منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بين يدي رمضان

بين يدي رمضان/ الأستاذة لطيفة عدار

0

بين يدي رمضان

بقلم: الأستاذة لطيفة عدار

يقول الله تعالى في محكم تنزيله: “إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات و الأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم”(1) الله تعالى عندما خلق السماوات و الأرض قدر سبحانه في سابق علمه و قدره حرمة هذه الشهور و تحريم القتال فيها، يقول سبحانه: “يا أيها الذين ٱمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام” (2)، أي لا تستحلوا القتال في الشهر الحرام، فهي شهور يجب أن يسود فيها السلام ليأمن على نفسه من يقصد البيت للحج أو العمرة، ولكن إذا تعرض المسلمون لهجوم فيجب عليهم القتال لرد العدوان: “فإن قاتلوكم فٱقتلوهم”(3) قال البيهقي: كان أهل الجاهلية يعظمون هذه الشهور و خاصة رجب، فكانوا لا يتقاتلون فيه.

 ويسمى رجب بالفرد لانفصاله عن باقي الأشهر الحرم، و سمي أيضا بالأصم لأن صوت السلاح لا يسمع فيه، حتى إن الرجل ليلقى قاتل أبيه فلا يقتله. إذن كان العرب يعظمون الأشهر الحرم حتى قبل الإسلام، و لكنهم يلجأون للعبث بها فيقدمون أو يؤخرون حسب حاجتهم للحرب، و هو ما عابه القرٱن عليهم في قوله تعالى: “إنما النسيئ –أي تأخير الشهرعن موعده– زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء عملهم و الله لا يهدي القوم الكافرين”(4) فكانوا إذا أرادوا القتال و هم في محرم حرموا عوضا عنه صفر وقاتلوا في المحرم، كانوا لا يقبلون أن يبقوا شهورا بدون قتال. و هو نوع من التحايل في التعامل مع أمر الله مثل ما فعلته يهود في قضية الاصطياد يوم السبت.

ورجب من الترجيب أي التعظيم، و ترجيب الرماح: نزعها من أسنتها ماداموا لن يحاربوا، و سمي رجب مضر لأن مضر كانت تصون الشهر فلا تغيره مثل باقي العرب، فلما جاء الإسلام أعاد الأمور إلى نصابها وأكد حرمة هذه الشهور و حرمة تغييرها، عن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الزمان قد ٱستدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض: السنة ٱثنا عشر شهرا منها أربعة حرم: ثلاث متواليات: ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى و شعبان”(5).

 و رجب لم يرد في شأن تخصيصه بعبادات معينة أثر صحيح، و الأحاديث التي تنسب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بشأن رجب لم يصح منها شيئ، ولكنه من الأشهر الحرم التي يجب علينا ٱغتنامها للإكثار من مختلف أنواع الطاعات “ذلك الدين القيم” الإسلام هو الدين الحق الذي يحقق للإنسان توازنه النفسي، فيأخذ الجسد حقه، و تأخذ الروح حقها، و يعرف الفرد حدوده و واجباته، و تعرف الجماعة واجباتها و حقوقها في تناغم و ٱنسجام لا يوجد إلا في هذا الدين.“فلا تظلموا فيهن أنفسكم” ظلم الغير هو ظلم للنفس.

 يقول الله تعالى: “و إذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم و لا تخرجون أنفسكم من دياركم”(6) الٱية. يقول صاحب المنار في تفسيرها: أورد سبحانه النهي عن سفك بعضهم دم بعض، وإخراج بعضهم بعضا من ديارهم و أوطانهم بعبارة تؤكد وحدة الأمة، و تحدث في النفس أثرا شريفا، ففي قوله تعالى: “لا تسفكون دماءكم” جعل دم كل فرد من أفراد الأمة كأنه دم الٱخر حتى إذا سفكه كان كأنه بخع نفسه و ٱنتحر بيده، و قوله تعالى: “ولا تخرجون أنفسكم من دياركم” تسير على هذا النسق. و هذا من جمال و إعجاز القرٱن الكريم.

فالمسلمون نفس واحدة: يسعى بذمتهم أدناهم، و هم يد على من سواهم، في يوم فتح مكة ٱستجار مشركان بأم هانئ بنت أبي طالب بن عبد المطلب رضي الله عنها فأجارتهما، فأراد أخوها علي بن أبي طالب رضي الله عنه قتلهما فرفعت الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلة: زعم ٱبن أمي أنه قاتل رجلا أجرته، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ” (7)

 شدد الإسلام على تحريم الظلم لدرجة أن الله تعالى حرمه على نفسه: “عن أبي ذر الغفاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما روى عن الله تبارك و تعالى أنه قال: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا (8)، و من أكبر الظلم الشرك بالله و التحاكم لغير شرع الله، لأنه باب كل المعاصي و المنكرات، سأل عبد الله ابن مسعود رسول الله صلى الله عليه وسلم:أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندا و هو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك،قال: ونزلت هذه الٱية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذين لا يدعون مع الله إلها ٱخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون”(9)

التعظيم محله القلب: “ذلك و من يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب” الحج. فإذا ٱمتلأ القلب إيمانا و تقى فاض ذلك على الجوارح خشوعا و ٱنكسارا لله تعالى، و تعظيما و توقيرا لحرمات الله تعالى، و منه تعظيم المومنين و المومنات يقول عليه الصلاة والسلام: “المؤمن أعظم حرمة من الكعبة”(10)

هجر المعاصي مطلوب في كل الشهور و لكنه أشد تأكيدا في هذه الحرم، لأن ثواب الطاعة يعظم بشرف الزمان و المكان، كما أن المعصية يتضاعف وزرها كذلك حسب الزمان و المكان الشريفين.

الله تعالى فضل أمكنة على أمكنة، وأزمنة على أزمنة، فضل سبحانه من الشهور رمضان والأشهر الحرم، ومن الليالي ليلة القدر، ومن الأيام يوم الجمعة و العشر الأوائل من ذي الحجة، ومن الخلق فضل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. و من الأمكنة فضل مكة والمدينة و بيت المقدس عجل الله سبحانه تحريرها من الإحتلال الصهيوني. وهذا من فيض كرم الله و فضله سبحانه أن يسر لنا سبل التقرب إليه سبحانه و فرص تجديد إيماننا، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها لعله أن يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبدا” (11) فهذه أيام و ليالي مباركة، هي مواسم للخير، و محطات و مناسبات جدير بنا أن نحرص على ٱغتنامها والتعرض فيها لرحمات الله تعالى بتطهير قلوبنا لتكون أهلا لٱستقبال عطاءات الله تبارك و تعالى.

 فنجدد التوبة والإنابة لرب العالمين، يقول سبحانه: “وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون”(12) الفلاح في الدنيا والٱخرة مرهون بالعودة إلى دين الله و التقيد بشرع الله.

 الطاعات إذا تتابعت غرست في القلب الخشية من الله و إرادة الٱخرة و السعي لها، فيكون لدى المسلم وازع من نفسه، و إذا لم يبادر إلى التوبة من المعصية تتابعت المعاصي و ٱنمحى من القلب تعظيم أوامر الله ليحل محله الاستخفاف بحرمات الله،عن حذيفة بن اليمان قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، و أي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تعود القلوب على قلبين: قلب أسود مربادا كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا و لا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض لا تضره فتنة ما دامت السموات و الأرض (12)كالكوز مجخيا: منكوسا..

تعظيم شعائر الله وحرماته و التحرج من تجاوزها علامة على وجود التقوى في القلب: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تحاسدوا، و لا تناجشوا، و لا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخ المسلم لا يظلمه ولا يحقره، التقوى ههنا “و يشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، و ماله، و عرضه” (13)

 هذه التزكية والتربية الإيمانية هي التي تجعل المؤمن يستقبل أوامر الله ورسوله بالطاعة و الإذعان والتعظيم: “إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا: سمعنا و أطعنا”(14)

رجب هو محطة نقف فيها للتزود ٱستعدادا لاستقبال شهر كريم، فضله الله على سائر الشهور، فيه ليلة هي خير من ألف شهر. فكيف يكون إقبالنا على الله في رمضان إن لم نستعد له في رجب و شعبان؟ الحصاد لابد أن تسبقه عملية تنقية الأرض لتكون صالحة لغرس البذور ثم تعهدها بالسقي، لذلك علينا تنقية ٱنية قلوبنا من جميع أمراض القلوب من كبر و عجب و حقد و كراهية: “إلا من أتى الله بقلب سليم”(15) حتى إذا أطل علينا رمضان وجد قلوبا سليمة إلى ربها خاشعة، و نفوسا مطمئنة مقبلة غير مدبرة.

 أما إذا كانت الغفلة و المعصية و التفريط في جنب الله هي ديدننا في رجب و شعبان فأنى نجد من أنفسنا إقبالا على العبادة في رمضان و ٱستمتاعا بها؟! فلا ثمار نجنيها في رمضان إن نحن أسأنا البذر و الغرس و السقيا في رجب وشعبان.

اللهم تقبل منا رجب و شعبان و بلغنا رمضان فضلا منك و كرما.


المراجع:

1سورة التوبة

2 سورة المائدة

3 سورة البقرة

4 سورة التوبة

5 متفق عليه

6 سورة البقرة

7 صحيح البخاري

8 رواه مسلم

9 البخاري ومسلم

10 المعجم الكبير للطبراني

11سورة النور

12 رواه وسلم

13 رواه مسلم

14 سورة النور

15 سورة الشعراء

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.