شهيق وزفير ( قصة قصيرة )
بقلم: محمد بوعنونو
استيقظ على وقع تبادل التهاني بين أفراد الأسرة والجيران، ودون أن يفتح عينيه، تحركت يده حركة آلية متحسسة ملابس العيد، تلك التي وضعها عند رأسه ليلة أمس.
فقدانه لأمه في سن مبكر ومعاناته مع مرض التوحد أمران جعلاه يتحمل المسؤولية وهو صبي صغير، ويحسن أشياء كثيرة لا يحسنها أقرانه، أشياء من قبيل ارتداء الملابس وترتيب الفراش وكنس البيت…
تعالت الأصوات، وزادت حدة التهاني، وأضحى من المستحيل النوم مع هذا الصخب الذي عم الأرجاء، فنهض صاحبنا متثاقلا، ارتدى ملابسه الجديدة، وكعادته رتب فراشه ونظم غرفته، ثم خرج إلى العائلة التي كانت منشغلة باستقبال الزوار وتبادل التهاني وتقديم كؤوس الشاي.
خرج صاحبنا إلى العائلة فلم يلتفت إليه ولا هنأه أحد، فالكل كان منشغلا بنفسه وأبنائه، وأين الأم التي تحنو عليه وتسربله بالحب والحنان؟ أين منبع العطف ومصدر الاهتمام؟
أحس صاحبنا بهوانه على أسرته فخرج إلى الشارع دون وجهة محددة، واستمر أفراد الأسرة فيما هم فيه، وتحول الكلام من تبادل التهاني إلى الافتخار بالملابس والأثاث، ومضت الساعات في نقاشات وسجالات هي إلى التفاهة أقرب منها إلى الجد والصواب. حتى إذا فتر الناس عن الكلام وغشيهم الملل، انشغل كل واحد بهاتفه متسكعا في مواقع التواصل الاجتماعي، فما فاجأهم إلا خبر موت طفل صغير تحت عجلات القطار !
تأسف الجميع لهذه الفاجعة التي هزت المدينة يوم العيد، ثم أنكروا وشنعوا على أسرة الطفل التي أهملته حتى قضى تحت عجلات القطار، واتفقوا على سفاهة من يلد ولا يربي.
في المساء أدركوا أن الطفل الذي شطره القطار وحوله إلى أشلاء هو في الحقيقة طفلهم، وأن الأسرة التي شنعوا عليها وأجمعوا على سفاهتها هي في الحقيقة أسرتهم.