95]ينظر: فقه التنزيل، أيت أمجوض، ص :624.

[96]الموافقات، الشاطبي، 4/202.

[97] ينظر: هامش الموافقات، تحقيق: مشهور حسن، 10/281.

[98]الموافقات، الشاطبي، 4/140.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.