منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من مدرسة الإسراء والمعراج هدية النبيﷺ لأمته بعد الرجوع من رحلته الصلاة| سلسلة خطبة الجمعة

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

0

من مدرسة الإسراء والمعراج هدية النبيﷺ لأمته بعد الرجوع من رحلته الصلاة| سلسلة خطبة الجمعة

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

الحمد لله الذي جعل الصلاة رأس العبادات، وفضل جماعتها على سائر الجماعات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الأفعال والأسماء والصفات، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله قدوة المؤمنين والمؤمنات، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الكرام السادات، وعلى التابعين لهم بإحسان ما دامت الأرض والسموات.

أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

قدمنا لكم في الجمعة الماضية أننا في شهر رجب، يحمل إلينا في طياته من السيرة النبوية العطرة ذكريات عظيمة؛ منها معجزة الإسراء والمعراج التي وقعت فيه على المشهور؛ وهي مدرسة نتعلم منها دورسا كبيرة وكثيرة؛ وقد قدمنا لكم منها عدة دروس، واليوم مع درس آخر في هدية الرحلة وهي الصلاة.

ولكن دعونا لننطلق بكم إلى هذا الموضوع من قصة وقعت لسيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-؛ وذلك لما طعنه اللعين أبو لؤلؤة بسيف مسموم فقطع أمعاءه، وهو راكع في صلاة الفجر، فاتته ركعة واحدة؛ لأن النزيف الدموي غلبه حتى خر مغشيا عليه، فلما أفاق قام يقضيها فأغمي عليه، ثم قام فأغمي عليه، وهكذا حتى أتمها، ثم قال كما أخرج الإمام مالك في الموطأ: «ولا حظ فِي الإسلام لمن ترك الصلاة»؛ فصلى وجرحه يَثْعَبُ دما؛ أي: يسيل دما.

هذه القصة تدل على عظمة الصلوات الخمس وعلى وجوب المحافظة عليها مهما كانت الأحوال؛ فلا عذر لمسلم في تركها أو الإخلال بها ما دام يدرك الأشياء بعقله؛ لأنها عبادة شرطها الأساس وجود العقل في الذاكرة، لا تسقط إلا بتعطل إدراك الذاكرة للأشياء من حولها؛ فإذا استطاع المسلم أن يؤديها على أكمل وجهها وفي جماعتها فذلك هو المطلوب اليومي، وإذا لم يستطع لظروف قاهرة فالله تعالى فتح له أبواب الرخص لتسهيل أدائها سدا لذرائع تركها؛ فشرع التيمم بدل الوضوء والغسل، وشرع الصلاة بالجلوس أو بالاستلقاء أو حتى بالإشارة ولو برمش العين بدل القيام والركوع والسجود؛ بل شرع للمجاهدين المحاربين دفاعا عن دينهم وأرضهم وعرضهم أن يصلوا أثناء العمل الحربي رجالا أو ركبانا؛ فلو كان بالإمكان أن يكون لأحد عذر لكان الأولى به هذا المجاهد المحارب في سبيل الله؛ والمحافظة عليها تتحقق بالمحافظة على ستة أمور هي: شروطها، وأركانها، وأوقاتها، وجماعتها، وخشوعها، ونتائجها؛ والله تعالى يقول: {‌حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ}؛ فمن أخل بواحد من الستة فقد ضيعها، والله تعالى يقول: {‌فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا}.

● أولا: المحافظة على شروطها؛ وهي: كل واجب للصلاة قبل الدخول فيها؛ ومنها: استقبال القبلة، وستر العورة، وطهارة الحدث وهي الوضوء والغسل أو التيمم، وطهارة الخبث؛ وهي: إزالة النجاسة عن ثوب المصلي وبدنه ومكانه الذي يصلي فيه؛ فمن صلى لغير القبلة أو مكشوف العورة أو مخلا بالطهارة عمدا من غير عجز ولا نسيان؛ فصلاته باطلة ويستحق العتاب والعقاب وفاته الأجر الثواب.

● ثانيا: المحافظة على أركانها؛ وهي: كل واجب في الصلاة بعد الدخول فيها؛ ومنها: قراءة الفاتحة قراءة واضحة بينة، والاعتدال والاطمئنان في القيام والركوع والسجود؛ فالاعتدال هو الاستواء في الأفعال، والطمأنينة هي السكينة وعدم التسرع؛ فالسرعة في الصلاة تُفقد صاحبَها الاعتدال وتُخل بالطمأنينة؛ وقد شبهه النبيﷺ السرعة فيها بنقر الديك، كما شبه بالثعلب من يلتفت فيها؛ روى الإمام أحمد بإسناد حسن والطبراني عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «أوصاني خليليﷺ بثلاث، ونهاني عن ثلاث: أوصاني بالوتر قبل النوم وصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى، ونهاني عن نقرة كنقرة الديك وإقعاء كإقعاء الكلب والتفات كالتفات الثعلب»؛ فمن أخل بركن من أركانها؛ فصلاته باطلة ويستحق العتاب والعقاب وفاته الأجر الثواب.

● ثالثا: المحافظة على أوقاتها؛ والله تعالى يقول: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}، وروى البخاري ومسلم عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «سألتُ رسولَ اللهﷺ: «أيُّ العملِ أحبُّ إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة لوقتها، قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: بِرُّ الوالدين، قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله»، وإخراج الصلاة عن وقتها من علامات النفاق؛ يقول الله تعالى: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا}؛ فمن أخرج الصلاة عن وقتها وقضاها بعد فواتها؛ فصلاته ناقصة؛ ويستحق العتاب والعقاب وفاته الأجر الثواب.

● رابعا: المحافظة على جماعتها؛ يكفي أن نعلم: من حيث الفوز والثواب أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بخمس أو سبع وعشرين درجة، ومن حيث الخسران والعقاب أن النبيﷺ همَّ وعزم أن يحرق على من عادته التخلف عن الصلاة جماعة منازلهم على رؤوسهم؛ فمن عادته ترك الجماعة والصلاة منفردا من غير ضرورة؛ فصلاته ناقصة؛ ويستحق العتاب والعقاب وفاته الأجر الثواب.

● خامسا: المحافظة على خشوعها؛ والخشوع هو الحضور والتركيز ودوام الشعور والإحساس بأنك أمام الله تعالى تحاوره وتناجيه؛ والخشوع يجعل الصلاة سهلة في الأداء وإن كانت طويلة؛ قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}؛ فمن أخل بخشوعها وتَلَهَّى قلبه عنها وهو في أدائها؛ فصلاته ناقصة؛ ويستحق العتاب وفاته الأجر الثواب.

● سادسا: المحافظة على نتائجها؛ وإنما قيمة الأشياء بنتائجها وفوائدها؛ ونتيجة الصلاة وهدفها، وفائدة وجودها وجَدْواها وجَوْدتها تكمن في إصلاح النفس خاصة، وفي إصلاح الناس عامة؛ والله تعالى يقول: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}؛ وروى أبو داود عن أنس رضي الله عنه: أن النبيﷺ قال: «اللهم إني أعوذ بك ‌من ‌صلاة ‌لا ‌تنفع»؛ وهذ يفيد بأن الصلاة النافعة ليس تلك التي تؤديها فتنقطع صلتك بها؛ بل التي تصاحبك في قرارة نفسك، تحملها أينما كنت معك، توجهك إلى الخير وتحذرك من الشر وأنت قابع في منزلك أو مشتغل في عملك؛ ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «مَنْ لم تأمره صلاته بِالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدَدْ من الله إِلا بعدا» رواه الطبراني في الكبير موقوفا على ابن مسعود وإسناده صحيح؛ فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر؛ فصلاته ناقصة؛ ويستحق العتاب وفاته الأجر الثواب.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين…

الحمد لله رب العالمين…

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ مما جرت به عادات الناس على مر الأزمنة وامتداد الأمكنة أن كل مسافر عند عودته لأهله يصطحب معه هدية ثمينة، يفرحهم بها ويكرمهم بتقديمها؛ تصوروا لو أن أهل مسافر رفضوا هديته وضيعوها ورموا بها في سلة المهملات؛ فكيف يكون حاله؟! وكيف يكون الأسى والندم في قلبه؟!
ألا وإن هدية المصطفىﷺ لأمته، عند عودته في الإسراء من رحلته، هي الصلوات الخمس، فكل الفرائض فرضت بواسطة جبريل عليه السلام إلا الصلاة فقد فرضت بغير واسطة، وهذا يدل على عظمتها؛ فمن العيب بمكان أن نضيع هذه الهدية الثمينة ولا نحافظ عليها؛ فقد أصبحت الصلاة عندنا عادة لا عبادة، نصلي بأجسامنا وأعضائنا، ننحني بظهورنا راكعين ونخر للأذقان ساجدين، ولكن قلوبنا لا تتحرك نحو رب العالمين، ونفوسنا لا تستشعر خوف الله وعظمته، نقرأ القرآن في الصلاة ولكن لا نتدبره، ونسبح ولكن لا نفقه تسبيحنا، نقف أمام شعائر الصلاة ولكننا في الحقيقة واقفون أمام مشاريعنا، أجسامنا في بيوت الله ولكن قلوبنا في بيوتنا ومعاملنا، نذكر الباقيات الصالحات ولكن أرواحنا عند زينة الحياة الدنيا، فالأفكار الدنيوية تتزاحم أثناء الصلاة علينا، والأشرطة تمر بسرعة في أذهاننا، فنتذكر كل شيء إلا شيئا واحدا هو أننا في أداء الصلاة، فكنا كما قال القائل:

فكم مِن مُصَلٍّ ماله مِن صَلاته * سِوَى رُؤية المِحراب والخَفض والرّفع

تراهُ على سَطح الحَصيـرة قائما * وهِمّته فِي السُّوق فِي الأخذ والدّفع

يقول الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}، ويقول سبحانه: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}.

ألا فاتقوا الله عباد الله؛ وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.