(2) توجيهات خاصة بالطلبة الباحثين في سلك الدكتوراه
(2) توجيهات خاصة بالطلبة الباحثين في سلك الدكتوراه/ الدكتور سعيد حليم
(2) توجيهات خاصة بالطلبة الباحثين في سلك الدكتوراه
الدكتور سعيد حليم
أستاذ العليم العالي بجامعة سيدي محمد ابن عبد الله بفاس
ثامنا: من الأخطاء التي يرتكبها الكثير من الطلبة الباحثين في سلك الدكتوراه؛ الانصراف إلى جمع المادة المعرفية، قبل تحرير محل الإشكال.
تحرير محل الإشكال؛ ركن من أركان البحث العلمي. فكلما كان الإشكال واضحا في ذهن الباحث؛ سهلت عليه جميع مراحل البحث؛ لأن البحث، هو الإشكال. ولابحث بدون إشكال.
فأي خلل وقع في تحديد إشكال البحث؛ سرى ذلك الخلل في جميع مراحل البحث، وفصوله ومباحثه.
قال الدكتور أحمد بدر في كتابه القيم:(أصول البحث العلمي ومناهجه)، ص:85:( إن اختيار مشكلة البحث وتحديدها، ربمايكون أصعب من إيجاد الحلول لها..
كما أن هذا التحديد والاختيار، سيترتب عليه أمور كثيرة منها:
– نوعية الدراسة التي يستطيع الباحث أن يقوم بها؛
– طبيعة المنهج الذي يتبع؛
– خطة البحث وأدواته؛
– بالإضافة إلى نوعية البيانات التي ينبغي على الباحث أن يحصل عليها).
تحديد أشكالية البحث؛ ينبغي أن يأخذ الباحث فيه الوقت الكافي؛ جمعا، وقراءة، وفهما، وتدبرا. وأن يستشير أهل الخبرة في مجال تخصصه.
ولا بد في هذا التحديد من مراعاة الشروط الآتية:
- الشرط الأول: وضوح الصياغة، ودقة التعبير؛
- الشرط الثاني: الواقعية؛ وذلك بأن يكون الإشكال واقعيا وحقيقيا، لا وهميا. وهذا يتطلب البحث الطويل، واستقراء مجال البحث، والرجوع إلى أهل العلم في مجال التخصص.
فقد يعتقد الباحث لقلة اطلاعه؛ أن إشكال بحثه، إشكال حقيقي ومهم. وهو في الحقيقة إشكال وهمي لا وجود له؛ لأنه سبق حله، وأنجزت فيه دراسات وافية وكافية
- الشرط الثالث: تحديد مجال الإشكال بمحددات جامعة مانعة.
جامعة لما يدخل في الإشكال، ومانعة من دخول الإشكال، ما ليس منه.
عادة ما يختار الطلبة الباحثون في جميع التخصصات، إشكالات واسعة، يمكن أن تنجز فيها أطروحات. وذلك ناتج عن عدم معرفة مجال البحث معرفة تامة. كلما كان مجال البحث ضيقا؛ استطاع الباحث أن يستولي على أطرافه، وأن يكون أداؤه فيه جيدا و متقنا.
وكلما كان كان مجال البحث واسعا؛ اضطرب الباحث، وتاه في شعاب المعرفة، ومنعرجات العلم، وكان بحثه جامعا للغث والسمين، وما يصلح وما لا يصلح.
- الشرط الرابع: التعبير عن الإشكال بسؤال جامع، يتفرع إلى أسئلة فرعية.
يستحسن أن يصاغ إشكال البحث في سؤال كبير جامع؛ يفصل إلى أسئلة جزئية بحسب عدد فصول البحث.
ويستحسن أن يصدر كل فصل بالسؤال الذي يؤطره.
وعندما يكون الباحث في مرحلة جمع المادة المعرفية؛ يستحسن أن يكون سؤال الفصل مكتوبا في ورقة أمامه؛ حتى يكون جمع المادة، بحسب الجواب عن سؤال الفصل.
عندما يكون جمع المادة المعرفية، بعيدا عن سؤال الفصل؛ يجمع الباحث الأخضر واليابس؛ فتنتفخ الفصول بمعارف لا علاقة لها بإشكال البحث.
كثرة الأوراق في بحوث التخصصات الأدبية؛ ناتحة في الغالب الأعم عن ضعف المنهج، وعدم وضوح المقصود من الإشكال.
- الشرط الخامس: الجدوى
– المقصود بالجدوى: فائدة البحث في العصر الحاضر؛ سواء في مجال البحث العلمي، أو في محال الحياة العامة. الكثير من الأبحاث التي تنجز في التراث، ترجع إلى التاريخ، فتبقى في التاريخ، ولا تخرح منه.
– الباحث الجاد القاصد: ينبغي أن يطرح على نفسه هذا السؤال:
ما الغاية من بحثي؟ وكيف يكون بحثي- حتى وإن كان في التراث- صالحا لمجتمعي. الربط بين الماضي والحاضر؛ ينبغي أن يكون حاضرا بقوة في البحوث المتعلقة بالتراث، وإلا كانت بغير فائدة.
تاسعا: الدراسات السابقة:
من صفات البحث العلمي؛ أنه تراكمي، يبني فيه اللاحق على ما وصل إليه السابق. الانطلاق في الأطروحات الجامعية، من الدراسات السابقة؛ ركن ركين في البحوث العلمية؛ حتى يتجنب الباحث تكرار نتائج البحوث السابقة، ويكون على علم بما تم بحثه، وما يحتاج إلى مزيد من البحث العلمي.
عرض الدراسات السابقة؛ ينبغي أن يكون بطريقة تبين ما تم إنجازه، وما زال يحتاح إلى مزيد من البحث والاستقراء. بمعنى؛ يكون عرض الدراسات السابقة؛ من خلال بيان نقط قوتها، ونقط ضعفها، ووجه الإضافة التي ستتحقق في الدراسة الجديدة.
ويمكن أن يكون- في نظري- عنصر الدراسات السابقة ضمن عناصر المقدمة، إذا كان عدد هذه الدراسات قليلا. ويمكن أن يكون في فصل تمهيدي، إذا كانت الدراسات كثيرة. ويتم هذا بطبيعة الحال بعد الاستشارة مع الأستاذ المشرف.
عاشرا: تعدد مناهج البحث
من الأمور التي يكثر السؤال عنها من قبل الباحثين منذ سنوات؛ تعدد المناهج في البحث، هل هو أمر محمود، أم مذموم؟
الأفضل والأحسن؛ أن يعتمد الباحث منهجا واحدا بالأصالة. فيكون هذا المنهج هو الذي يميز البحث، ويختص به. ويمكن بعد ذلك استثناء الاعتماد على منهج، أو منهجين بالتبع في حدود ضيقة.
وقد يتساءل الطلبة الباحثون: لماذا حجرت واسعا؛ إذ يمكن للباحث أن يعتمد على مناهج متعددة على حد سواء؟؟؟؟
أقول: إن أغلب الطلبة الباحثين، بضاغتهم ضعيفة جدا، أو ضعيفة في مناهج البحث- وكذلك كنا-؛ لأن النظام التعليمي الذي تخرجنا منه جميعا، لا يهتم ببناء مهارات البحث طيلة المسار الدراسي. فإذا وصل الطالب الباحث إلى مرحلة البحث العلمي؛ وصل ضعيفا هزيلا من حيث مهارات البحث العلمي. فإذا ما عدد المناهج، وهو لم يحصل الملكة في تلك المناهج مجتمعة؛ كان ذلك التعدد سببا لمزيد من الضعف، والاضطراب.
أما إذا اعتمد الباحث منهجا واحدا بالأصالة، كان حمله خفيفا، واستطاع بعد جهد وضنك، أن يحقق أهداف البحث. وهذا ما قرره الكثير من الباحثين الذين ألفوا في مجال مناهح البحث العلمي.
حادي عشر: أثر الانقطاع عن البحث في جودته
من الأخطاء التي يرتكبها الكثير من الطلبة الباحثين في سلك الدكتوراه؛ كثرة الانقطاعات في مسار إنجاز البحث؛ بسبب الصوارف، من عمل، أو مرض، أو فتور، أو غير ذلك.
هذه الانقطاعات؛ تؤثر سلبا على جودة البحث؛ لأنها تؤدي إلى كثرة التناقضات فيه. فتجد الطالب الباحث يقر أمرا في موضع، وينقض بعضه في موضع آخر، أو ينقضه جملة وتفصيلا في موضع ثالث.
ولذلك يستحسن للطالب الباحث عند حدوث انقطاع، وعزمه على استئناف البحث؛ أن يرجع إلى ما كتبه في المرحلة السابقة؛ ليطلع عليه من جديد؛ حتى لا ينقض ما سبق أن أبرمه وقرره.
والأولى للطالب الباحث؛ أن يحافظ طيلة مسار بحثه على عدد الساعات التي يقضيها يوميا في البحث. وأن يكلف نفسه ما يطيقه؛ من خلال للبدء بالقليل، ثم التدرج إلى الكثير بحسب الوقت، وتوفر الرغبة، وتحقق الشرة. (فإن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى)، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على الحبيب المصطفى الكريم.
هذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم.