الجهاد والذكر أيهما أفضل..تدبرات قرآنية
الجهاد والذكر أيهما أفضل..تدبرات قرآنية/ الدكتور خالد البورقادي
الجهاد والذكر أيهما أفضل..تدبرات قرآنية
بقلم: الدكتور خالد البورقادي
يقول الله سبحانه: “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ . وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ . وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ . وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ . قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ . وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ . وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ . وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا . وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ . هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ “(217).
مما ورد في هذه الآيات المباركة التي تتحدث عن القتال، وسرية عبد الله بن جحش، ومشروعية القتال؛ وبيان علة ذلك بقوله سبحانه: “والفتنة أشد من القتل”.
1- مفهوم الجهاد:
وهنا يرد مفهوم الجهاد على المسلم في عصرنا الحاضر؛ هل هو بمعنى القتال؟
والتحقيق: أن مفهوم الجهاد أوسع وأعم من القتال؛ إذ العديد من الآيات القرآنية تشير إلى الجهاد بالمال، والجهاد بالنفس، يقول سبحانه: ” إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) الحجرات.
وفي الحديث: “أفضل الجهاد: كلمة حق عند سلطان جائر”.
يقول الراغب رحمه الله في المفردات: “والجهاد ثلاثة أضرب:
- مجاهدة العدو الظاهر؛
- ومجاهدة الشيطان؛
- ومجاهدة النفس.
وتدخل ثلاثتُها في قوله تعالى: “وجاهدوا في الله حق جهاده”، و”جاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله”، “إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله”. وقال صلى الله عليه وسلم: “جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم” [المفردات]. (رواه أحمد والنسائي وغيرهما).
ومن الأدلة على المعنى الواسع للجهاد قوله تعالى: “فلا تطع الكافرين، وجاهدهم به جهادا كبيرا” الفرقان:52. أي: بالقرآن الكريم.
وجمهور الفقهاء على أن الجهاد فرض كفاية، وإن ذهب بعضهم إلى أنه فرض عين.
ويكون فرض عين عند هجوم الأعداء على بلد مسلم، أو عند استنفار إمام المسلمين لفرد أو طائفة.
ومن مجالات أو أنواع الجهاد: جهاد الكلمة الصادقة المسؤولة- جهاد النفس – جهاد التعليم – جهاد الاقتصاد – وغيرها، ثم القتال، وهو الذي تنصرف إليه أغلب التعاريف الفقهية.
2- الجهاد والذكر أيهما أفضل؟
هذا من الأمور المشكلة؛ فالجهاد ذروة سنام الإسلام، ولكن جاءت نصوص حديثية تفضل الذكر على الجهاد، وهذا مما يشكل على المسلم أحيانا، وقد يسهم في اختلال ميزان الفهم، ويختل سلم الأولويات.
قال الحافظ في فتح الباري 11/ 210 : أخرج الترمذي وابن ماجة وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء مرفوعا: “ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟. قالوا: بلى. قال: ذكر الله عز وجل .” وقد أشرتُ إليه مستشكلا في أوائل الجهاد مع ما ورد في فضل المجاهد أنّه كالصائم لا يفطر وكالقائم لا يفتر وغير ذلك، مما يدل على أفضليته على غيره من الأعمال الصالحة. وطريق الجمع والله أعلم: أن المراد بذكر الله في حديث أبي الدرداء: الذكر الكامل، وهو ما يجتمع فيه ذكر اللسان والقلب؛ بالتفكر في المعنى واستحضار عظمة الله تعالى، وأنّ الذي يحصل له ذلك يكون أفضلَ ممن يقاتل الكفار مثلا من غير استحضار لذلك، وأنّ أفضلية الجهاد إنما هي بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد فمن اتفق له أنّه جمع ذلك كمن يذكر الله بلسانه وقلبه واستحضاره وكل ذلك حالَ صلاته أو في صيامه أو تصدقه أو قتاله الكفار مثلا فهو الذي بلغ الغاية القصوى والعلم عند الله تعالى. وأجاب القاضي أبو بكر بن العربي بأنّه ما من عمل صالح إلا والذكر مشترط في تصحيحه؛ فمن لم يذكر الله بقلبه عند صدقته أو صيامه مثلا فليس عمله كاملا، فصار الذكر أفضلَ الأعمال من هذه الحيثية ويشير إلى ذلك حديث نية المؤمن أبلغ من عمله.
وجه آخر للجمع بين الأحاديث إحكام الأحكام 1/ 163: الأعمال والمفاضلة فيها باختلاف الجواب وقد اختلفت الأحاديث في فضائل الأعمال وتقديم بعضها على بعض. والذي قيل في هذا: إنها أجوبة مخصوصة لسائل مخصوص أو من هو في مثل حاله، أو هي مخصوصة ببعض الأحوال التي ترشد القرائن إلى أنّها المراد. ومثال ذلك: أن يحمل ما ورد عنه صلى الله عليه و سلم من قوله: [ألا أخبركم بأفضل أعمالكم و أزكاها عند مليككم و أرفعها في درجاتكم؟]، و فسره بذكر الله تعالى على أن يكون ذلك أفضل الأعمال بالنسبة إلى المخاطبين بذلك أو من هو في مثل حالهم أو من هو في صفاتهم. ولو خوطب بذلك الشجاع الباسل المتأهل للنفع الأكبر في القتال لقيل له الجهاد، ولو خوطب به من لا يقوم مقامه في القتال ولا يتمحض حاله لصلاحية التبتل لذكر الله تعالى وكان غنياً ينتفع بصدقة ماله لقيل له الصدقة، وهكذا في بقية أحوال الناس؛ قد يكون الأفضل في حق هذا مخالفا للأفضل في حق ذاك بحسب ترجيح المصلحة التي تليق به. وأمّا بر الوالدين فقد قدم في الحديث على الجهاد وهو دليل على تعظيمه.
والقياس يقتضي أنه أفضل من سائر الأعمال التي هي وسائل فإن العبادات على قسمين منها ما هو مقصود لنفسه ومنها ما هو وسيلة إلى غيره وفضيلة الوسيلة بحسب فضيلة المتوسل إليه فحيث تعظم فضيلة المتوسل إليه تعظم فضيلة الوسيلة ولما كان الجهاد في سبيل الله وسيلة إلى إعلان الإيمان ونشره وإخماد الكفر ودحضه كانت فضيلة الجهاد بحسب فضيلة ذلك و الله أعلم.