منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ولادة ابن حزم الأندلسي “حدث في 30 رمضان”

محمد سكويلي  

0

في اليوم 30 من رمضان عام 384 هـ / 7 نوفمبر 994 م ولد ابن حزم الأندلسي بقرطبة، إمام حافظ فقيه ظاهري، وهو محمد بن علي بن احمد بن سعيد بن حزم، ويعرف أحياناً ابن حزم الأندلسي الأزهري، هو أكبر علماء الإسلام تصنيفًا وتأليفًا بعد الطبري، وهو إمام حافظ فقيه ظاهري، ومجدد القول به، بل محيي المذهب بعد زواله في الشرق، ومتكلم، أديب، وشاعر، وناقد محلل، بل وصفه البعض بالفيلسوف، وزير سياسي لبني امية، سلك طريق نبذ التقليد وتحرير الأتباع. يعد من أكبر علماء الأندلس. قام عليه جماعة من المالكية وشرد عن وطنه. توفي في منزله في أرض أبويه منت ليشم المعروفة بمونتيخار حالياً، وهي عزبة قريبة من ولبة، أسس ابن حزم ما يعرف عادة بالمذهب الظاهري وهو ما يعرف عادة بأنه ينادي برفض القياس الفقهي الذي يعتمده الفقه الإسلامي التقليدي وينادي بوجوب وجود دليل شرعي واضح من قرآن أو سنة لتثبيت حكم ما، لكن هذه النظرة الاختزالية لا توفي ابن حزم حقه فالكثير من الباحثين يشيرون إلى أنه كان صاحب مشروع لإعادة تأسيس الفكر الإسلامي من فقه وأصول فقه وفلسفة.

أسرتـــه

عاش حياته الأولى في صحبة أخيه أبى بكر الذي كان يكبره بخمس سنوات في قصر أبيه أحد وزراء المنصور بن أبي عامر، وابنه المظفر من بعده، وكانت تربيته في تلك الفترة على أيدي جواري القصر الذي كان مقاما في الشارع الآخذ من النهر الصغير على الدرب المتصل بقصر الزاهرة، والملاصق لدار المنصور بن أبى عامر، ومن ذلك نعرف مدى المكانة التي كان يحظى بها والد ابن حزم لدى المنصور بن أبى عامر حتى جاوره في السكن.

كان ابن حزم قد خرج من وسط أسرة عرفت الإسلام منذ جده الأعلى يزيد بن أبى سفيان، وكان خلف أول من دخل الأندلس من أسرته في صحبة الأمير عبد الرحمن الداخل، ومن ذلك نعرف أن مقر هذه الاسرة كانت الشام بعد مشاركة يزيد أصل هذه الاسرة في الفتوحات الإسلامية بها، ولما خرج عبد الرحمن إلى الأندلس خرج معه خلف بن معدان.

وقد بدأت هذه الأسرة تحتل مكانها الرفيع كواحدة من كرائم العائلات بالأندلس في عهد الحكم المستنصر، ونجحت في امتلاك قرية بأسرها هي منت ليشم، ولا يعلم هل خلف بن معدان هو الذي تملكها أم أبناؤه من بعده، ولعل ذلك يحيلنا إلى مدى ذكاء هذه الأسرة الذي انعكس بدوره على أحمد بن سعيد وولده ابن حزم من بعده.

يعتبر أحمد بن سعيد أحد مشاهير هذه الأسرة ومؤسس ملكها حتى قال عنه ابن حيان ” الوزير المعقل في زمانه الراجح في ميزانه … هو الذي بنى بيت نفسه في آخر الدهر برأس رابية وعمده بالخلال الفاضلة من الرجاحة والمعرفة والدهاء والرجولة “، وقد كان لهذه الصفات إلى جانب اتجاهه للحزب الأموي وعمق ولائه لأمرائه وخلفائه دور هام في استوزار المنصور له سنة 381هـ/991م، وبلغ من شدة ثقته به أنه كان يستخلفه على المملكة أوقات مغيبه عنها، وصير خاتمه في يده، وكان لأحمد بن سعيد مجلس يحضره العلماء والشعراء أمثال أبى عمر بن حبرون وخلف بن رضا، وكان له باع طويل في الشعر ومشاركة قوبة في البلاغة والأدب حتى إنه ليتعجب ممن يلحن في مخاطبة أو يجئ بلفظة قلقة في مكاتبة، وقد كان لهذا أثره على ولده ابن حزم في تمكنه من اللغة والشعر واهتمامه بهما، حتى أن بلاغته كان لها من التأثير أنها تأخذ بمجامع القلوب وتنفذ إلى أعماق النفوس في أسلوب سهل ممتنع رقيق يخلو من الاستطرادات ويتسم بطول النفس وجمال النكتة وخفة الروح، كما كان أحمد بن سعيد من المشاركين في حركة الإفتاء بالأندلس من خلال مجالسه العلمية والمناظرات التي كانت تدور في قصره حتى قال عنه ابن العماد ” كان مفتيا لغويا متبحرا في علم اللسان “، وهذه العبارة توضح الأثر الذي تركه أحمد بن سعيد على ولده ابن حزم الذي اعتمد في فتواه وتفسيره لنصوص القرآن والسنة على ظاهر اللغة، ومن ثم يكون والده أحد الأسباب التي دفعته إلى المنهج الظاهري في الفتيا والتفسير بالرغم من أنه كان مالكى المذهب.

ظل أحمد بن سعيد وزيرا بعد المنصور لابنه المظفر، وأخيه عبد الرحمن شنجول إلى أن أعفى من منصبه في عهد محمد المهدى، وترك منية المغيرة حي كبار موظفي البلاط وعاد لسكنه القديم في بلاط مغيث بعيدا عن صخب السياسة، وبعد اغتيال المهدى في ذي الحجة 400هـ/1010م ومبايعة هشام المؤيد ثانية بعد الزعم بموته. اصطدم أحمد بن سعيد بالقائد الصقلبي واضح محسوب الخلافة الذي لاحقه وسجنه وصادر أمواله، وطلت الفتن والنكبات تتوالى على بنى حزم حتى وفاة أحمد بن سعيد في ذي القعدة 402هـ/101م، وقد كان لهذه النكبات أثرها السيء على ابن حزم إذ أنها زادت من حزنه، وكانت أحد أسباب حدته التي تظهر جلية في مصنفاته.

أما عن أم ابن حزم فقد صمتت عنها المصادر بأسرها. بل إن ابن حزم نفسه لم يطالعنا على أدنى إشارة تجاهها في أي من كتبه التي بين أيدينا، ومن ثم فالخلاف بين الباحثين حول أصلها لم يحسم بعد ولعل الحديث عن العلاقة بين بعض أقاربه ابن حزم وأثرها على نفسيته وفكره ترتبط بهذا المقام ،ونخص بالذكر أبى المغيرة عبد الوهاب ابن عمه الذي كان يتبادل مع ابن حزم رسائل المودة في حداثة سنهما، ثم جرت بينهما جفوة سببها كتاب وصل أبو المغيرة عن ابن حزم وصفه الأول بأنه مبنى على الظلم والبهتان والمكابرة مما كان لهذا أثره على ابن حزم في اعتزازه بنفسه وشدة حدته إذ وجد أن أحد أقربائه الذي كان يتودد إليه في الصغر، انقلب عليه هو الآخر، وانضم إلى خصومه ومعارضيه، ومن ثم فقد كل نصير يمكن أن يعتمد عليه سوى ذاته الانفرادية التي اعتز بها، من المصنف الذي صنفه ابن حزم عن أسرته والذي يدعى ” تواريخ أعمامه وأبيه وأخواته وبنيه وبناته مواليدهم وتاريخ من مات منهم في حياته ” يتضح أن أبناءه كانوا جمعا من البنين والبنات، ولكن لا نعرف عن بناته شيئا. لفقدان هذا المصنف، فضلا عن عدم إشارة المصادر إليهن، ولو قدر لنا العثور على هذا المصنف. لكان مجالا خصبا في التعرف على أزواجهن وأسرهن، وأثر هذه المصاهرة على فكر أبيهم وتراثه، هل دافعوا عنه وأذاعوا مصنفاته؟ أم هاجموه وانتقدوا فكره؟ مثلهم في ذلك مثل خصومه.

أما عن أبنائه الذكور فنعرف منهم أربعة وهم أبو رافع الفضل، وأبو أسامة يعقوب، وأبو سليمان المصعب، وسعيد وكانوا كلهم ظاهري المذهب. سكن هو وأبوه قرطبة ونالا فِيهَا جاهاً عريضاً. أصبح أبوه أحمد بن حزم من وزراء الحاجب المنصور بن أبي عامر من أعظم حكام الأندلس، فارتاح باله من كد العيش والسعي وراء الرزق، وتفرغ لتحصيل العلوم والفنون، فكتب طوق الحمامة في الخامسة والعشرين من عمره. وقد رزق ذكاءً مفرطًا وذهنًا سيالاً وقد ورث عن أبيه مكتبة ذاخرة بالنفائس، اشتغل في شبابه بالوزارة في عهد «المظفر بن المنصور العامري» ثم ما لبث أن أعرض عن الرياسة وتفرغ للعلم وتحصيله.

تعليمـــــه

وسمع في سنة أربع مائة وبعدها من طائفة منهم: يحيى بن مسعود بن وجه الجنة، صاحب قاسم بن أصبغ، فهو أعلى شيخ عنده، ومن أبي عمر أحمد بن محمد بن الجسور، ويونس بن عبد الله بن مغيث القاضي، وحمام بن أحمد القاضي، ومحمد بن سعيد بن نبات، وعبد الله بن ربيع التميمي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، وعبد الله بن محمد بن عثمان، وأبي عمر أحمد بن محمد الطلمنكي، وعبد الله بن يوسف بن نامي، وأحمد بن قاسم بن محمد بن قاسم بن أصبغ. وينزل إلى أن يروي عن أبي عمر بن عبد البر، وأحمد بن عمر بن أنس العذري. وأجود ما عنده من الكتب “سنن” النسائي، يحمله عن ابن ربيع، عن ابن الأحمر، عنه.

وأنزل ما عنده “صحيح” مسلم، بينه وبينه خمسة رجال، وأعلى ما رأيت له حديث بينه وبين وكيع فيه ثلاثة أنفس. حدث عنه: ابنه أبو رافع الفضل، وأبو عبد الله الحميدي، ووالد القاضي أبي بكر بن العربي، وطائفة. وآخر من روى عنه مروياته بالإجازة أبو الحسن شريح بن محمد. نشأ في تنعم ورفاهية، ورزق ذكاء مفرطا، وذهنا سيالا، وكتبا نفيسة كثيرة، وكان والده من كبراء أهل قرطبة؛ عمل الوزارة في الدولة العامرية، وكذلك وزر أبو محمد في شبيبته، وكان قد مهر أولا في الأدب والأخبار والشعر، وفي المنطق وأجزاء الفلسفة، فأثرت فيه تأثيرا ليته سلم من ذلك، ولقد وقفت له على تأليف يحض فيه على الاعتناء بالمنطق ويقدمه على العلوم، فتألمت له، فإنه رأس في علوم الإسلام، متبحر في النقل، عديم النظير على يبسٍ فيه، وفرط ظاهرية في الفروع لا الأصول.

قيل: إنه تفقه أولا للشافعي، ثم أداه اجتهاده إلى القول بنفي القياس كله جليه وخفيه، والأخذ بظاهر النص وعموم الكتاب والحديث، والقول بالبراءة الأصلية، واستصحاب الحال، وصنف في ذلك كتبا كثيرة، وناظر عليه، وبسط لسانه وقلمه، ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب، بل فجج العبارة، وسب وجدع فكان جزاؤه من جنس فعله، بحيث إنه أعرض عن تصانيفه جماعة من الأئمة، وهجروها، ونفروا منها، وأحرقت في وقت، واعتنى بها آخرون من العلماء، وفتشوها انتقادا واستفادة، وأخذا ومؤاخذة، ورأوا فيها الدر الثمين ممزوجا في الرصف بالخرز المهين، فتارة يطربون، ومرة يعجبون، ومن تفرده يهزئون. وفي الجملة فالكمال عزيز، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم، مما حط كثيرًا من مكانة ابن حزم عند العلماء هو لسانه الذي كان يضرب به المثل في الحدة، فقيل عنه: سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقان. فلقد كان ابن حزم يبسط لسانه في علماء الأمة وخاصة خلال مناظراته مع المالكية في الأندلس، وهذه الحدة أورثت نفورًا في قلوب كثير من العلماء عن ابن حزم وعلمه ومؤلفاته، وكثر أعداؤه في الأندلس، حتى نفوه من قرطبة وأحرقت كتبه في محاضر عامة بأمر من المعتضد بن عباد، وصار ابن حزم ينتقل من مكان لآخر حتى مات.

آرائـــــه

ظاهري في الفقه، ترك ظاهريته وأعمل عقله في العقيدة فأتى بالعجائب، ففي بعض الأمور يوافق الجهمية، وفي بعضها وصل به الحال أنه كاد أن يوافق الباطنية والقرامطة وفي بعض الأمور وافق أهل السنة، كل ذلك كان باجتهاده الخاص وترك ما أجمع عليه السلف في موضوع الأسماء والصفات وغيرها، وله ردود قيمة وعظيمة على اليهود والنصارى وعلى الصوفية والخوارج والشيعة.

أسس ابن حزم ما يعرف عادة بالمذهب الظاهري -كما يسميه من هم خارجه- وهو ما يعرف عادة بأنه ينادي برفض القياس الفقهي الذي يعتمده الفقه الإسلامي التقليدي وينادي بوجوب وجود دليل شرعي واضح (من قرآن أو سنة لتثبيت حكم ما، لكن هذه النظرة الاختزالية لا توفي ابن حزم حقه فالكثير من الباحثين يشيرون إلى انه كان صاحب مشروع لإعادة تأسيس الفكر الإسلامي من فقه وأصول فقه وفلسفة.

كان الإمام ابن حزم ينادي بالتمسك بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة ورفض ما عدا ذلك في دين الله، فلا يقبل بالظن والرأي الذي هو في حقيقته ظن (كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة …)

جرأته وخصومه

كان ابن القيم شديد التتبع لآثار وكتب ابن حزم، وكان يصفه بمنجنيق العرب أو بمنجنيق الغرب. وكانت الناس تضرب المثل في لسان ابن حزم، فقيل عنه: «سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقان»، فلقد كان ابن حزم يبسط لسانه في علماء الأمة وخاصة خلال مناظراته مع المالكية في الأندلس، وهذه الحدة أورثت نفورًا في قلوب كثير من العلماء عن ابن حزم وعلمه ومؤلفاته، وكثر أعداؤه في الأندلس.

تعرضه لفقهاء عصره الجاحدين المنتفعين من مناصبهم، مكن هؤلاء أن يؤلبوا عليه المعتضد بن عباد أمير اشبيلية، فأصدر قراراً بهدم دوره ومصادرة أمواله وحرق كتبه، وفرض عليه ألاّ يغادر بلدة أجداده منت ليشم من ناحية لبلة، وألا يفتي أحد بمذهب مالك أو غيره، كما توعد من يدخل إليه بالعقوبة، وهناك توفي سنة 1064م، ولما فعلوا ذلك بكتبه تألم كثيراً فقال وقد حُرِّقت مؤلفاته:

إن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي       تضمنه القرطاس بل هو في صدري

يقيم معي حيث استقلت ركائبي                 وينزل إن أنزل ويدفن في قبري

دعوني من إحراق رق وكاغد                    وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري

وإلاّ فعدوا بالكتاتيب بدءة                                   فكم دون ما تبغون لله من ستر

كذاك النصارى يحرقون إذا علت         أكفهم القرآن في مدن الثغر

وفاتــــه

يرتبط بمصنفات ابن حزم حادثة خطيرة طالما تكررت بالأندلس كلما ضاق أهلها بأحد ممن يخالفهم من العلماء، وهي إحراق كتبه علانية بإشبيلية، بيد أنها لم تفقد من جراء ذلك، فقد كان له جماعة من تلاميذه النجباء الذين قدروا فكره وحافظوا على كتبه التي كانوا يمتلكونها بنسخها ونشرها بين الناس، ولذا فعندما أحصاها ابن مرزوق اليحصبي وهو من المتأخرين وجدها ثمانين ألف ورقة، وهو نفس إحصاء أبي رافع الفضل في القرن الخامس الهجري /الحادي عشر الميلادي، ويمكن أن نرجع أسباب هذه الحادثة في الآتي:

أولا: ثقة ابن حزم بنفسه عند منازلة كبار فقهاء المالكية، وعدم تردده في تسفيه آراءهم طالما خالفت ما يراه حقاً.

ثانيا: تنديده بولاية خلف الحصري للخلافة بإشبيلية، ومبايعته على أنه هشام المؤيد سنة 325هـ/1033م في عهد محمد بن إسماعيل القاضي والد المعتضد بن عباد، فعندما حل بإشبيلية أوقع به المعتضد أشد إيقاع لما صدر منه من إثارة الناس حول محمد بن إسماعيل رأس الاسرة العبادية.

ثالثا: معارضة فقهاء المالكية له وسعيهم لدى السلطان للإيقاع به وإثارة العامة ضده، ومن ثم التقت أغراضهم مع ما كان يرمى إليه المعتضد، فكانت واقعة إحراق كتبه على مسمع ومرأى من الناس.

رابعا: نزعة ابن حزم الأموية ودعوته لإعادة حكم الأمويين في الوقت الذي قطع فيه معظم ملوك الطوائف كل صلة بالأموية الأندلسية، وحاول كل واحد منهم أن يحقق استقلالا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، خاصة المعتضد الذي ما وافق على خدعة أبيه بعد وفاته بمبايعة خلف الحصري بإشبيلية على أنه هشام المؤيد إلا ليصبغ الشرعية على محاولته الاستقلالية، وليرضى أصحاب النزعات الأموية بإمارته. فلما تحقق له ذلك أعلن وفاة الخليفة المزعوم.

خامسا: أن ابن حزم لم يكن ينظر إلى أمراء عصره ومنهم المعتضد نظرة إكبار فهو وزير ابن وزير، وما كان له أن ينظر إليهم أكثر من نظرته إلى من دونه أو من ليسوا أكبر منه، وهم يأنفون من ذلك الأمر الذي دفع المعتضد إلى تدبير مؤامرة تجعله ذليلا لا يشمخ برأسه عليه ولا على غيره هي إحراق كتبه.

وبالرغم من هذه المؤامرة التي ألمت بابن حزم فلم يتحقق للمعتضد ما كان يصبو إليه من كسر كبريائه وإذلاله، بل ظل الرجل يشمخ بمكانته وعلمه وعقله هنا وهناك دون ضعف ولا ذلة، لكنه آثر السلامة وغادر إشبيلية إلى قريته منت ليشم التي كان يمتلكها ويتردد عليها، وظل بها يمارس التصنيف والتدريس حتى وافته المنية عشية يوم الأحد 28 شعبان 456هـ/15 يوليو 1063م، وليس كما ذهب البعض من أن وفاته كانت سنة 457هـ/1064م، ولا 455هـ/1063م، لأن أبا رافع ولد ابن حزم هو الذي كتب التاريخ الذي ذكرناه، وهو الأعلم من أي أحد بتاريخ وفاة والده، فضلا عن أن معظم من ترجم لابن حزم ذكروا سنة وفاته كما ذكرها ابنه الفضل.

كان ابن حزم قد رثى نفسه قبل وفاته بقليل في أبيات شعرية كأنه أحس بدنو أجله قائلا:

كأنك بالزوار لي قد تبادروا                       وقيل لهم أودى على بن أحمد

فيارب محزون هناك وضاحك                وكم أدمع تزرى وخد محدد

عفا الله عنى يوم أرحل ظاعنا                 عن الأهل محمولا إلى ضيق ملحد

وأترك ما قد كنت مغتبطا به                  وألقى الذي آنست منه بمرصد

فوا راحتى إن كان زادى مقدما                ويا نصبى إن كنت لم أتزود

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.