في مساءلة معرفية
لمشروع تعديل مدونة الأسرة المغربية
لعل ما أثاره الإعلان الرسمي عما سمي بالخطوط العريضة لمشروع تعديل المدونة، من نقاش مجتمعي حيوي واسع من مختلف شرائح المجتمع ومكوناته، دليل على مركزية الأسرة في النسق الاجتماعي والثقافي المغربي، وعلى ذكاء المغاربة واستيعابهم للسياق المحلي والدولي لإثارة موضوع تعديل الأسرة، وعلى ما يشبه الإجماع على رفض ما قدم من عناوين التعديلات إجمالا لا تفصيلا.
وإسهاما في إغناء هذا النقاش المجتمعي، أرى أن نحول النقاش إلى مساءلة معرفية للقول بهذا التعديل، وذلك انطلاقا من المفاهيم المرجعية الناظمة لأي كلام في مدونة الأسرة، فالدخول في تفاصيل التعديلات القانونية لا يستقيم قبل بيان المفاهيم المرجعية المؤطرة والناظمة لتلك التفاصيل، إذ المفصل من الكلام مبني على المؤسس منه، تماما كما تبنى الفروع على أصولها، ونكتفي في هذه الكلمة بمفهوم المرجعية.
فمرجعية القول في مدونة الأسرة تعديلا وتأويلا وتفسيرا، هي الشريعة الإسلامية نصا ومقصدا واجتهادا وفاقا، فيفترض في كل تعديل زمني لهذه المدونة أن يكون موافقا جزئيا وكليا، حالا ومآلا لمرجعية الشريعة، غير أن هذه المرجعية الوفاقية زوحمت عمليا ودستوريا مؤخرا بمرجعية المواثيق الدولية، وما يتعلق منها بالأسرة تحديدا هي بنود اتفاقية سيداو، ومعلوم أن في تلك البنود ما يعارض الشريعة نصا ومقصدا في موضوع الأسرة، فالمساءلة المحرجة في المخرج المعتمد رسميا عند التعارض بين المرجعيتين: أيهما يقدم ويسمو على الأخرى؟ خصوصا وأن المغرب من الموقعين على هذه الاتفاقية ومن الملتزمين بتطبيق مقتضياتها في تشريعاته، فلا مشكلة في تطبيق مقتضيات الاتفاقية فيما لا يعارض الشريعة، إنما المشكلة فيما يعارض الشريعة، فهل المخرج إعلان التحفظ عما يعارض الشريعة، وهو حق مكفول للدول الموقعة على الاتفاقية، مع ما يستلزم ذلك من الصمود أمام الضغوطات الدولية؟ أم السكوت عن إثارة مشكل الاتفاقية الدولية، والبحث المضني عن تصيد شواذ الأقوال الفقهية إن وجدت، أو تلفيق أقوال مذهبية أخرى لإخراج مستند هجين يخرجنا من الحرج مع سيدوا وهيهات، ويدخلنا في حرج مع هويتنا ومرجعيتنا ومصلحة أسرنا ومجتمعنا ووطننا؟
أنها أسئلة معرفية منهجية مؤسسة لأي كلام في مدونة الأسرة المغربية، والحمد لله رب العالمين، وإلى حلقة موالية بإذن الله.