منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اليهـودية والعهد القديم

اليهـودية والعهد القديم/ الدكتور عبد اللطيف بن رحو

0

اليهـودية والعهد القديم

بقلم: الدكتور عبد اللطيف بن رحو

مقدمة

مما لا شك فيه أن اليهود يعتبرون التوراة من الكتب المقدسة ويسمونها العهد القديم، غير أنها تعرضت للتحريف والتزييف حسب ما يمثل أهواء بني إسرائيل. وشَغَل العهد القديم الكثير من الباحثين، فهو كتاب مقدس في كل من الديانة اليهودية والديانة المسيحية، إلا أن أتباع الديانتين اختلفوا في مضامينه وشروحه، وتعاريفه، وقبل ذلك على نصه الذي تكوَّن بشكل متطور على مدار تاريخ بني إسرائيل القديم.

المطلب الأول: تعريف اليهودية

اليهودية من هاد يهود هوداً وتهودا بمعنى تاب ورجع إلى الحق، لقول موسى عليه السلام إنا هدنا إليك، أي تبنا ورجعنا. وقيل سميت هذه الأمة باليهود نسبة إلى يهودا وهو السبط الرابع من أبناء يعقوب عليه السلام. وقيل إن قرش ملك الفرس هو الذي أطلق عليهم اسم اليهود.

واليهود هم أمة موسى عليه السلام وكتابهم التوراة وهو أول كتاب أنزله الله عز وجل، لأن ما كان ينزل قبل ذلك كان يسمى صحفا روي عن النبي ﷺ “”إن الله خلق آدم بيده وخلق جنة عدن بيده وكتب التوراة بيده.””  [ذكره البيهقي في الأسماء والصفات].

ويسمون أيضا اليهود بالعبريين وسبب تسميتهم بهذا الاسم نسبة إلى عابر، في الحقيقة تحريف لكلمة “habirv” وهي تطلق قبل الميلاد على القبائل الهمجية التي تثير على غيرها من القبائل، وتطلق على اللصوص المرتزقة، والمتخلفون حضاريا.

ومن الأسماء التي عرفوا بها أيضا إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام، واليهود هم من تبعة التوراة والتلمود وتعتقد اليهود أن التلمود هو الروايات الشفوية التي أعطيت موسى عليه السلام، إلى جانب التوراة، إلى جانب كتاب ثالث هو بروتكولات صهيون.

واليهودية تأخذ أتباعها بالتحول كل من كانت أمه يهودية فهو يهودي، وقد ذهب بعض الباحثين أن نسبة التحول تمثل 90%. ويسعى اليهود قدر المستطاع إلى نفي هذا الاضطراب في أسمائهم، فتارة ينتسبون إلى إسرائيل، وتارة إلى يهودا، وتارة إلى عابر، يقول تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ اَ۬لْمُشْرِكِينَۖ﴾ [سورة آل عمران الآية:66].

فاليهود ينقسمون اليوم إلى قسمين: القسم الأول يهود إشكناز وهم يهود أوروبا الشرقية وكانوا محتقرين. والقسم الثاني يهود سفارد وهم يهود آسيا وإفريقيا والأندلس، وقد كانت بيدهم الأمور إلى أن انتزعها منهم الإشكناز في العصر الحديث.

وهناك من يزيد على هذا القسم، قسم ثالث وهم الموساويون الذين ينتسبون إلى موسى عليه السلام.

 المطلب الثاني: العهد القديم

  • الفرع الأول: تعريف العهد القديم

هو التسمية القديمة العلمية لأسفار اليهود، والتوراة جزء من هذا العدد، وقد تطلق التوراة على الكل من باب إطلاق الجزء على الكل من باب، وكلمة توراة معناها الشريعة أو التعاليم الدينية.

والعهد القديم مقدس لكن أسفاره مختلف فيها وغير متفق عليها، فالنسخة الكاثوليكية تزيد سبعة أسفار عن نسخة البروتستانتية. أما اليهود السامرة فلا تؤمن إلا بخمسة أسفار الأولى. والعهد القديم يعبر عنه بكلمة (تنخ) فالتاء تعني توراة موسى، والنون تعني أسفار الأنبياء المتأخرين والمتقدمين، والخاء معناها الكتابات.

  • الفرع الثاني: أقسام العهد القديم

القسم الأول: ويشتمل على خمسة أسفار: سفر التكوين، سفر الخروج، سفر اللاويين، سفر العدد، وسفر التثنية.

القسم الثاني: وتنطوي تحته نوعين من الأسفار، أسفار الأنبياء المتقدمين ويشمل سفر يشوع بن نون، سفر القضاة، صمويل الأول وصمويل الثاني، الملوك الأول والملوك الثاني، الأنبياء المتأخرين، ويشمل سفر أشْعِيع، ارميا، حزقيال، هوشة، يوئيل، عاموس، عبديا، سفر يوناني، سفر ميخا، سفر ناحوم، حبقوق، صبنيا، حجي، زكريا، ملاخي.

القسم الثالث: ويتشعب إلى ثلاثة نوعين: النوع الأول مزامير الأمثال، أمثال سليمان، سفر أيوب، هذه الكتب تسمى بالكتب العظيمة. النوع الثاني يسمى المجلات الخمس ويشمل الأسفار التالية: نشيد الإنشاد، سفر راعوت، سفر مراثي إريا، وسفر الجامعة، وسفر استير.

القسم الرابع: ويشمل سفر دانييل، سفر عزرا، سفر نحميا، سفر أخبار الأيام الأول، سفر أخبار الأيام الثاني. ومجموع هذه الأسفار تسع وثلاثون سفرا، وهي المعتمدة عند الكنيسة البروتستانتية. أما الكنيسة الكاثوليكية تعتمد سفر توبيا، يهوديت، سفر الحكمة، يسوع بن سيراخ، سفر باروخ، سفر المكابيين الأول، والمكابيين الثاني، أما اليهود السامرة فلا يؤمنون إلى بالأسفار الخمسة الأولى، وقد يؤمنون بسفر يشوع نظرا لقربه من موسى عليه السلام.

  • الفرع الثالث: الأسفار المقدسة

1- سفر التكوين: سمي هذا السفر بسفر التكوين لاشتماله خلق العالم وخلق الانسان الأول، كما يشتمل بالإضافة إلى ذلك على قصة الخطيئة التي ارتكبها آدم عليه السلام ونزوله إلى الأرض، ثم حياة أولاده وما جرى بينهم.

كما تتحدث عن قضية الطوفان وكيف استمرت البشرية بعد الطوفان واستمرار الشعوب. ثم قصة إبراهيم عليه السلام وأبناء إبراهيم خاصة إسحاق ويعقوب عليهما السلام، ثم أبناء يعقوب خاصة يوسف عليه السلام، وينتهي السفر بوفاة يوسف عليه السلام.

2- سفر الخروج: سمي هذا السفر بسفر الخروج لأنه يتناول خروج اليهود من أرض مصر، أي قصة اليهود بعد يوسف عليه السلام ومعاناة اليهود من الفراعنة، وظهور موسى عليه السلام، وفيه يتحدث عن الوصايا العشر التي أعطاها الله تعالى لموسى عليه السلام. وفيه أيضا كثير من المسائل التشريعية والتعاليم الدينية الخاصة بالإله “يَافي” أو “يَهُوفا” أو “يهوى” كما أن بالسفر وصف لخيمة الاجتماع التي يجتمع فيها الله مع اليهود، وشغب اليهود بعد غياب موسى عليه السلام، وذلك عندما ذهب لميقات ربه.

3-سفر اللاويون أو الأحبار: نسبة إلى سبط من أسباط يعقوب عليه السلام، ويحتوي على مجموعة من الوصايا والأحكام وكفارات الذنوب، الأطعمة المحرمة، الأنكحة المحرمة، وكذلك الطقوس والأعياد والطهارة.

4-سفرالعدد: سمي بذلك لأن فيه كثير من العدّ والتقسيم لأسباط اليهود وفيه ترتيب لمنازلهم، كذلك فيه حديث عن اليهود في صحراء سيناء كما فيه أيضا الأحكام التشريعية، وتدمر اليهود من اتباعهم موسى عليه السلام، وانحرافهم حول الكثير من الفسوق والعصيان، وكما يتحدث عن الفتاوى الفقهية.

5-سفر التثنية: ويسمى أيضا تثنية الاشتراع بمعنى إعادة الشريعة وفي هذا السفر عرض الوصايا عرضا جيدا كما تحدث عن الأطعمة الحلال والحرام، وفيه نظام القضاء، والملك عند اليهود، وفيه حديث عن النبوة والكهانة وفيه حديث عن انتخاب يشوع بن نون خلفا لموسى عليه السلام وينتهي الحديث بخبر وفاة موسى ودفنه في جبل مُآبْ.

6-سفر يشوع: ينتسب هذا السفر إلى يشوع بن نون، وكان الرجل في بداية حياته خادماً لموسى عليه السلام وكان اسمه آنذاك “هُوشَى” فدعاه موسى يشوع وينص هذ السفر أن يشوع استعمل مختلف الحيل للانتصار على سكان فلسطين ودخولها، ومن هذه الحيل التجسس، وهي موجودة في الاصحاح الخامس والسادس. كذلك في السفر حديث عن غزو فلسطين. أما الإصحاحات الأخيرة فتتحدث عن التنظيم وينتهي السفر بموت يشوع ودفنه بجبل أَفْرَيّيم.

7-سفر القضاة: كان رؤساء اليهود بعد يشوع إلى صموئيل يُسَمون القضاة، وهذا السفر يتحدث عن القضاة العظام مثل القاضي “جِدْعُون” القاضي “يَفْتَاح” القاضي “شمشون” (جاءت في الاصحاح 14و16)، كذلك السفر يتحدث عن ردة اليهود عن الإله الحق “يافي” وعبادة آلهة أخرى كعبادة الحجر والشجر وأن الإله انتقم منهم فسلط عليهم الأعداء وأنزل بهم المصائب، إلى أن آل الأمر إلى صموئيل آخر القضاة عندما شاخ صموئيل عاد الأمر إلى أبنائه، لكنهم لم يكونوا في مستوى القضاة، فطلب شيوخ اليهود من صموئيل أن يعين لهم ملكا، فعين لهم ملكا، وبذلك بدأ عهد الملوك.

8-سفر راعوث: وهو اسم امرأة لأن داود هو أشهر ملوك اليهود وراعوث هي جدة داود ويتحدث السفر عن زواجها ومغامراتها.

9-أسفار الملوك الأربعة: هذه الأسفار تسمى في النسخة الكاثوليكية بأسفار الملوك الأربعة، في حين عند البروتستانتية تسمى بصموئيل الأول والثاني، ومحتوى هذه الأسفار تتحدث عن شاؤول أول ملوك إسرائيل، كما تتحدث عن النبي داود وسليمان عليهما السلام، وتتحدث عن انقسام مملكة إسرائيل للدور الثاني للملوك.

10-أسفار الأخبار الأولى وأسفار أخبار الأيام الثاني: ومحتوى هذه الأسفار لا يختلف كثيراً عن محتوى أسفار موسى عليه السلام، وما جاء في أسفار الملوك.

11-سفر عزرا نحميا: ينسب هذا السفر إلى عزرا الكاهن ويبدو أنه عُزَيْر المذكور في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ اِ۬لْيَهُودُ عُزَيْرُ اُ۪بْنُ اُ۬للَّهِ﴾ [سورة التوبة الآية:30]، السفر يقص علينا بعض الذين نالهم السبي من الآشوريين نحو أورشليم، أما سفر نحميا فهو يكمل سفر عزرا.

12-سفر أستير أو إستر: أستير في سفرهم كانت نبية، حصلت على وعد من إمبراطور فارس “قورش” بالقضاء على أعداء اليهود في مملكته.

13-مزامير داود: أمثال النبي سليمان، وسفر أيوب، سفر نشيد الإنشاد، سفر المراثي، سفر الجامعة. هذه الأسفار يغلب عليها الطابع الأدبي، سواء كان شعرا أم نثرا، وهي تتحدث عن بطولات اليهود بأرض فلسطين والعودة بعد السبي الأول، وحياتهم في إمبراطورية فارس.

14- الأسفار الزائدة: هذه الأسفار تم الاعتراف بها بعد سنة 1546م ولم يكن معترفا بها قبل هذا التاريخ، وبعض هذه الأسفار كبيرة الأهمية لأن بها حقائق تاريخية مهمة، مثل سفر المكابيين الأول وسفر المكابيين الثاني، أما الأسفار الأخرى كسفر يَهُودِيتْ، سفر طُوكْيَا،سفر الحكمة، سفر يسوع بن سراخ، سفر بَارُوخْ، فلا قيمة لها من الناحية السياسية ومن الناحية العقدية.

المطلب الثالث: موقف القرآن الكريم من العهد القديم           

القرآن الكريم لا يعترف إلا بالكتاب المنزل على موسى عليه السلام وما عداها من الأسفار لا يعتبرها. قال تعالى: ﴿أَلَٓمِّٓۖ اَ۬للَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ اَ۬لْحَيُّ اُ۬لْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ اَ۬لْكِتَٰبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِۖ وَأَنزَلَ اَ۬لتَّوْر۪يٰةَ وَالِانجِيلَ﴾ [سورة آل عمران الآيتان: 1-2]. فاليهود أهملوا أجزءاً، وحرفوا أجزءأ أخرى، يقول تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ اَ۬لْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ﴾ [سورة المائدة الآية: 43].

وقال تعالى: ﴿مَثَلُ اُ۬لذِينَ حُمِّلُواْ اُ۬لتَّوْر۪يٰةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ اِ۬لْحِم۪ارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراَۢ بِيسَ مَثَلُ اُ۬لْقَوْمِ اِ۬لذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ اِ۬للَّهِۖ﴾ [سورة الجمعة الآية:5].

في القرآن الكريم ما يوضح أن هذا الكتاب (أي القرآن) يشتمل على الأصول الصحيحة التي جاءت في الكتب السابقة المنزلة من عند الله تعالى، يقول عز وجل: ﴿۞شَرَعَ لَكُم مِّنَ اَ۬لدِّينِ مَا وَصّ۪يٰ بِهِۦ نُوحا وَالذِے أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِۦٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوس۪يٰ وَعِيس۪يٰٓ أَنَ اَقِيمُواْ اُ۬لدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۖ﴾ [سورة الشورى الآية: 11].

وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ اَ۬لْكِتَٰبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اَ۬لْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اَ۬للَّهُ وَلَا تَتَّبِعَ اَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ اَ۬لْحَقِّۖ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاۖ﴾ [سورة المائدة الآية:50].

ذهب بعض المفسرين أن الله تعالى شرع للمسلمين دينا يشتمل على ما جاء به الأنبياء من نوح إلى عيسى عليهما السلام، فالقرآن هو صورة الأخيرة لكتب الله تعالى المتصل السند الصحيح الأصل، الذي يتضمن حاجيات البشر، ومن تم فكل حكم يجب أن يرجع إلى هذا الكتاب الذي يتضمن الباقي من الشرائع ويضعها في الصورة الأخيرة الباقية إلى يوم القيامة. [ من كتاب في ظلال القرآن، لسيد قطب ج/6 ص:66-67].

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.