منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مميزات القصة في القرآن الكريم:

0

للقصة القرآنية أهمية عظمى في الإسلام ،فهي تؤدي ما لا يؤديه غيرها من تربية للنفوس ،وصقل للعقول ولها تتعطش الأفئدة وترق القلوب.

“والقصة نوع من الأدب له جمال، وفيه متعة، ويشغف به الصغار والكبار إذا أجيد إنشاؤه، وأجيدت وساطته وأجيد تلقيه”.[1]

إذا كان هذا بالنسبة للقصة الأدبية والتي هي من نسج البشر، فما بالنا بالقصة القرآنية التي قصها المولى عز وجل على عباده. وللقصص القرآني مزايا تربوية عجيبة وفريدة. يمكن إبرازها في الآتي:

الميزة 1: شد وإيقاظ انتباه القارئ وجعله متابعا لحلقاتها وفصولها لحظة بلحظة :

فللقصة القرآنية أسلوبها المشوق فهي تشد القارئ، وتوقظ انتباهه، دون توان أو تراخ، يتابع أحداثها، بتأمل دائم في معانيها وتتبع لمواقفها، والتأثر بشخصياتها وموضوعها حتى آخر كلمة فيها. “ذلك أن القصة تبدأ غالبا وفي شكلها

الأكمل ،بالتنويه بمطلب أو وعد أو الإنذار بالخطر أو نحو ذلك مما يسمى بعقدة القصة وقد تتراكم قبل الوصول إلى حل هذه العقدة  مطالب أو مصاعب أخرى تزيد القصة حبكا ،كما تزيد القارئ أو السامع شوقا وانتباها وتلهفا على النتيجة ويتابع القارئ اهتمامه بانتظاره لوعد الله تعالى، ويرتقب انتهاء المصائب والمشكلات بتلهف. “أنظر معي على سبيل المثال قصة يوسف وموسى وسليمان عليهم السلام. فهي نموذج مميز لهذه الميزة.

الميزة2: تعاملها مع النفس البشرية في واقعيتها الكاملة:

فالمتأمل في القصة القرآنية يجد أنها تتعامل مع النفس البشرية في واقعيتها الكاملة ،والمتمثلة في إبراز أهم النماذج التي يريد القرآن إبرازها للكائن البشري ،كما يوجه الاهتمام إلى كل نموذج بحسب أهميته .

ومن تلك النماذج ما حكاه الله في قصة إبراهيم عليه السلام وهو يستضيف الملائكة ظانا أنهم من البشر ،حتى إذا قرب لهم العجل ورأى أيديهم لاتصل إليه أوجس منهم خيفة .[2](فلما رأى أيديهم لاتصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لاتخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت وبشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب).[3]

نموذج آخر وهو موسى عليه السلام تتطلع نفسه إلى رؤية ربه كما تتطلع كل نفس بشرية إلى حب الجديد حب الاستطلاع.( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك……وأنا أول المؤمنين).[4]

الميزة 3:تربية العواطف الإيمانية في النفس:

وذلك عن طريق إثارة الانفعالات كالخوف والترقب والارتياح والحب وغيرها ،كل ذلك يثار في طيات القصة بما فيها من وصف رائع ووقائع مصطفاة .وتوجيه هذه الانفعالات حتى تلتقي عند نتيجة واحدة هي النتيجة التي تنتهي إليها القصة .من خلال المشاركة الوجدانية حيث يندمج القارئ مع جو القصة العاطفي حتى يعيش بانفعالاته مع شخصياتها.[5]

الميزة 4: امتزاج العاطفة بالإقناع الفكري :

ومن أبرز أمثلة القصص القرآني التي يتجلى فيها الإقناع الفكري ما حكاه الله تعالى في محاورة خليله إبراهيم لأبيه في شأن الأصنام ،حيث حكى القرآن تلك المحاورة والتي بين فيها أدب الخليل ودماثة خلقه وخفض جناحه لأبيه ،ومبينا زيف عبادة ما لا ينفع ولا يضر بأسلوب عقلي لا يخلوا من عاطفة ،حيث يصدر خطابه بقوله (يا أبت) ويكرر ذلك كلما تجدد الخطاب ،فتأمل ذلك:(واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا  كان صديقا نبيا إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يضر ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا يا أبت إني قد جاءني من العلم ملم يا تك فاتبعني أهديك صراطا سويا يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمان عصيا يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا قال أراغب أنت عن ءالهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا …..).[6] أضف إليها محاورته للنمرود في سورة البقرة.

الميزة 5:الحث على المبادئ والأخلاق الحسنة ،والتحذير من مساوئ الأخلاق:

كما يظهر في قصة ولدي ءادم حيث دعاهما إلى التزام طريق الله تعالى وكراهية إبليس والحذر من غوايته ،وفي قصة نوح ينفر من الجدال والمراء والغرور وينادي بالطاعة والهدى ،وفي قصة يوسف ولوط عليهم السلام يأمر بالعفة والطهر وفي قصة فرعون يبغض الظلم والجبروت والعدوان ،وتستمر القصص على هذا النمط في تقديم القيم الفاضلة وتربية المجتمع والأفراد على التحلي بها والتعامل على أساسها.

الميزة 6: القصة القرآنية سيقت للعظة والعبرة:

لم تذكر القصة في كتاب الله لمجرد الذكر ،أو القراءة أو الاستمتاع أو لبيان بلاغتها وجمالها من الناحية فقط، بل سيقت للعبرة والاتعاظ بما فيها. يقول الله تعالى :(لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى وحمة لقوم يومنون).[7]

فللقرآن الكريم منهج دقيق في عرضه للقصة فهو لا يسوق من القصة إلا ما يتعلق بالغرض الذي سيقت له لتظل الصلة متينة بينها وبين المناسبة الداعية إلى ذكرها ولذلك لا يلتزم القرآن الكريم  سرد حوادث القصة حسب تسلسلها التاريخي ،حتى لا يبتعد بالسامع أو القارئ عن الغرض أو المناسبة لذكر القصة .وإن صبغ القصة القرآنية بروح الموعظة والعبرة، وتدبيجها بالجمل والعبارات الإرشادية …..ويعتبر هذا ذروة عمل تربوي ناجح لا تجده في مظهره الكامل الدقيق إلا في كتاب الله عز وجل.[8]

تلكم هي أهم المميزات التي استطعت الوصول إليها بعد جهد جهيد وقد فاتني الكثير الكثير منها تاركا استدراكها والتعقيب على ما ذكرت لمن يرى في نفسه من الطلبة أهلا لخوض هذا الغمار الماتع الممزوج بروح الاستكشاف والمصحوب بمزالق لمن كانت سجيته التسرع والغفلة فحذار حذار من مقابلة الأعمال الأدبية الخاضعة لسنن وقواعد البشر بسنن وقواعد رب البشر فلا مقابلة ولا مقابلة ولا تطابق……….وهناك مميزات أخرى مرتبطة بصياغة القصة القرآنية وأخرى مرتبطة بمضمون القصة القرآنية (التي ذكرت منها شيئا) فلم يرحمني الزمن ولا زادي الضعيف في الوصول إليها واستكناه معانيها ودلالاتها فحسبي ما ذكرته لكم واستغفر الله مما قد يكون من زلل وخطل اقترفته قريحتي فيما سبق.

 

خاتمة

إن القصة القرآنية من أهم الوسائل التي نهضت بإصلاح الإنسان في شتى مراحله ،وقد لجأ إليها القرآن في الترغيب والترهيب ،وفي شرح أهداف الدعوة وتثبيت العقيدة وفي الدلالة على صدق الرسالة والرسول، وهي الأسلوب الفعال في تربية الإنسان وربط حاضره بماضيه  إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم )صدق الله العظيم.

وما عساي أقول  في الأخير إلا أن اردد قول الشاعر:

وما أبرئ نفسي إنني بشــــــر

أسهو وأخطئ مالم يحمني قـــدر

ومـا أرى عـذراً أولى بذي زلـل

من أن أقول مقراً إننــي بشــر

والحمد له الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

 

 

 

[1]  عبد المجيد عبد العزيز القصة في التربية دار المعارف مصر الطبعة السادسة ص 12

[2]  انظر ابن كثير في تفسيره للآية ج 2ص 122

[3]  سورة هود الآيات 70/71

[4]   سورة الأعراف الآية 143

[5]   حجازي  الوحدة الموضوعية في القرآن م ص 251

[6]   سورة مريم الآيات 41/47

[7]   سورة يوسف الآية111

[8]  محمد سعيد رمضان البوطي منهج تربوي فريد في القرآن دار الفارابي دمشق (د.ت) ص 51  بتصرف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.