منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من وحي الأزمات

من وحي الأزمات/ د. بنداود رضواني

0

من وحي الأزمات

د. بنداود رضواني

ضمد أحزانك بالثقة في الله

حين تثق في الله جلَّ جلاله فأدرك أنه لن يعاملكَ إلا برحمته، ولن يبسط لكَ في دنياك إلا ما فيه خيرك و فلاحك..
انظر في البيان الإلهي وأثر الثقة بالله في زمرة من الناس، حين قالوا: { وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ}[إبراهيم/12] .

إنها ثقة لا يشوبها شك… و طمأنينة لا يخالطها قلقَ…
فمن أين أتتهم هذه الثقة في الله عز وجل ؟
أتتهم من مصدر أوحد لا ثاني له، جاءتهم من عميق الإيمان بخالقهم، و الثقة في قدرته وتصرفاته جل جلاله….
فلم الأحزان – إذن -، و لم القلق…؟ وضماد جراح الابتلاءات كامن في الثقة في الحكمة الربانية، و دواء الشدائد مبثوث في الوثوق بالتدبير الإلهي…..
( {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} )، [التين/8] .
( {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ  } )، [الزمر/36] .
( { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } )، [البقرة/185] .
إن إيمان العبد بربه يجعله دائم الرضى بما قضى الله له، مستسلما لما قدر عليه، مدركا أنه لا يجري سبحانه هذه الأزمات عبثا…، لذا فالمؤمن لا ينكسر أمام الأحزان و لا يضعف أمام والأوهام، و لا يعني ذلك بأية حال أنه يتواكل في مدافعة قَدَر المحن بقَدَر السلامة…

دنياك مهما ازَّيَّنت تظل ناقصة !!!..

الدنيا ظل زائل، و متاع باطل…المحالة.
يقول سبحانه:
( { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا”} )، [الكهف/46] .
( { إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} )، [غافر/39] .
( {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا } )، الكهف/45.

لكن لماذا ينزع الإنسان إلى شهوات الدنيا و لذائذها….، رغم هذه القوارع القرآنية !!!؟

لم يظل مشدودا إلى بريقها و متعها…!!!؟، مع أن ” محب الدنيا لا ينفك من ثلاث: همّ لازم، وتعب دائم، وحسرة لا تنقضي “. إغاثة اللهفان/ إبن القيم،

و مهما عَظُم متاع الدنيا فعاقبته حزن دون ريب، إما بذهابه عن المرء وإما بذهاب المرء عنه، إلا العمل لله جل جلاله.

فهل من عُقار لداء التعلق بالدنيا ؟ هل هناك علاج يضعف الدنيا في عقل الإنسان و قلبه حتى يراها فعلا كما صورها الله سبحانه وتعالى ؟.

الجواب هو أن ما من سبيل يفضي إلى تعريف الإنسان بضعفه وعجزه، لا شك أنه سيحفظ هذا القلب من التعلق بأستار الدنيا، و يقيه من الولع بمفاتنها….، و ما الأزمات التي تطوقنا اليوم إلا واحدا من السبل التي تنبه الإنسان إلى هذه الحقيقة.

إن الابتلاءات والمحن التي تقعد في طريق الإنسانية اليوم، ماهي إلا نافذة نطل منه خلالها عن طبيعة الشخصية المادية التي تعبد الحياة الدنيا من دون الله والتي تتحكم في مصير الخليفة اليوم.
ومهما صور القرآن و حديث النبوة و كلام المذكرين تفاهة الدنيا، و مادامت هذه الشخصية تقابل ذلك بالمزيد من الإعراض، فلا بد إذن أن تظل الإنسانية مشدودةً إلى الدنيا بكل ما فيها في غياب من يجلي حقيقتها من ورثة الأنبياء والمرسلين.

إن ابن آدم متى نظر ببصيرته إلى هذه الأزمات الذي تطوقه من جهة وتتربص به من جهة أخرى، و رأى تجسيد ذلك في الأمم والمدنيات السابقة، فإنه يحوز بذلك الترياق الذي يجعله يستصغر هذا الذي يتكالب عليه الناس من المضامين الدنيوية وينظر إليها وهو فعلا تافهة إلا ما كان في الدنيا لله وفي سبيله كما بين سبحانه وتعالى.
لقد أبانت جائحة كورونا عن حقيقة هذه الدنيا التي تهافت الناس عليها وتنافسوا وتصارعوا من أجلها – و لا زالوا – وَأُشْرِبت نفوسهم حبها والركون إليها، و انتشرت إثر ذلك الأمراض القلبية من حسد، وحقد، و كذب، وبغضاء، وشحناء….

لذا فالدنيا مهما ازينت و أبرقت في أعيننا ستظل ناقصة و تافهة ما دامت المحن و الرزيا تتربص بنا، و ما بقي الأزمات فيها تنتظرنا….!!!
( { يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ}  )، [غافر/3] 9.

ادفع الأوهام بالضراعة إلى الله.

ثمة أفكار مقلقة وأوهام تقض المضاجع، غدت معها الأيام – عند البعض – عذابا و جحيما…

فالخوف المرضي من و قوع نقمة أو زوال نعمة في القادم من الأيام قد يفضى إلى اضطراب نفسي و قلق عصبي، و يمكن وسم هذا الحالة المرضية ب ” فوبيا المستقبل “.

و لقد وجدت رياح أخبار وباء كورونا وأرقام ضحاياه في ذروة الانتشار فرصة لبعثرت نمط العيش لبعض الناس، و زيادة في الأوهام و تضخيما للوساوس عند نفر آخر يعاني ابتداء من مشاكل نفسية و اجتماعية.
و مما لاشك فيه أن المرء إذا سلم رقبته لأوهام و وساوس الإفلاس و الفشل و الموت و الفقر….!!! مات غما و هماً، و إذا تحرر منها نال سكينة و أمنا..

لأن من دروس الحياة، أن الأوهام مهما أرقت الإنسان و قضّت مضجعه وأزعجته، فحتما ستتلاشى متى زاحمها اليقين الإيماني بالله تعالى…، لكن إذا وجدت فقرا روحيا تكاثرت وازدادت إلى أن ترمي به بين مخالب الضياع…، و إن الأقدار مهما قست عليه – في ما يبدو – فلن يجد أبر به و أحنى عليه من خالقه جل جلاله. فلم تحبطنا الأوهام – إذن – ؟ و ربنا يقول: هو علي هيّن، ولقد ورد في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” «ما أنزل الله داءً إلى وأنزل لهُ دواءً إلا السام أي الموت» “،
فكذلكم الأدواء السلوكية و النفسية..

فما من بلية يبتلي الله سبحانه وتعالى بها عبداً له إلا وإلى جانبها الدواء الذي ينجيه من وقعها الأليم..

فما هو عُقار هذه الأوهام و الظنون التي تكبل اليوم العديد من الناس ؟

اللجوء إلى الله عز وجل بالدعاء هو العُقار.

إنه العلاج الأول الذي يقي الإنسان من شرور الأسقام النفسية ونتائجها. لكن الإنسانية اليوم إلا من رحم الله وقليل ما هم في شغل شاغل عن استعمال هذا الدواء.

لقد شاء حكمة الله أن يخلق الإنسان ضعيفا بقدرات و إمكانات محدودة، في المقابل نجد ألوانا من البلايا و الرزايا و الأمراض تطوف به مدى حياته، فإذا ركن الإنسان إلى ذاته في مواجهتها شعر بالتخاذل و الخيبة لا محالة، لكن إذا انقدحت في فؤاده مشاعر الحاجة إلى ربه، و شعر بأنه بأمس الحاجة أن يمد يده بالضراعة إليه، آنداك يكون قد أدرك بوصلة السنن؛ وفقه المقصد من تسلط الأزمات و الأوهام و الوساوس عليه، و أدرك الأسرار الكامنة في الأمر بالفرار إلى سيده و مولاه جل جلاله. يقول الله جل جلاله ( { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} )، [الذاريات/50].

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.