مدخل إلى مباحث علوم القرآن
مدخل إلى مباحث علوم القرآن/ حفيظة اسماعيلي
مدخل إلى مباحث علوم القرآن
بقلم: حفيظة اسماعيلي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب تبصرة و ذكرى لأولي الألباب، وصلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي بعثه بالحق، و علّمه الكتاب و الحكمة، ليكون للعالمين نذيرا، و هاديا و نصيرا.
كيفية نزول القرآن:
القرآن الكريم نعمة الله من السماء إلى الأرض، و حلقة الوصل بين العباد و خالقهم، نزل به الروح الأمين، على قلب رسوله الكريم بالحق ليكون للعالمين نذيرا، و هاديا و نصيرا، فوحي الله عز وجل إلى أنبيائه إما أن يكون بغير واسطة أو بواسطة مصداقا لقول الله تعالى: ” و ما كان لبشرٍ أن يُكَلِّمَهُ الله إلا وحْياً أو من وراء حِجابٍ أو يُرْسِلَ رسولاً فيوحي بِإْذنه ما يشاءُ، إِنَّهُ عليٌّ حكيمٌ”.[1]
نزل القرآن الكريم على رسوا الله صلى الله عليه و سلم على عدة طرق، نذكر منها:
– أن يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس و هو أشدُّ ما يكون عليه، كما ثبت عند البخاري عن عائشة رضي الله عنهما أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحيانا يأتيني مثلَ صلصلة الجرس، و هو أشدُّ علي، فيفصم عني، و قد وَعَيْتُ عنه ما قال”، قالت عائشة رضي عنها: و لقد رأيتُهُ ينزِلُ عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفْصِمُ عنه، و إنَّ جبينه ليتصَفَّدُ عرَقاً”[2].
– و قد يأتيه الوحي بصورة رجل يلقي إليه كلام الله، كما في الحديث السابق عند البخاري، و قد سُئِلَ صلى الله عليه و سلم عن كيفية الوحي، فقال: “و أحيانا يتمثل لي الملك رجلاً، فيُكَلِّمُني، فأعي ما أقول”. إن الملك قد تمثَّل رجلا في صورة كثيرة، و لم ينفلت منه ما أتاه به، كما في قصة مجيئه في صورة دُحية الكلبي و في صورة أعرابي، و كلها ثابتة في الصحيح.
– و قد يأتيه الوحي بطريق كلام الله في اليقظة، كما في حديث الإسراء الطويل، الذي رواه البخاري في “صحيحه” و فيه:”فلما جاوزتُ نادى منادٍ: أمضيتُ فريضتي و خففتُ عن عبادي”[3].
تعريف الوحي:
الوحي لغة: الإشارة، و الكتابة، و كل ما ألقيته إلى غيرك، يقال: وحيتُ إليه الكلام و أوحيت: إذا كلَّمته بما تخفيه عن غيره، و الوحي: الإشارة السريعة، و ذلك ن بالكلام على سبيل الرمز و التعويض، و قد يكون بصوت مجرَّد، و بإشارة ببعض الجوارح.
و الوحي مصدر، و مادة الكلمة تدل على معنيين أصليين، هما: الخفاء، و السرعة، و لذا قيل في معناه: الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجِّه إليه بحيث يخفى على غيره، و هذا معنى المصدر، و يُطلقُ و يُرادُ به الموحى، أي بمعنى إسم المفعول.
الوحي اصطلاحا: هو إعلام الله تعالى من يصطفيه من عباده، ما أراد من هداية بطريقة خفية سريعة.
و عرَّفه الأستاذ محمد عبده في رسالة التوحيد بأنه: “عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قٍبَل الله بواسطة أو بغير واسطة، و الأول بصوت يتمثل لسمعه أو بغير صوت، و يُفَرِّق بينه و بين الإلهام، بأن الإلهام: وجدان تستيقنه النفس فتنساق إلى يُطلب على غير شعور منها من أين أتى؟ و هو أشبه بوجدان الجوع و العطش و الحزن و السرور”[4].
الوحي نوعان:
وحي بغير واسطة ملك، مباشر، له وجهان:
– الرؤيا الصالحة: ففي الحديث، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري حدثني سعيد بن المسيّب أن أبا هريرة قال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لم يبق من النبوّة إلا المبشرات، قالوا: و ما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة” [5].
و عن عائشة رضي الله عنها قالت: “ما بُدِئَ به صلى الله عليه و سلّم الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلق الصبح”[6].
و كان ذلك تهيئة لرسول الله صلى عليه و سلم حتى ينزل عليه الوحي يقضة.
التكليم الإلاهي: من وراء حجاب بدون واسطة يقضة، و هو ثابت لموسى عليه السلام، مصداقا لقول الله تعالى: “و لمّا جاء موسى لميقاتنا و كلّمه ربُّهُ قال ربّ أرِني انظرْ
إليك”.[7] و قوله عز وجل:”و كلّم موسى تكليما”.[8]
وحي بواسطة: جبريل أمين الوحي عليه السلام، و هو أفضل لملائكة المقربين من الخالق سبحانه و تعالى، و هو الملاك الوحيد الذي قد أوكل إليه الله تعالى تنزيل الوحي إلى كافة الاأنبياء و المرسلين، فهو الواسطة بين الله سبحانه و بين أنبيائه و رسله،
له ألقاب عديدة، منها: روح القدس و الروح الأمين، و أمين الوحي، و الناموس الأكبر، و شديد القوى. هذا و كان يظهر جبريل عليه السلام في حقيقته النورانية، الصفة الملائكية، و له ستمائة جناح يملأ بها أفق السماء، و أحيانا أخرى يظهر في صفة البشر و قد ثبت أنه ظهر في صفة دحية الكلبي، كما جاء في حديث مراتب الدين، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: ” بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى اله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، و لا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه لى ركبتيه، ووضع كفيه على فخديه، و قال يا محمد، أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: “الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، و أن محمدا رسول الله، و تقيم الصلاة، و تؤتي الزكاة، و تصوم رمضان، و تحج البيت إن استطعت إليه سبيلا” قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله و يصدقه، قال: قال فأخبرني عن ألإيمان، قال: ” أن تِؤمن بالله: و ملائكته، و كتبه: و رسله، و رسله،و اليوم الآخر، و تؤمن بالقدر خيره و شره”، قال صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك”. قال: ” فأخبرني عن الساعة؟ قال: “ما المسؤول عنها بأعلم من السائل”. قال فأخبرني عن أمارتها؟. قال: “أن تلد الأمة ربتها، و أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان”. ثم انطلق، فلبث مليا، ثم قال لي: “ياعمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله و رسوله أعلم، قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم”. [9]
ظروف التنزيل و مكان النزول:
لقد نزل الوحي على النبي محمد صلى الله عليه و على آله، و هو في غار حِراء، و هو الغار الذي كان يتواجد فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم، و يعتكف فيه لعبادة الله تعالى و التفكر في عظمته عز و جل.
قال القاضي أبو بكر مجمد بن الطيب الباقلاني: “إنما يرجع في معركة المكي و المدني إلى حفظ الصحابة و التابعين، و لم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، و إن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ و المنسوخ، فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول”.[10]
و قال ابن مسعود: ” و الذي لا إله غَيْرُهُ ما من كتاب الله سورةٌ إلاّ أنا أعْلَمُ حيْثُ نزَلَتْ، و ما من آية إلا أنا أعْلَمُ فيما أُنْزِلَتْ، و لو أأَعْلَمُ أَحَدًا هو أعْلَمُ بكتابِ اللهِ مِنّي، تَبْلُغُهُ الإبِلُ، لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ”.[11]
لقد عَنِيَ العلماء بتحقيق المكي و المدني، عناية فائقة، فتتبعوا القرآن آية آية، و سورة سورة، لترتيبها وفق نزولها، مراعين في ذلك الزمان و المكان و الخطاب، لا يكتفون بزمن النزول، و لا بمكانه، بل يجمعون بين الزمان و المكان و الخطاب.
قال أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري في كتاب “التنبيه على فضل علوم القرآن”: “من أشرف علوم القرآن علم نزوله وجهاته، و ترتيب ما نزل بمكة و المدينة، و ما نزل بمكة و حكمه مدني، و ما نزل بالمدينة و حكمه مكي، و ما نزل بمكة في أهل المدينة، و ما نزل المدني في المكي، و ما نزل بالجُحفة، و ما نزل ببيت المقدس، و ما نزل بالطائف، و ما نزل بالحديبية، و ما نزل ليلا، و ما نزل نهارا، و ما نزل مفرداً، و الآيات المدنيات من السور المكية، و الآيات المكيات في السور المدنية، و ما حُمِلَ من مكة إلى المدينة، و ما حُمِلَ من المدينة إلى مكة، و ما حُمِلَ من المدينة إلى أرض الحبشة، و ما نزل مُجْملاً، و ما نزل مُفَسَّرا، و ما اختلفوا فيه،فقال بعضهم مدني و بعضهم مكي، فهذه خمسة و عشرون وجها من لم يعرفها و يُمَيِّز بينها لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى”.[12]
اصطلاحات العلماء في المكي و المدني:
التعريف باعتبار المخاطب: أن المكي ما وقع خطابا لأهل مكة، و المدني ما وقع خطابا لأهل المدينة.
التعريف بحسب المكان: أن المكي ما نزل بمكة و لو لعد الهجرة، و المدني ما نزل بالمدينة، و على هذا فما نزل بالأسفار لا يطلق عليه مكي و لا مدني، و يدخل في مكة ضواحيها، كلامنزل بمنًى، و عرفات، و الحديبية، و في المدينة ضواحيها، كالمنزل ببدر، و أُحُد و سَلْع.
التعريف بحسب الزمان: المكي هو ما نزل قبل الهجرة، و المدني هو ما نزل بعدها، سواء نزل بمكة أم بالمدينة،عام الفتح أو عام حجة الوداع، في سفر أو في حضر، عن يحي و روى هذا التعريف، عن يحيى بن سلام البصيري المفسر (2000ه) حيث قال “ما نزل بمكة و ما نزل بطريق المدينة قبل أن يبلغ النبي صلى الله عليه و سلم المدينة، فهو من المكي، و ما نزل على النبي صلى الله عليه و سلم المدينة قبل أن يبلغ النبي صلى الله عليه و سلم المدينة فهو اامكي، و ما نزل على النبي صلى الله عليه و سلم في أسفاره بعد ما قدم المدينة فهو من المدني، و هذا هو التعريف المشهور في كتب علوم القرآن.
ضوابط المكي و المدني:
- ضوابط المكي:
أ – كل سورة فيها “كلّا” مكية، وقد وردت في القرآن ثلاثا و ثلاثين مرة في خمس عشر سورة كلها في النصف الأخير، قال الديريني رحمه الله:
و ما نزلت “كلاّ” بيثرب فاعلمن و لم تأت في القرآن في نصفه الأعلى[13]
فتكررت كأ على وجه التهديد و التعنيف لهم و الإنكلر عليهم بخلاف النصف الأول، و ما نزل منه في اليهود لم يحتج إلى إيرادها فيه لذلتهم و ضعفهم.
ب – كل سورة في أولها حرف المعجم فهي مكية سوى سورة البقرة و آل عمران فإنهما مدنيتان باتفاق، و في سورة الرعد خلاف.
ت – كل سورة فيها قصة أدم و إبليس فهي مكية سوى سورة البقرة.
ج – كل سورة فيها سجدة مكية، سوى سورة الحج، عند من يقول أنها مدنية.
د – كل سورة فيها قصص الأنبياء و الأمم الماضية مكية، سوى سورة البقرة آل عمران
- ضوابط المدني:
أ – كل سورة ذكر فيها الحدود و الفرائض مدنية.
ب – كل سورة فيها ذكر المنافقين و أحوالهم مدنية سوى سورة العنكبوت فإنها مكية، إلا إحدى عشرة آية من صدرها فإنها مدنية، و هي التي ذكر فيها المنافقون.
ج – كل سورة فيها الإذن بالجهاد أو الأمر به و أحكامه و الصلح و المعاهدات فهي مدنية، سوى سورة الحج عند من يرى أنها مكية.
مميزات المكي و المدني:
مميزات المكي:
أ – الدعوة إلى أصول الإيمان الإعتقادية من الإيمان بالله و اليوم الآخر و ما فيه من البعث و الحشر و الجزاء، و الإيمان بالرسل و الملائكة، و إقامة الأدلة العقلية و الكونية و الأنفسية على ذلك، و هذه الثلاثة و أدلتها هي التي يدور عليها غالبا الحديث في السور المكية.
ب – محاجة المشركين و مجادلتهم و إقامة الحجة عليهم في بطلان عبادتهم الأصنام.
ج – الدعوة إلى أصول التشريعات العامة و الآداب و الفضائل الثابتة التي لا تتغير بتغير الزمان و المكان و لاسيما ما يتعلق منها بحفظ الدين و النفس و المال و العقل و النسب.
د – ذكر قصص الأنبياء مع أقوامهم، ليكون في قصصهم عبرة و موعظة لأولي الألباب، لبيان أن دعوة الرسل جميعا واحدة و أنهم جاءوا بالتوحيد الخالص و الإيمان بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر.
ح – قصر أكثر آياته و سوره، و ذلك لنزوله بمكة، و أكثر أهلها يومئذ يمتازون بعلو كعبهم في الفصاحة و البلاغة، و تمكنهم لناصية القول، و الخطابة، و الشعر و بلوغهم الغاية في لطف الحس، و ذكاء العقل، و الألمعية و سرعة الخاطر فكان المناسب لهم النذر القارعة، و العبارات الموجزة، و الفقر القصيرة ذات اللفظ الجزل، و الجرس القوي.
مميزات المدني:
أ – التحدث عن التشريعات التفصيلية و الأحكام العملية في العبادات و المعاملات كأحكام الصلاة و الصيام، و الزكاة، و القصاص، و النكاح، و الطلاق، و البيوع و المداينات، و الربا، و الحدود كحد الزنا، و السرقة، و الكفّارات ككفارة القتل الخطأ، و الطهارة، و الأيمان، إلى غير ذلكما اشتملت عليه السور المدنية كما في سورة البقرة و النساء و المائدة، و النور.
ب – محاجة أهل الكتاب و بيان ضلالهم في عقائدهم التي ضاهوا بها أسلافهم من زائغي الأمم السابقة كقولهم بالتثليت و الإنحاء عليهم بالأئمة لتحريفهم كتبهم و لاسِيَما البشارة بالنبي الأمي المبعوث في آخر الزمان، و تغير بعض الأحكام التي لا تلائم أهواءهم، فاليهود قالوا: عُزَيْرُ ابن الله، و النصارى قالوا: ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
ج – بيان ضلال المنافقين و إظهار فضائحهم و الكشف عن خيبة نفوسهم و إظهار ما بهم من سوء الطباع و الجبن و الهلع و أنهم لا يبتغون إلا عرض الحياة الدنيا و لا يهمهم أمر الإسلام و نصره.
د – قواعد التشريع الخاصة بالجهاد، و حكمة تشريعه، و ذكر الأحكام المتعلقة بالحروب و الغزوات من الصلح، و المعاهدات، و الغنائم، و الفيء، و فك الأسرى.
ح – طول أكثر آياته و سوره، لاشتماله على الأشياء السَّايقة، و هي تقتضي البسط، و الإطناب و إطالة النفس، كما أن أهل المدينة لم يكونوا في درجة أهل مكة في البلاغة و الفصاحة.
ما نزل في السفر:
- ما نزل بالجحفة:
– قوله عز وجل في سورة القصص: “إنَّ الذي فرضَ عليْك القرأن لرادُّك إلى معاد” [14] نزلت بالجحفة، و النبي صلى الله عليه و سلم مهاجر.
- ما نزل ببيت المقدس
– قوله تعالى في سورة الزخرف: “و اسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دونِ الرَّحمن آلِهَةً يُعْبَدُون”[15] نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أُسْرِيَ بِهِ.
- ما نزل بالطائف:
– قول الله تعالى في سورة الانشقاق “إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ” و قال سبحانه: “بَلِ الذين كَفَروا يُكَذِّبون وَ الله أَعْلَمُ بِما يوعون فَبَشِّرْهُم بِعَذابٍ أَلِيم”[16] يعني كُفَّارُ مَكَّةَ.
- ما نزل بالحديبية:
– قول الله عز وجل في سورة الرَّعد:“و هم يَكْفُرون بالرحمن” [17] نزلت بالحديبية.
- ما نزل بالليل:
أكثر القرآن نزل نهارا، أما ما نزل بالليل فقد تتبعه القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري و استخرج له أمثلة منها: أواخر آل عمران، أخرج ابن حبَّان في صحيحه، و ابن المنذر، و ابن مردويه، و ابن أبي الدنيا عن عائشة رضي الله عنها: أن بلالاً أتى النبي يُؤدِّنُهُ لصلاة الصبح فوجده يبكي، فقال: يا رسول الله ما يُبْكيك؟ قال: “و ما يمنعني أن أبكي و قد أُنْزِلَ على هذه اللَّيلة: ( إنَّ في خَلْقِ السَّماوات و الأرضِ و اختلاف اللَّيلِ و النهار لآياتٍ لأولي الألباب) ثم قال: “ويل لمن قرأها و لم يتفكر”.
و منها: آية الثلاثة الذين خُلِّفوا، ففي الصحيحين من حديث كعب: “فأنزل الله توبتنا حين بقي الثلث الأخير من اللَّيل”
و منها: أول سورة الفتح، ففي البخاري من حديث عمر: “لقد نزلت عليَّ اللَّيلة سورة هي أحبُّ إلي مما طلعت الشمس، فقرأ: ” إنَّا فتحنا لمَ فتْحا مُبينا”.
– و قول الله تعالى في أول سورة الحج:“يا أيها النَّاسُ اتَّقوا ربَّكم إنَّ زلزلة الساعة شيءٌ عظيم”[18] نزلت ليلا في غزوة بني المصطلق، و هم حيٌّ من خزاعة، و الناس يَسيرون.
– قول الله عز وجل في سورة المائدة: “و الله يَعْصِمُكَ منَ النَّاس” نزلت في بعض غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، و ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يُحْرَسُ كلَّ ليْلَةٍ.
– عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَحْرُسُ ليلاً، حتى نزل: “و اللهُ يعْصِمُكَ منَ النّاس”[19] فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رَأْسَهُ منَ القُبَّةِ، فقال لهم: “يا أيها الناس انصرفوا فقد عَصَمَني الله”[20]
– و منها قوله سبحانه في سورة القصص: “إنَّكَ لا تهدي مَنْ أَحْبَبْتَ”[21]، قالت عائشة رضي الله عنها نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، و أنا مَعَهُ في اللِّحاف”،[22] و سمَّى بعضهم بالفراشي.
- ما نزل صيفا:
و يمثل العلماء لما نزل صيفاً بآية الكلالة التي في آخر سورة النساء، ففي صحيح مسلم عن عمر: “ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة، و ما أغلظ في شيء ما أغلظ لي فيه، حتى طعن بأصبعه في صدري و قال: يا عمر، ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء” [23]،
– و من أمثلة الآيات التي نزلت في غزوة تبوك، فإنها كانت في الصيف في شدّة الحر، مصداقا لقول الله تعالى: “و قالوا لا تنفروا في الحَر”.[24]
- ما نزل شتاء:
الآيات التي نزلت في غزوة الخندق من سورة الأحزاب حيث كانت شدَّ البرد، أخرج البيهقي في “دلائل النبوة” عن حذيفة قال: “تفرَّق الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب إلا اثني عشر رجلا، فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قم فانطلق إلى عسكر الأحزاب، قلت: يا رسول الله، و الذي بعثك بالحق ما قمت لك إلا حياء، من البرد، فأنزل الله: “يا أيها الذين آمنوا اذكُروا نِعمة الله عليكم إذْ جاءتكم جنودٌ فأرْسَلْنا عليهِم ريحاً و جُنودا لمْ تَرَوْها، و كان الله بما تعملون بصيرا”.[25]
أول ما نزل و آخر ما نزل:
- أوَّل ما نزل:
القول الأوَّل:
أصح الأقوال أن أول ما نزل من القرآن، هو قول الله تعالى: “اقْرَاْ باسْمِ رَبِّكَ الذي خَلَقْ، خلقَ الإنسانَ مِنْ علَق، اقرأْ وَ رَبُّكَ الأكْرَم، الذي عَلَّمَ الإنسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ”. [26]
و يدل عليه ما رواه الشيخان و غيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: “أول ما بُدِئَ به رسول الله صلى عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يأتي حِراء، فيتحنث فيه اللّيالي ذوات العدد و يتزوَّدُ لذلك ثم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها فتُزَوِّدُهُ، حتى فاجأه الحقُّ و هو في غار حِراء، فجاءه الملك فيه فقال: إقرأ، قال رسول الله صلى عليه وسلم: فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني فقال: إقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطّني الثانيُة حتى بلغ مني الجَهْد ثم ارسلني فقال: إقرأ، فقلت: ما أنا بفارئ، فغطَّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: “إقرأ باسْمِ رَبِّكَ الذى خَلَق” حتى بلغ
“ما لم يَعْلم” فرجع بها رسول الله صلى عليه وسلم ترجف بوادره”[27]
القول الثّاني:
قيل أن أول ما نزل هو قول الله تعالى: “يا أيُّها المُدَثِّر” لما رواه الشيخان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت جابر بن عبد الله: أي القرآن أنزل قبل؟ قال: “يا أيها المُدَثِّرُ”، قلت: “اقرَا باسم ربكَ”؟ قال: أحدثكم ما حدثنا به رسول الله صلى الله عليه و سلم: “إني جاورت بحرا، فلما قضيت جواري نزلت فاستنبطت الوادي، فنظرت أمامي و عن يميني و عن شمالي، ثم نظرت إلى السَّماء، فإذا هو – يعني جبريل – فاخذته رجفة فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني، فأنزل الله: “يا أيها المدثر قمْ فَأَنْذِر”.[28]
ولقد بيَّنَ جابر رضي الله عنه أن سورة المدثِّر نزلت بكاملها قبل نزول تمام سورة إقرأ، و يؤيد هذا ما في الصحيحين عن أبي سلمة عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو يحدّث عن ترة الوحي، فقال ي حديثه: “بينا أنا امشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا بالملك الذي جاءني بحرا، جالس على كرسي بين السماء و الأرض، فرجعت فقلت: زمِّلوني، دثِّروني، فأنزل الله:”يا أيها المدثر”
و قد استخرج جابر ذلك باجتهاده فتُقُدِّمَ عليه رواية عائشة، و يكون أول مانزل من القرآن على الإطلاق:”إقرأ” أول ما نزل للنبوة، و أوَّل سورة نزلت كاملة، بعد فترة الوحي “يا أيها المدثر ” و هي أول ما نزل للرسالة.
القول الثالث:
و قيل أن أوّل ما نزل سورة الفاتحة، و قيل “بسم الله الرحمن الرحيم ” و البسملة تنزل صدرا لكل سورة، لما رُوِيَ عن طريق أبي اسحاق عن أبي ميسرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الصوت انطلق هاربا، و ذكر نزول الملك عليه و قوله: قل” الحَمْدُ لله رَبِّ العالمين “…إلى آخرها. [29]
القول الرابع:
أن أول ما نزل من القرآن الكريم البسملة ” بسم الله الرحمن الرحيم “
و الأقرب إلى الصّواب من خلال أدلة القائلين بأن أول ما نزل من القرآن الكريم، آيات العلق هي التي نزلت في بداية الوحي، و أن آيات المدثر أول ما نزل للتبليغ، و الفاتحة أول ما نزل من السور.
- آخر ما نزل:
وردت أقوال كثيرة منها:
القول الأول:
قيل أخر ما نزل آية الربا، لما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: “و آخر آية نزلت آلربا” و المراد بها قول الله تعالى: ” يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و ذروا ما بقي من الربا “[30]
القول الثاني:
لما رواه النسائي و غيره عن ابن عباس و سعيد بن جبير، آخر ما نزل من القرآن الكريم قول الله تعالى: ” و اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله”.
القول الثالث:
آخر ما نزل آية الدَّين، لما روي عن سعيد بن المسيب: “أنه بلغه أن أحدث القرآن عهدا بالعرش آية الدَّيْن” و المراد بها: “يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مُسَمًّى فاكتبوه”.[31]
القول الرابع:
آخر ما نزل آية الكلالة، فقد روى الشيخان عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت قول الله تعالى: “يَسْتَفْتونَك ٌقُل الله يُفتيكم في الكلالة “ [32] و حملت الآخرية هنا في قول البراء، على أنها مقيدة بالمواريث.
القول الخامس:
في المستدرك عن أُبَيْ بنِ كعب قال: آخر آية نزلت:”لقد جاءكم رسول من أنفسكم “[33]
و حمل على أنها آخر نزلت من سورة براءة.
القول السادس:
آخر ما نزل سورة المائدة، لما رواه الترمذي و الحاكم في ذلك عن عائشة رضي الله عنها، و أُجيب بأن المراد آخر سورة نزلت في الحلال و الحرام، فلم تُنْسَخ فيها أحكام.
القول السابع:
آخر ما نزل، لما أخرجه مردويه من طريق مجاهد عن أمُّ سلمة أنها قالت: “آخر آية نزلت هذه الآية: “فاستجاب لهم ربهم أني لا أُضيعُ عمَلَ عاملٍ منكم من ذكر أو أنثى، بعضكم من بعض”[34] و ذلك أنها قالت: يارسول الله أرى الله يذكر الرجال و لا يذكر النساء فنزلت:”و لا تتمنوا ما فضّلَ الله به بعضكم على بعض” [35]،
و نزلت: “إن المسلمين و المسلمات”.[36]
القول الثامن:
آخر ما نزل الآية: “و مَنْ يَقْتُل مُؤْمِنا متعمِّدا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالدا فيها و غضب للهُ عليه و لعنه وأَعَدَّ لهُ عذابا عَظيما”[37] لما أخرجه البخاري و غيره عن ابن عباس قال:هذه الآية هي آخر ما نزل و ما نسخا شيء، و التعبير بقوله: “و ما نسخها شيء” يدل على أنها آخر ما نزل في حكم قتل المؤمن عمدا.
القول التاسع:
و أخرج مسلم عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت:”إذا جاء نصر اللهِ و الفَتْحُ ” و حُمِلَ ذلك على أن هذه السورة آخر ما نزل مُشْعِرا بوفاة النبي صلى الله عليه و سلم.
أما قول الله تعالى: “اليوم أكْمَلْتُ لكم دينكم و أتْمَمْتُ عليكم نِعْمَتي و رضيت لكم الإسلام دينا” [38] فإنها نزلت بعرفة عام حجة الوداع، و يدل ظاهرها على إكمال الفرائض، والأحكام.
أحوال النزول:
نزول القرآن جملة واحدة و منجما:
يقول الله تعالى في كتابه العزيز: “شهْرُ رمضانَ الَّذي أُنْزِلَ فيه القرآن هُدًى للناسِ و بَيِّنات من الهُدى و الفُرْقان”.[39]
و يقول الله عز وجل: “إنا أنْزَلْناهُ في ليلة القدر”.[40]
و يقول سبحانه و تعالى: “إنا أنْزلْناه في لَيلة مباركةٍ”.[41]
نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة، و لقد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من السماء الدنيا إلى الأرض في ثلاث و عشرين سنة،
عن ابن عبَّاس قال: “أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ثمَّ أُنْزِلَ بعد ذلك في عِشرين سنة، ثم قرأ: “و لا ىيأتونك بمثلٍ إلاّ جئناكَ بالحق و أحْسَنَ تفسيرا”[42]
“و قرآنا فرقناه لتقرأهُ على الناس على مُكْثٍ و نزَّلناهُ تنزيلا”.[43]
و في رواية لابن عباس:”فُصِلَ القرآن من الذكر فَوُضِعَ في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم”.[44]
في رواية أخرى لابن عباس رضي الله عنهما: ” أُنْزِلَ القرآن في ليلة القدر قي شهر رمضان إلى سماء الدنيا جملة واحدة، ثمَّ اُنْزِلَ نجوما”.[45]
و قد اختلف العلماء في كيفية إنزاله من اللوح المحفوظ على ثلاثة أقوال:
- القول الأوَّل:
إنَّهُ نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك مُنَجَّماً في عشرين سنة، و ثلاث و عشرين، أو خمس و عشرين، على حسب الخلاف في مدَّة إقامة النبي صلى عليه و سلم بمكة بعد البعثة.
- القول الثاني:
إنه نزل إلى سماء الدنيا في عشرين ليلة القدر، أو ثلاث و عشرين، أو خمس و عشرين، في كل ليلة ما يُقَدِّرُ الله إنزله في كل سنة، ثم نزل بعد ذلك مُنجَّماً في جميع السنة.
- القول الثالث:
أنه ابتدئ إنزاله في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجَّما في أوقات مختلفة من سائر الأوقات، و به قال الشعبي، قال ابن حجر في شرح البخاري و الأول هو الصحيح و المعتمد.
السر في نزول القرآن جملة ثم منجما:
نزول القرآن جًملة إلى السّماء الدّنيا فيه تعظيم لشأن القرآن، و تكريم لشأن من أًنزِلَ عليه، إذْ كان في ذلك إيذانُ لأهل السماوات السبع أنّ القرآن هو خاتم الكتب السماوية المنزّلة على خير الخلق محمد صلى الله عليه و سلم.
و من الحكم في نزول القرآن جملة ثم منجما نجمل ما يلي:
الحكمة الأولى – تثبيت فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم:
يقول الله تعالى: “كذلكَ لِنُثَبِّتَ به فؤادكَ، و رتلناه ترتيلا”، [46] فكان الوحي يتنزل على رسول الله صلى فترة بعد فترة، بما يُثَبِّتُ قلبه على الحق، و يُشحذ عزمه للمضي قُدُماً في طريق دعوته صلى الله عليه وسلم، لا يبالي بظلمات الجهالة التي يواجهها من قومه.
الحكمة الثانية – التحدي و الإعجاز:
تمادى المشركون في غيِّهم، و بالغوا في عتوِّهم، و كانوا يسألون أسئلة تعجيز و تحد يمتحنون بها رسول الله صلى الله عليه و سلم في نبوَّته، و أسئلتهم عن الساعة،قال الله تعالى: “يسألونَكَ عن السَّاعة”،[47] فيتنزل القرآن بما يبيِّن وجه الحق لهم، و بما هو أوضح معنى في مؤدى أسئلتهم، قال الله تعالى:” و لا يأتونك بِمَثَلٍ إلا جِئناكَ بالحقِّ و أحسَنَ تفسيراً”،[48] فالله جل و علا يأتيهم بالجواب الحق، و بما هو أحسن معنى من أسئلتهم الباطلة. كما بين الله عجز الكفار في الإتيان يمثل القرآن منجما و هذا هو الإعجاز، ففي حديث ابن عباس عن نزول القرآن: “فكان المشركون إذا أحدثوا شيئا أحدث الله لهم جوابا”.[49]
الحكمة الثالثة – تيسير حفظ القرآن و فهمه:
لقد نزل القرآن الكريم على أمة أمية لا تعرف القراءة و الكتابة، لا علم لها بالكتابة و التدوين، فتحفظ و تفهم، فلو نزل القرآن جملة واحدة ما استطاعت الأمة أن تحفظه و تفهم معانيه و تتدبر آياته، فكان نزوله مفرقا خير معين على حفظه في الصدور و فهم آياته، فكلما نزلت آيات حفظها الصحابة، و تدبروا معانيها، عن أبي نضرة قال: “كان أبو سعيد الخدري يعلِّمنا خمس آيات بالغداة، و خمس آيات بالعشي، و يُخبر أن جبريل نزل بالقرآن خمس آيات خمس آيات”[50]،و عن خالد بن دينار قال: “قال لنا أبو العالية: تعلَّموا القرآن خمس آيات خمس آيات، فإن النبي صلى الله عليه و سلم كان يأخذه من جبريل خمسا خمس” [51].
الحكمة الرابعة –مسايرة الحوادث و التدرج في التشريع:
كلما نزلت حادثة بين الناس نزل الحكم فيها فيجلي لهم صبحها و يرشدهم إلى الهدى، و يضعُ لهم أصول التشريع حسب المقتضيات، فقد تناول القرآن أدِلَّت التوحيد، و أصول الإيمان بالله تعالى و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر، و بالقدر خيره و شرِّه، و كان يأمر بمحاسن الأخلاق التي تزكو بها النفس و يستقيم عوجها، و بين الحلال و الحرام، فشرعت الصلاة و الزكاة.
الحكمة الخامسة – الدلالة القاطعة على أن القرآن الكريم تنزيل من حكيم حميد:
إن هذا القرآن الذي نزل منجَّماً في أكثر من عشرين عاما محكم النسج، دقيق السبك، مترابط المعاني، رصين الأسلوب، متناسق الآيات و السور،لم يُعْهَد له مثيل في كلام البشر مصداقا لقول الله تعالى:”كتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ مِنْ لَدُن حميك خبير” [52]. و قوله عز وجل: “قل لئِن اجتمعَتِ الإنسُ و الجِنُّ على أنْ يأْتوا بِمِثْلِ هذا القرآنِ لا يأتونَ بِمِثْلِهِ و لَوْ كان بَعْضُهُم لِبَعضٍ ظَهيراً”[53].
ما نزل مُشَيَّعاً:
– سورة الأنعام نزلت مرة واحدة، شيَّعها سبعون ألف ملك.
– سورة فاتحة الكتاب، شيَّعها ثمانون ألف ملك.
– آية الكرسي، و سورة يونس شَيَّعها ثلاثون ألف ملك.
– آية: ” و اسْأل مَنْ أرْسَلنا مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِن دونِ الرحمن آلِهَةً يُعْبَدون” [54]شيَّعَها عشرون ألف ملك.
كتابة القرآن الكريم و جمعه و ترتيب سوره:
جمع القرآن:
1 – جمع القرآن في عهد رسول لله صلى الله عليه وسلم:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مولعا بالوحي، يترقب نزوله بشوق، فيحفظه و يفهمه، مصداقا لقول الله تعالى: “إنَّ علينا جمْعَهُ و قُرآنَهُ” [55] فكان بذلك أوَّلُ الحفَّأظ، شغفا بأصل الدين و مصدر الرسالة، و قد أورد البخاري في صحيحه بثلاث روايات سبعة من الحفاظ، هم: عبد الله ابن مسعود، و سالم بن معقل مولى أبي حذيفة، و معاذ بن جبل، و أبي بن كعب، و زيد بن ثابت، و أبو زيد بن السكن، و أبو الدّرداء.
و كان بعض الصحابة يكتبون ما ينزل من القرآن ابتداء من أنفسهم دون أن يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم، فيخطونه في العسب، و اللحاف، و الكرانيف، و الرقاع، و الأقتاب، و قطع الأديم، و الأكتاف، عن زيد بن ثابت قال: ” كُنا عند رسول الله صل الله عليه وسلم نُؤَلِّف القرن من الرقاع”[56].
كان جبريل يعارض رسول الله صل الله عليه ويلم بالقرآن في ليالي رمضان، عن عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس و كان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، و كان يلقاه جبريل في ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة”[57].
كما كان الصحابة يعرضون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لديهم من القرن حفظا و كتابة.
قُبِضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم و القرن محفوظ في الصدور، و مكتوب في الصحف، مفرَّقَ الآيات و السور، مرتَّبَ الآيات فقط و كل سورة في صحيفة على حدة، بالأحرف السبعة، لم يُجْمَع في مصحف، حيث كان الوحي ينزل تباعا فيحفظه القرّاء، و
يكتبه الكتبة، و كان النبي صلى عليه وسلم يترقب نزول الوحي من حين لآخر.
2 – جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه:
عن زيد بن ثابت قال: “أرْسَلَ إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بقرَّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرَّاء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، و إني أريد أن تأمر بجمع القرآن، قفلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى عليه وسلم؟ قال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، و رأيتُ في ذلك الذي رأى عمر – قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك، و قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرن فاجمعه، فوا الله لو كلَّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صل الله عليه وسلم؟ قال: هو و الله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر و عمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب و اللِّخاف و صدور الرجال، و وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الآنصاري، لم أجدها مع غيره، “لقد جاءَكُم رسولٌ مِنْ أنفُسِكُم”[58] حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفَّاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر”[59].
ملاحظات ترتبط بالجمع الثاني:
أن زيدا كان يلي كتابة الوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، و أنه لم متهما في دينه، فقد كان معروفا بشدة الورع و الثقة و الأمانة، و أنه كان حافظا للقرآن الكريم عن ظهر قلب، و كان حفظه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
و قد روعي في عملية الجمع المحفوظ و المسطور.
لا تقبل القراءة من أحد إلا بشاهدين، قال أبو بكر لعمر بن الخطاب و زيد بن ثابت: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكم بشاهدين عل شيء من كتاب الله فاكتباه.
نال عمل زيد بن ثابت الصفة الجماعية إذ شارك الصحابة بحفظهم و مكتوباتهم و شهادتهم ثم بإجماعهم على هذا العمل فلم يعترض أحد.
عن علي رضي الله عنه أنه قال: “رحمة الله على أبي بكر، كان أعظم الناس أجرا في جمع المصاحف، و هو أول من جمع بين اللوحين”[60].
3 – جمع القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه: “أنَّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، و كان يغازي أهل الشام في أرمينية و أذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود و النصارى،فلأرسل عثمان إل حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إلبك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان – فأمر زيد بن ثابت، و عبد الله بن الزبير، و سعيد بن العاص، و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، و قال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم و زيد بن ثابت في شئء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إل حفصة، و أرسل إلى كل ُأفُق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف، أن يُحْرَق”.[61]
ملاحظات على الجمع الثالث:
– عدد المصاحف المرسلة إلى الأمصار، منهم من قال سبعة، و بعضهم قال خمسة و آخرون قالوا أربعة.
– تدبير الاختلاف بين أعضاء اللجنة ” إذا اخْتَلَفْتُم أنتم و زَيْدُ بنُ ثابِتٍ في شيءٍ مِن القرآن فاكْتُبوهُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ” ,
– الصحف التي جمعها زيد بن ثابت رضي الله عنه في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه أساسا في نسخ المصاحف حيث أمر عثمان بن عفان رضي الله عنه بإحضارها من حفصة بنت عمر أم المؤمنين حيث قال لها: “أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك”.
– دواعي الجمع كانت لكثرة الاختلاف في وجوه القراءة و ليس خشية ذهاب القراءة في الجمع الثاني،
– عملية الجمع اقتضت لجنة تحت إشراف مباشر لعثمان بن عفان رضي الله عنه.
ترتيب الآيات و السور:
ومعنى تأليف القران من الرقاع الوارد في حديث زيد “ترتيب السور والآيات وفق إشارة النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيفه “. فأما الآيات في كل سورة ووضع البسملة أوائلها فترتيبها توقيفي بلا شك، ولا خلاف فيه، ولهذا لا يجوز تعكيسها، ويستدل على ذلك بما أخرجه البخاري عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان: “والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا” [62] قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها؟ المعنى: لماذا تثبتها بالكتابة أو تتركها مكتوبة وأنت تعلم بأنها منسوخة، قال: يا ابن أخي، لا أُغير شيئا من مكانه، فعثمان لا يجرؤ على تغيير آية من مكانها، ولو ثبت له أنها منسوخة، لأنه يعلم أن ليس له و لا لغيره دخل في ترتيب آيات القران بعد أن وقف جبريل رسول الله على ترتيبها، ووقف رسول الله بدوره كتبة الوحي على ذلك، أخرج أحمد بإسناد حسن عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ شخص في بصره ثم صوبه ثم قال: أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة: ” إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى” إلى آخرها…[63]
اختلاف العلماء في ترتيب السور إلى عدة أقوال:
القول الأول، أنه جاء توفيقي من عند الله تعالى، فكان القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، مرتب السور، كما كان مرتب الآيات على هذا الترتيب الذي لدينا اليوم، و هو ترتيب مصحف عثمان بن عفان الذي لم يتنازع أحد من الصحابة فيه مما يدل على عدم المخالفة و الإجماع عليه.
القول الثاني: إن ترتيب السور ليس توفيقي، بل هو اجتهاد الصحابة، و دليل أصحاب هذا القول: اختلاف المصاحف، و أن كل واحد كان له مصحف مختلف في الترتيب، فمثلا مصحف “سيدنا علي بن أبي طالب” كان مرتَّبا على حسب نزول السور، أوله: إقرأ، ثم المدثر، ثم ن و القلم ثم المزمل و هكذا… إلى آخر المكي و المدني، و كان أول مصحف ابن مسعود: البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران.
و قال جماعة من العلماء: إن بعض السور ترتيبه جاء بتوقيف من الله تعالى، و البعض الآخر اجتهد فيها الصحابة، حيث ورد ما يدل على ترتيب بعض السور في عهد النبوة، فقد ورد ما يدل على ترتيب السبع الطوال و الحواميم و المفصَّل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
خلاصة القول في ترتيب الآيات و السور:
ترتيب الآيات و السور، جاء بتوقيف من الله تعالى، فالله سبحانه و تعالى أنزل كتابه كاملا إلى السماء الدنيا، ثم تم تفريقه في بضع و عشرين، فكانت السورة لحادثة تحدث، و الآية جوابا لمُسْتَخْبِر، و يوقف جبريل النبي صلى الله غليه وسلم، على موضع الآية و السورة، فاتساق السور كاتساق الآيات و الحروف كله عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن قدَّمَ سورة أو أخَّرها فقد أفسد نظم القرآن، قال الكرماني في البرهان: “ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب، و عليه كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه، و عرضه عليه في السنة التي توفي فيها مرَّتين،
أركان القراءة الصحيحة:
ذكر بعض العلماء أن القراءات: متواترة وآحاد و شاذة، وجعلوا المتواتر السبع والآحاد الثلاث المتممة لعشرها، ثم ما يكون من قراءات الصحابة، و ما بقي فهو شاذ. وقيل: العشر متواترة. وقيل: المعتمد في ذلك الضوابط سواء أكانت القراءة من القراءات السبع، أو العشر، أو غيرها.قال أبو شامة في “المرشد الوجيز”: ” لا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تُعْزَى إلى أحد السبعة ويُطلق عليها لفظ الصحة وأنها أنزلت هكذا إلا إذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مُصَنِّف عن غيره، و لا يختص ذلك بنقلها عنهم، بل إن نُقِلت، عن غيرهم من القراء فذلك لا يخرجها عن الصحة -فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف لا على من تنسب إليه، فإن القراءة المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم مُنْقَسِمة إلى المُجْمَع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجمع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما نُقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم ” [64].
القياس عندهم في ضوابط القراءة الصحيحة ما يأتي:
1 – موافقة القراءة للعربية بوجه من الوجوه: سواء أكان أفصح أم فصيحا، لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها بالإسناد لا بالرأي.
2 – أن توافق القراءة أحد المصاحف العثمانية و لو احتمالاً: لأن الصحابة في كتابة المصاحف العثمانية اجتهدوا في الرسم على حسب ما عرفوا من لغات القراءة، فكتبوا ” الصراط ” مثلا في قوله تعالى: ” اهدنا الصراط المستقيم “ “بالصاد” المبدلة بالسين – وعدلوا عن “السين” التي هي الأصل، لتكون قراءة “السين” “السراط” وإن خالفت الرسم من وجه، فقد أتت على الأصل اللغوي المعروف فيعتدلان، وتكون قراءة الإشمام محتملو لذلك.
والمراد بالموافقة الإحتمالية ما يكون من نحو هذا، كقراءة ” مالك يوم الدين ” فإن لفظة “مالك” كتبت في جميع المصاحف بحذف الالف، فتقرأ “ملك” وهي توافق الرسم تحقيقا، وتقرأ “مال” وهي توافقها إحتمالا
ومثال ما يوافق اختلاف القراءات الرسم تحقيقا “تعلمون” بالتاء والياء و”يغفر لكم” بالياء والنون ونحو ذلك، مما يدل تجرده عن النقط والشكل في حذفه وإثباته على فضل عظيم للصحابة -رضي الله عنهم – في علم الهجاء خاصة، وفهم ثاقب في تحقيق كل علم.
ولا يشترط في القراءة الصحيحة أن تكون موافقة لجميع المصاحف، ويكفي الموافقة لما ثبت في بعضها، وذلك كقراءة ابن عامر:” وبالزُّبُر وبالكتاب” بإثبات الباء فيهما، فإن ذلك ثابت في المصحف الشامي.
3 – أن تكون القراءة مع ذلك صحيحة الإسناد: لأن القراءة سنة متبعة يعتمد فيها على سلامة النقل وصحة الرواية، وكثيرا ما ينكر أهل العربية قراءة من القراءات لخروجها عن القياس أو لضعفها في اللغة، و لا يحفل أئمة القُرَّاء بإنكارهم شيئا.
تلك هي ضوابط القراءة الصحيحة فإن إجتمعت الأركان الثلاثة:
– موافقة العربية
– رسم المصحف
– وصحة السند، فهي القراءة الصحيحة، ومتى إختل ركن منها أو أكثر أطلق عليها أنها ضعيفة أو شاذة أو باطلة.[65]
مراتب القراءة:
1 – التحقيق:
هو قراءة القرآن بتؤدة و اطمئنان، من غير زيادة و لا نقصان، مع إعطاء كل حرف حقه و مستحقّه، و مراعاة كل أحكام التجويد.
2 – الحذر:
هو الإسراع في القراءة، إدراجها و تخفيفها، مع مراعاة أحكام التجويد من مخارج و صفات مراعاة دقيقة، و يكون القارئ على حذر من إسقاط حروف المد، أو اختلاس الحركات.
3 – التدوير:
هو مرتبة وسط بين القراءة ببطء و تُؤدة، التوسط بين التحقيق و الحذر مع مراعاة أحكام التجويد.
4 – الترتيل:
قراءة القرآن بطمأنينة من غير عجلة، بفهم و تدبُّر، مع إعطاء الحروف حقها و مستحقّها من الصفات و المخارج، و لهذه المرتبة الأفضلية بين المراتب الثلاث، لنزول القرآن بها، مصداقا لقول الله تعالى: ” وَ رَتِّلِ القرآن تَرْتيلاً “[66].
يقول ابن الجزري في طيبة النشر:
و يَقْرَأُ القرآن بالتحقيق مع حذر و تدوير و كل متتبع
مع حسن صوت بلَحونٍ العرب مُرَتٍّلا مُجَوِّداً بالعربي [67]
أقوال العلماء عن الأحرف السبعة:
روى البخاري ومسلم واللفظ للبخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:” سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئئيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدت أساوره في الصلاة، فانتظرته حتى سلم، ثم لببته بردائه أو بردائي، فقلت: من أقرأك هذه السورة؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت له: كذبت، فوالله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها، فانطلقت
أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسله يا عمر، إقرأ يا هشام، فقرأ هذه القراءة التي سمعته يقرؤها.، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا نزلت، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه.”.
ويبدو أن حدث نزول القرآن على سبعة أحرف مروي عن جمع كبير من الصحابة يتعذر إحصاؤه [68].
حمل بعض الأئمة على القول بتواتر الحديث، وفي طليعة هؤلاء أبو عبيد القاسم بن سلام، وإذا لم يتوافر التواتر في الطبقات المتأخرة، فحسبنا صحة الأحاديث الواردة و المؤكدة لهذه الحقيقة الدينية التي نطق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويميل جمهور العلماء إلى أن المصاحف العثمانية اشتملت على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة، واختار القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاّني هذا الرأي وقال: “الصحيح أن هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبطها عنه الأئمة وأثبتها عثمان والصحابة في المصحف، وأخبروا بصحتها، وإنما حذفوا منها ما لم يثبت متواترا “[69].
إختلف أهل العلم في معنى الأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولا وأكثر هذه الآراء متداخل، ونورد هنا أهمها:
أ – ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات العرب في المعنى الواحد، على معنى أنه حيث تختلف لغات العرب في التعبير عن معنى من المعاني يأتي القرآن منزلا بألفاظ على قدر هذه اللغات لهذا المعنى الواحد، وحيث لا يكون هناك اختلاف فإنه يأتي بلفظ واحد أو أكثر.
واختلفوا في تحديد اللغات السبع، فقيل: هي لغات قريش، وهذيل، وثقيف، وهوازن، وكنانة، وتميم، واليمن.
ب – وقال قوم: إن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب نزل عليها القرآن، على معنى
أنه في جملته لا يخرج في كلماته عن سبع لغات هي أفصح لغاتهم، فأكثره بلغة قريش ومنه ما هو بلغة هذيل أو ثقيف، أو هوازن، أو كنانة، أو تميم، أو اليمن، فهو يشتمل في مجموعه على معنى أنه في جملته ر يخرج في كلماته عن سبع لغات هي أفصح لغاتهم، فأكثره بلغة قريش، ومنه ما هو بلغة هذيل أو ثقيف، أو هوازن أو كنانة، أو تميم، أو اليمن، فهو يشتمل في مجموعه على اللغات السبع.
وهذا الرأي يختلف عن سابقه، لأنه يعني أن الأحرف السبعة إنما هي أحرف سبعة متفرقة فيسور القرآن، لا أنها لغات مختلفة في كلمة واحدة باتفاق المعاني.
قال أبو عبيد: ” ليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات، بل اللغات السبع مفرقة فيه، فبعضه بلغة قريش،وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن، وغيرهم، قال: و بعض اللغات أسعد به من بعض وأكثر نصيبا
ج – وذكر بعضهم أن المراد بالأحرف السبعة أوجه سبعة: من الأمر، والنهي، والوعد، والوعيد، والجدل، والقصص، والمثل. أو من:الأمر، وانهي، والحلال، والحرام، والمحكم، والمتشابه، والأمثال.
عن إبن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد،وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب، على سبعة أحرف: زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال “[70].
د – وذهب جماعة إلى أن المراد بالأحرف السبعة، وجوه التغاير السبعة التي يقع فيها الاختلاف، وهي:
1- إختلاف الأسماء بالإفراد،والتذكير وفروعها:
التثنية، والجمع، والتأنيث، كقول الله تعالى: “والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون”[71] قرئ لأماناتهم بالجمع وقرئ لأمانتهم بالإفراد، ورسمها في الصحف “لأمنتهم” يحتمل القراءتين، لخلوها من الألف الساكنة، ومآل الوجهين في المعنى الواحد، فيراد بالجمع الاإستغراق الدال على الجنسية، ويراد بالإفراد الجنس الدال على معنى الكثرة، أي جنس الأمانة، وتحت هذا جزئيات كثيرة..
2– الإختلاف في وجوه الإعراب:
كقول الله تعالى: “ما هذا بشرا”[72]، قرأ الجمهور بالنصب، على أن “ما” عاملة عمل “ليس” وهي لغة أهل الحجاز وبها نزل القرآن، وقرأ إبن مسعود: “ما هذا بشرٌ” بالرفع، على لغة بني تميم، فإنهم لا يعملون “ما ” عمل ” ليس” وكقول الله عزَّ وجل: ” فتلقى آدم من ربه كلماتٍ “، برفع “آدم” وجر “كلمات “، وقُرئ بنصب “آدم” ورفع “كلمات” ” فتلقى آدم من ربه كلماتٌ “.
3- الإختلاف في التصريف:
كقوله الله تعالى: ” فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا “ُ قرئ بنصب ” ربنا “على أنه منادى مضاف، وباعد بصيغة الأمر، وقُرئ “ربُّنا ” بالرفع، و”باعَد ” بفتح العين، على أنه فعل ماض، وقُرئ “بعِّد” بفتح العين مشددة مع رفع “ربنُّا” أيضا.
زمن ذلك ما يكون بتغيير حرف، مثل “يعملون”و”تعلمون ” بالياء والتاء و”الصراط” و “السراط” في قول الله عز وجل: “اهدنا الصراط المستقيم”.
4-الاختلاف بالتقديم والتأخير:
إما في الحرف كقول الله تعالى: ” أفَلَمْ يَيأْسِ” [73]وقرئ “أَفَلَمْ ياْيس” وإما في الكلمة كقول لله تعالى: “َفيَفْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ” بالبناء للفاعل في الأول، وللمفعول في الثاني، وقُرِئ بالعكس، أي بالبناء للمفعول في الأول، وللفاعل في الثاني.
أما قراءة: “وجاءت سكرة الحق بالموت”[74] بدلا من قوله تعالى: “وجاءت سكرة الموت بالحق” فقراءة أحادية أو شاذة، لم تبلغ درجة التواتر.
5- الإختلاف بالإبدال:
سواء أكان إبدال حرف بحرف، كقول الله تعالى: “وانظر إلى العظام كيف ننشرُها”[75] قُرِئ بالواو المعجمة مع ضم النون، وقرئ بالراء المهملة مع فتح النون، أو إبدال لفظ بلفظ، كقول الله سبحانه و تعالى: “كالعهن المنفوش”[76] قرأ إبن مسعود وغيره “كالصوف المنفوش”، وقد يكون هذا الإبدال مع التقارب في المخارج، كقول الله تعالى: “وطلح منضود”[77] قرئ “طلع” ومخرج الحاء والعين واحد، فهما من حروف الحلق.
6- الإختلاف بالزيادة والنقص:
فالزيادة كقول الله تعالى: “وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار”[78] زيادة “من” وهما قراءتان متواترتان، والنقصان كقول الله عز وجل: “قالوا اتخذ الله ولدا”[79] بدون واو، وقراءة الجمهور:
“وقالوا اتخذ الله ولدا” بالواو، وقد يمثل للزيادة في قراءة الآحاد، بقراءة ابن عباس: “وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا”[80] بزيادة “صالحة” وإبدال كلمة ” أمام ” بكلمة وراء، وقراءة الجمهور: “وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا” كما يمثل للنقصان بقراءة “والذكر والأنثى” بدلا من قوله تعالى:
“وما خلق الذكر والأنثى” [81].
7- إختلاف اللهجات بالتفخيم والترقيق:
والفتح والإمالة، والإظهار والإدغام، والهمز، والتسهيل والإشمام ونحو ذلك، كالإمالة وعدمها في مثل قوله تعالى: “وهل أتاك حديث موسى”[82] قرئ بإمالة “أتى” و ” موسى” وترقيق الراء في قول الله تعالى: “خبيرا بصيرا”[83] وتفخيم اللام في: سورة “الطلاق” وتسهيل الهمزة في قوله: “قد أفلح”[84] وإشمام الغين ضمة مع الكسر في قول الله تعالى: “وغِيضَ المَاءُ”[85].
وذهب بعضهم إلى أن العدد سبعة لا مفهوم له، وإنما هو رمز إلى ما ألفه العرب من معنى الكمال في هذا العدد، فهو إشارة إلى القرآن في لغته وتركيبه كأنه حدود وأبواب لكلام العرب كله مع بلوغه الذروة في الكمال، فلفظ السبعة يطلق على إرادة الكثرة والكمال في الآحاد، كما يطلق السبعون في العشرات، والسبعمائة في لمائتين، ولا يراد العدد المعين..
وقال جماعة: إن المراد بالأحرف السبعة، القراءات السبع.
والراجح من هذه الآراء جميعا الرأي الأول، وأن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب في المعنى الواحد نحو: أقبل وتعال وهلم وعجل وأسرع، فهي ألفاظ مختلفة لمعنى واحد، وإليه ذهب سفيان بن عيينة وابن جرير وابن وهب وخلائق ونسبه ابن عبد البر لأكثر العلماء ودليله ما جاء في حديث أبي بكرة: ” أن جبريل قال: يا محمد، إقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: إستزده، فقال: على حرفين حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف، فقال: كلها شاف كاف، ما لم يختم آية عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب كقولك: هلم وتعال وأقبل واذهب وأسرع وعجل “[86].
خاتمة:
أختم بهذه الكلمات التي نظمتها في كتاب الله تعالى:
كتاب الله إعجاز وبرهان
نور من المولى فرقان
كلّ معرض لشيطان
مبتهل و حافظ نبهان
متدبر و مرتِّلِ قرآن
ليلا و نهارا لا مُتَوان
قائما بالقسط بإحسان
غداً يُقال لك ارْتَقِ الجِنان
بكل آيةٍ تَقْرَأُها بإتقان
و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه.
[1] سورة الشورى، الآية 48
[2] متفق عليه
[4] كتاب مباحث في علوم القرآن لمناع القطّان، ص 30
[5][5] باب المبشرات، صحيح البخاري، ص 392
[8] سورة النساء ، الآية 163
[9] رواه مسلم
[10] الإتقان للسيوطي، ج 1 ص 23
[11] نفس المرجع
[12] مباحث في علوم القرآن لمناع القطان، ص 52
[13] كتاب البرهان للزركشي، ج 1، ص 369
[14] سورة القصص، الآية 85
[15] سورة الزخرف، الآية 45
[16] سورة الإنشقاق، الآية 1-22-23
[17] سورة الرعد، الآية 30
[19] سورة المائدة، الآية 67
[20] أخرجه الترمذي
[21] القصص، الآية 56
[22] البرهان للزركشي، ج 1 ص198
[23] صحيح مسلم
[24] سورة التوبة، الآية 81
[25] سورة الأحزاب، الآية 9
[26] سورة العلق، الآية 1
[27] رواه الشيخان
[28] سورة المدثر، الآية 1و2
[29] مباحث في علوم القرآن، مناع القطان، ص 61
[30] سورة البقرة، الآية 287
[31] سورة البقرة، الآية 283
[32] سورة النساء، الآية 176
[33] سورة التوبة، الآية 128
[34] سورة آل لاعمران، الآية 195
[35] سورة النساء، الآية 32
[36] سورة الأحزاب، الآية 35
[38] سورة المائدة، الآية 3
[39] سورة البقرة، الآية 185
[40] سورة القدر، الآية 1
[41] سورة الدخان، الآية 3
[42] سورة الفقرقان، الآية 33
[44] رواه الحاكم .
[45] رواه الطبراني
[46] سورة الفرقان، الآية 32
[47] سورة الأعراف، الآية 187
[48] سورة الفرقان، الآية 33
[49] أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس .
[50] أخلرجه ابن عساكر
[51] أخرجه البيهقي
[52] سورة هود، الآية 1
[53] سورة الإسراء، الآية 88
سورة الزخرف، الآية 45
[54] سورة الزخرف، الآية 45
[55] سورة القيامة، الآية 17
[56] أخرجه الحاكم في المستدرك بسند على شرط الشيخين
[57] متفق عليه
[58] سورة التوبة، الآية 128
[59] أخرجه البخاري
[60] رواه مسلم
[61] رواه البخاري
[62] سورة البقرة، الآية 238
[63] كتاب مباحث في علوم القرآن، لصبحي الصالح ،الفصل الأول جمع القرآن و كتابته، ص 70ج
[64] مباحث في علوم القرأن لمناع القطان،أنواع القراءات و حكمها و ضوابطها، ص 176
[65] مباحث في علوم القرآن، لمناع القطان، ص 177
[66] سورة المزمّل، الآية 3
[67] أمقال لاركان قراءة القرآن و مراتبها، شبكة الانترنيت
[68] مباحث في علوم القرآن، صبحي الصالح، فالفصل الثالث، ص 101
[69] مباحث في علوم القرآن، صبحي الصالح، الفصل الثالث، ص 102-103
[70] أخرجه الحاكم و البيهقي
[71] سورة المؤمنون، الآية 8
[72] سورة يوسف، الآية 31
[73] سورة الرعد، الآية 32
[74] سورة ق، الآية 19
[75] سورة البقرة، الآية 258
[76] سورة القارعة، الآية 4
[77] سورة الواقعة، الآية 31
[78] سورة التوبة، الآية 90
[79] سورة البقرة، الآية 115
[80] سورة الكهف، الآية 78
[81] سورة الليل، الآية 3
[82] سورة النازعات، الآية 15
[83] سورة الإسراء،الآية 30
[84] سورة المؤمنون، الآية 1
[85] سورة هود، الآية 44
[86] أخرجه الطبري في تفسيره