الشعر الإسلامي
من إنجاز: وسام دين
لا يزال الأدب يتميز عن باقي الفنون الأخرى بمميزات ووسائل لا توجد في غيره والتي لها تأثير كبير على الوجدان والفكر، وبهذا التميز الذي صار إليه أصبح يشكل خطرا مدمرا للإنسان فهو سيف ذو حدين ان لم يتعامل معه الانسان بحذر شديد، فالخطر الكبير يكمن حينما يسئ الأديب استخدام الأدب فينتج عن ذلك نشر للفساد والكبث والميوعة وغرس للشر والتمرد وجلد القيم فيكون بذلك أداة للهدم والتدمير. إلا أنه حينما يتم استخدامه بشكل حسن فسينشرمن خلاله القيم النبيلة والأخلاق الفاضلة والأفكار التربوية والابداع والثقافة المشعة فيبني بذلك مجتمع يسموا إلى سلالم الرقي والانفتاح والتقدم فيصبح بذلك أدبا إيجابي له موضوع ومعنى ورسالة يبني بها المجتمع ويرفعه للأفاق. وذلك بإبراز الأديب مصداقيته الأخلاقية في العملية الإبداعية من أجل توظيف الأدب لخدمة تعاليم الدين الإسلامي وبيان جماليته عند معالجته لقضايا العصر
فبالرجوع إلى العصور السابقة لوجدنا أن الأدب مزدهر في كل مرحلة من المراحل التاريخية. فنقف أولا في العصر الجاهلي سنجده حافلا بالأشعار والشعراء الذين تمكنوا من البيان وناصية اللغة فقد كانوا في هذا العصر عبدة للبيان قبل الأصنام ولا شك في ذلك فهذا واضح في معلقاتهم وأشعارهم التي تميزت برقي الفكر والمعنى وصدق العاطفة وجزالة الألفاظ وتنوع الأسلوب فكان للشاعر في الجاهلية مكانة رفيعة، ومن كبار شعراء الجاهلية منهم الفرسان ومنهم الصعاليك ومنهم أبناء الملوك وحتى من العبيد ومن أبرزهم: لبيد بن ربيعة ،عنترة بن شداد ،امرؤ القيس، عمرو بن كلثوم، وعروة بن الورد وغير هؤلاء كثر… ثم ننتقل بذلك إلى العصر الإسلامي الذي ضل متمسك بهذا الفن و لم ينقص من قيمة الشعر والادب بل زاد على ذلك رفعة سواء في صدر الإسلام مع شعراء عرفوا ببلاغة اللسان فحسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة شاعران وعلي بن أبي طالب بليغ من أعظم البلغاء وكذلك عمر بن الخطاب وغيرهم …لننتقل بعدها إلى العصر الأموي الذي برز فيه شعراء جمعوا بين المعاني الجاهلية و المعاني الإسلامية فكانوا دواهي الفكر ومن أبرز شعراء العهد الأموي أبو الأسود الدؤلي الذي جمع بين الشعر و النحو و الفقه ولا ننسى شاعر الغزل المتيم قيس بن الملوح الذي اشتهر بحبه العذري لليلي العامرية وأيضا جرير والفرزدق الذي استمر الهجاء بينهما نصف قرن وغيرهم من شعراء العصر الأموي ثم العصر العباسي الذي تميز الشعر فيه برقة العبارات والتجديد في القوافي والأوزان، ومن أبرز شعراء هذا العصر الشاعر الحكيم وأحد مفاخر الأدب العربي المتنبي والبحتري الشاعر الكبير الذي يقال لشعره السلاسل الذهبية وأيضا الأصمعي أحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان وجم غفير غير هؤلاء لا يسعنا ذكرهم ثم العصر الاندلسي الذي يعد من أجمل العصور في تاريخ الأدب حيث ازدهرت الحضارة و تغنى الشعراء و تطور الشعر فظهرت الموشحات فأصبح الشعر موزون ومنظوم ومن أبرز نجوم الشعر في هذا العهد الشاعر ابن زيدون و المعتمد بن عباد وغيرهم… ثم العصر الحديث الذي اتسعت مجالاته فأحمد شوقي شاعر مصري و ابن السراج المراكشي شاعر مغربي عرف بشاعر الحمراء وأيضا سليمان الصولة شاعر سوري فكل بلد له أعلامه من الشعراء.
وعليه فإن الأدب الإسلامي تميز في كل حقبة من الحقب التاريخية بطابع خاص وبسماء مليئة بالنجوم كل نجم خلد قصائد له كانت هذه القصائد ولا زلت تقرأ إلى يومنا هذا. قال أبو العتاهية ((الشعراء نجوم في الثرى دفنت فأيها النجم هبطت عليه شهب)).
كما تميز الأدب الإسلامي أيضا عن الأدب الجاهليـ، كونه أدب واضح متعارض عن الأدب الجاهلي الذي عبر عن العبثة في حياة، فالأدب الإسلامي مسنده رباني لأن الأديب المسلم يعلم جيدا أنه لا عبثية في الحياة مسترشدا لقوله تعالى ((أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون)) المؤمنون الآية 115، فلا يكتسب الأديب هذا الوضوح الا عن حياة يعيشها في عبادة الخالق.
ولقد خص السيد محمد قطب للأدب الإسلامي تعريفا منحه تميزا خاصا حيث قال: هو التعبير الناشئ عن امتلاء النفس بالمشاعر الإسلامية.[1]
فهذا التعريف يبين الوضوح الذي يعكس خصوصية الأمة التي يصدر عنها، مستمد أشكاله وأبعاده من العقيدة الإسلامية.
فالأدب العربي بصفة عامة نضجت وتبلورت أدواته الفنية في الجاهلية ثم استوت على عودها في الإسلام، فها هما الشاعرين المخضرمين عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت يتفعلان مع الإسلام بروح بالغة الرقة وشعور شديد الارهاف فقد نفثا أشعار مشحونة بعواطف متأججة، ومما قاله حسان بن ثابت في رثاء النبي صلى الله عليه وسلم:
- أغرّ، عليه للنّبوّة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهد
- وضمّ الإله اسم النّبي إلى اسمه إذ قال في الخمس المؤذّن أشهد
- وشقّ له من اسمه كي يجلّه فذو العرش محمود، وهذا محمّد[2]
وأيضا عبد الله بن رواحة صاحب تلك النفس التي خاطبها بعدما رأى بعينيه استشهاد جعفر بن أبي طالب وأخد الراية منه في غزوة مؤتة قال:
- أقسمت يا نفس لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهنه إن أجلب الناس وشدوا الرنه
- مالي أراك تكرهين الجنه قد طال ما قد كنت مطمئنه
- هل أنت إلا نطفة في شنه[3]
فكان للإسلام الأثر البارز في تغير الشعر ونقله من طور إلى طور، حيث تأثَّر الشُّعراء بأسلوب القرآن الكريم والحديث الشَّريف فوظفوا الشعر لخدمة الشريعة الإسلامية فتخلّصت أشعارهم من تعقيدات أشعار الجاهلية وثقل ألفاظها.
ومما لا شك فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مهتما بالشعر وقد شجع على قوله ذلك الذي لا يتعارض مع تعليم الدين الإسلامي والذي يكون مجردا من الكذب والإهانة والتهتك لأعراض الناس. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتوق إلى معرفة كيفية جريان الشعر على لسان الشعراء، ولذلك نراه يسأل الشاعر عبد الله بن رواحة: ما الشعر؟ فيجيبه ابن رواحة: شيء يختلج في صدر الرجل، فيخرج على لسانه شعرا[4]
وقد وصل إلينا الكثير من الأحاديث النبوية يتحدث فيها النبي صلى الله عليه وسلم عن الشعر منها ما أورده السيوطي في كتابه أخرج أبو يعلي عن أنس قال: دخل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مكة في عمرة القضاء، وابن رواحة بين يديه وهو يقول: خلّوا بني الكفّار عن سبيله، … اليوم نضربكم على تأويله ضربا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله. فقال عمر: يا ابن رواحة، في حرم الله وبين يدي رسول الله تقول الشعر؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: خلّ عنه يا عمر، والذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل.[5]
ومما يدعم ذلك أيضا ما ذكرته السَّيدة عائشة قوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: “هجاهم حسان فشفى وأشفى” قال حسان هجوت محمدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء.[6]
الأمر الَذي يؤكد قبول النَّبي الكريم للشعر ما لم يخرج عن دائرة تعاليم ديننا الحنيف وما لم يدع إلى القول الفاحش.
كما أن القارئ لكتاب الله سيقف في عدة مواضع على لفظة الشعر والشعراء التي بين الله تعالى فيها مكر المشركين القرشيين حينما أرادوا أن يلصقوا التهمة الباطلة للنبي صلى الله عليه وسلم بعدما سمعوا القرآن وانبهروا به وبأسلوبه المعجز وروعة بيانه فصاروا يتعاطون في الأقوال حتى استقروا على وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالشاعر والقرآن بالشعر فرد عليه عز وجل بآيات بينات تتلى إلى يوم القيامة يقول تعالى ((وما علمناه الشعر وما ينبغي له ۚ إن هو إلا ذكر وقرآن مبين)) يس_69
فقد نفى الله عز وجل هذه الافتراءات التي لفقتها قريش للبني الكريم وتأكيد على أن هذا القول هو كلام الله عز وجل وليس قول الرَّسول العدنان.
وأيضا قوله تعالى ((وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ))
سورة الشعراء_224. فقد ذكر الطبري في تفسيره وهذا استثناء من قوله (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ). وذكر أن هذا الاستثناء نـزل في شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ثم هو لكلّ من كان بالصفة التي وصفه الله بها.
وبالذي قلنا في ذلك جاءت الأخبار.
وعليه فإن القرآن الكريم لم يحارب الشعر لذاته وإنما حارب مناهج الأهواء والزيغ واللهو والمجون التي اتخذها بعض الشعراء منحى في أشعارهم.
وختاما: فإن الأدب الإسلامي أدب مستمد مشروعيته من العقيدة الإسلامية، فتكون بذلك وظيفة الأديب خدمة الدين الاسلامي بأشعار تدعوا إلى الله عز وجل والعمل بالإحسان وإلى نصرة الحق أنى وجد فيكون بذلك ممن استثناهم تعالى ((إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)).
قائمة المصادر والمراجع
- في التاريخ فكرة ومنهاج كاتب سيد محمد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط: 10، 1413هـ.
- تخريج الدلالات السمعية، علي بن محمد الخزاعي، المحقق: د. إحسان عباس الناشر: دار الغرب الإسلامي – بيروت الطبعة: الثانية، 1419 هـ.
- شرح شواهد المغني جلال دين السيوطي، الناشر: لجنة التراث العربي الطبعة: بدون، 1386 هـ – 1966 م
- السيرة النبوية ابن هشام تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الإبياري وعبد الحفيظ الشلبي الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر الطبعة: الثانية، 1375هـ – 1955 م
- مختارات من أجمل الشعر في مدح الرسول الامام البوطي الناشر: دار المعرفة – دمشق الطبعة: الأولى – 1408 هـ
[1] في التاريخ فكرة ومنهاج، ص: 28.
[2] محمد سعيد البوطي، مختارات من أجمل الشعر في مدح الرسول، صفحة 19.
[3] السيرة النبوية (ابن هشام) الصفحة 379 الجزء الثاني
[4] كتاب شرح شواهد المغني جلال دين السيوطي ص 289 ج1
[5] شرح شواهد المغني ص 290 ج1
[6] كتاب، تخريج الدلالات السمعية، علي بن محمد الخزاعي ص 223