عرفت فالزم
بقلم: صفاء الطريبق
بعد ذهاب ابنها إلى المدرسة في الصباح الباكر.. راحت ترتب غرفته.. وتذكّرت لسبب ما وهي تراجع أولوياتها الآية الكريمة
{قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍۢ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ}صدق الله العظيم
وقعها كان عميقا.. أصابها الخوف.. كمن ينظر الى طوفان قادم ولا حاجز بينهما.. فعند الفزع الشديد يظهر ما في باطن ايمان الفرد.. فإما تقف قدماه.. ويحار عقله وقلبه.. وإما ينادي مولاه ويقر أنه أضعف وأصغر وأعجز..
.. نفس طال عليها الأمد.. فتلونت بألوان النفاق والعياذ بالله.. ضاعت منها البوصلة..لو استمعت ما استقر فيها كلام من قلب حي.. ولا فهمت عن الله في احداث الدنيا وتقلباتها.. ولا وعظها واعظ الموت إذ يتخطف من حولها.. يااارب إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي.. ولكن عافيتك أوسع لي..
.. لطالما كان التصدر داء لمن لم يثبت في محراب العبودية ولم يتفقه في دينه.. أغبط في العلماء وطلبة العلم جدهم وطريقهم هذا.. فواالله إنها لحظوة واصطفاء أن ينشرح الصدر ويتفتح العقل لاكتساب العلم.. وتعليمه.. يدرك هذه النعمة من حال دونه ودونها حواجز وعقبات.. ينظر من خلالها الى الجبال الشاهقة من الحفظة الذاكرين التالين المكررين وردهم المنشغلين بربهم عمن سواه.. وهو سجين نفسه وهواه يدرك بعقله ولا يقدر على فعل شيء.. حالت الذنوب المتراكمة عن طريق سيره ونجاته.. كأنها احجار عملاقة سدت الطريق في انهيار جبلي..انهيار بناء ايمانه.. وقف ينظر وهو الضعيف المنكسر.. فشمر وهو يدعي القوة بإزاحة بعضها ثم تعب لما أيقن أنه لم يزحزح سوى التراب المنسحق ولا قدرة له ولا قوة لتحريك هذا الجبل الضخم.. فدعى مولاه دعاء الغريق وزاده يوشك على النفاذ.. وهل زاد المؤمن سوى إيمانه ويقينه بربه وما سبق منه من اعمال وقربات وطاعات.. آه من زمن الترخص والغفلات.. هكذا يردد وهو ينظر الى الجبل الصخري امامه..
يتذكر أصحابه ورفقاءه فيناديهم ليغيثوه.. ثم لا يجد منهم يدا ولا مساعدا.. ليتحسر على رفقة السوء التي اختارها.. تلك الرفقة التي لا تعين الا على مخالفة امر الله ومتابعة كل هوى وزيغ.. هاهي تتنكر له في ضيقته.. ويتذكر مستحيا ويلجأ مشفقا نادما الى أخلاء له كان يجتمع بهم في زمن البدايات وصفو الطفولة والشباب.. في مسجد الحي ومدارس القرآن ومحطات ذكر الله..وسرعان ما يقبلون اليه..يواسونه ويبشرونه
ويرغبونه..ويقتسمون زادهم معه..يبكي حسرة على ما فرط وهو ينظر الى تلك القلوب الطيبة المتوجهة والمتوهجة نورا.. وهي تزيح معه عوائقه وبوائقه.. ثم يلتفون في ساعات التضرع ويرفعون الى الله حوائج أخيهم.. إن الصاحب في الله يحمل هم صاحبه في دنياه وأخراه.. نعمة عظيمة..
مع ازاحة “الاحجار” يرددون ماكان الحبيب صلى الله عليه وسلم يردده وهو يحمل حجر المسجد رفقة الصحابة.. فكأن تلك الصحبة تبني منه بإذن الله ما هدمته سنوات الغفلة والبعد..
هذا المسجد.. بيت الله الذي نقصده خمس مرات في اليوم..ويرغبنا المولى في ارتياده والمسارعة اليه كأن حبه وملازمته تجعل كل فرد فينا يتحول شيئا فشيئا الى مسجد..قلب..مسجد.. بيت لله.. طاهر.. قلب عامر بالله.. لا مكان فيه لسواه.. لا يصدح فيه صوت الا بتعظيم الله وتمجيده.. سبحان من حبب الينا الايمان وزينه في قلوبنا وكره الينا الكفر والفسوق والعصيان
..
بعد زوال العوائق والذنوب بالتشمير ندما واقرارا وعبادة ومجاهدة وسعيا..وملازمة لصحبة الاخيار.. تشرق في القلب أنوار حب الله.. فإذا أشرقت اتضح المسير أكثر..وطاب السير..
.. عرفت فالزم..