جَوْعَى غَـ𓂆ـزَّة: أُمَّةٌ صَائِمَةٌ أَضْعَفُ مِنْ أَرَضَةٍ
بقلم: د. فؤاد هراجة
بقلم: د. فؤاد هراجة
في سنة 1960 دار نقاش أخلاقي عميق بين كبار الفلاسفة والمفكرين الأخلاقيين في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية بخصوص المسؤولية الأخلاقية لكل إنسان في العالم تجاه القتلى الذين يسقطون صرعى بسبب موجة المجاعة التي ضربت الصين بين 1959 و1961 والتي خلفت ما يناهز 45 مليون قتيل. خَلُصَ هذا النقاش أن ثمة مسؤولية أخلاقية متعدية يتحملها كل شخص في العالم، باعتبار أنه يمكن إنقاذ صيني من الموت بالتنازل عن دولار واحد من المصروف اليومي والتبرع به لصندوق إنقاذ الصين. فانتشرت وقتئذ حملات على شاشات التلفاز والملصقات تبين للناس كيف أن أموالهم التي تنفق في الكماليات قادرة على ضمان الطعام والحق في الحياة لإنسان يتقاسم معهم الأرض وسقف السماء؛ ولَكَمْ كانت المشاهد التي تعرض مرعبة ومؤلمة ومؤثرة، دفعت حينئذ المتدين وغير المتدين واللاديني على ضخ تبرعاتهم لإنقاذ بعض إنسانية الإنسانية من الموت والإفلاس الأخلاقيين.
وها نحن اليوم وبعد مرور 64 سنة على أكبر مجاعة في التاريخ المعاصر، نعيش نفس المأساة في غـ𓂆ـزة المحاصرة، لكن هذه المرة ليس جراء أسباب طبيعية خارجة عن إرادة الإنسان، بل بسبب إصرار الكيان الصهـ𓂆ـيوني على صناعة المجاعة إلى جانب الحرب من أجل إبادة شعب بأكمله على مرأى ومسمع من المنتظم الدولي، إن لم نقل بمشاركة فعلية ومباشرة لأكبر دول هذا المسمى منتظما في زمن الفوضى القانونية والسياسية والأخلاقية!
لكن السؤال الذي يعترصنا في هذا السياق، لماذا في كل أزمة تعيشها الأمة العربية والإسلامية نُوَلِّي وجوهنا شطر الغرب نُحَمِّله كل المسؤولية فيما نعيشه من ويلات، وننتظر منه الحل، مع علمنا اليقيني بأنه وراء كل مآسينا المتتالية؟ فلماذا مثلا نقعد مكتوفي الأيدي أمام القتل والتهجير والتجويع الممارس على إخواننا في الدين والآدمية في غـ𓂆ـزة، ثم ننتظر المعجزة أو ننتظر من الجلاد أن يتحول بين عشية وضحاها إلى طبيب يضمد الجراح ويواسي المرضى، ومن المحتل الناهب للأراضي وثرواتها أن يصبح كريما، عبثا ننتظر!
وها هي الأمة اليوم بحلول شهر رمضان قد وحدها الصيام من شرق العالم إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه، في سلوك واحد من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، تراها مُوَلِّيَةً وجهها قبلة واحدة، وتتلو كتابا واحد، وتتوجه إلى رب واحد…، لكن، ما أثر هذه الوحدة السلوكية المتمثلة في الصيام والقيام وتلاوة القرآن وإعمار المساجد على ما يقع في غَـ𓂆ـزَّة، وهم جيران الجغرافيا وإخوان الإيمان الذين لا يبيتون جوعى ونحن شبعى فحسب، بل يموتون جوعا ونحن نترنح شبعا؟
هل يكفي فينا أن نعالج ما يعانيه أهل غَـ𓂆ـزَّة من تجويع وتهجير وإبادة بمقاربة إنسانية أخلاقية كما كان الحال في أزمة مجاعة الصين، أم أن الأمر بالنسبة للمسلم في حالة غـ𓂆ـزة هو أبعد وأكبر من ذلك بكثير؟ وما علاقة إيمان الفرد والجماعة بما يجري من تقتيل وتجويع، وما انعكاس ذلك على صيامه باعتباره ركنا من أركان الإسلام؟ أليس الإيمان شرطا في قبول الصيام، وشرطا في نيل أجره وثوابه ” بناء على قول الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر”؟ ماذا لو كانت الأمة اليوم تستقبل رمضان وهي قد ضيعت إيمانها ومن ثم قد ضيعت صيامها؟
تعالوا ننصت ونتدبر بآذان قلوبنا إلى أحاديث الوعيد والبراءة التي تركها فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم لندرك مدى جسامة المسؤولية الإيمانية والأخلاقية التي على عاتق كل واحد واحدة منا تجاه ما يعانيه الشعب الفلســ𓂆ـطين المقـ𓂆ـاوم في غـ𓂆ـزة.
- فعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به.”
- وروى الحاكم في المستدرك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه.”
- “ليس بمؤمنٍ من بات شبعان وجارُه إلى جنبِه جائعٌ وهو يعلمُ”
- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: مَن يا رسول الله؟ قال: من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم.”
- “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يدخل الجنة من بات شبعان وجاره جائع”
إن المُرَاد من هذه الأحاديث الشريفة التحذير من نفي الايمان عن المسلم وقهقرته إلى درك الأعرابية، وَذَلِكَ لأن امتناعه عن مَدِّ يَدِ العون لمن يعلم بِجَوْعَتِهم وهو شبعان يدل على قسوة قلبه، وَكَثْرَة شحه، وَسُقُوط مروءته، ودناءة طبعه، وعظيم لؤمه، وخبث طويته، بل وهبوطه تحت أخلاق الجاهلية التي قال بعض أصحابها لما اشتد الحصار على المسلمين في شِعْبِ أبي طالب ” أنأكل وبنو هاشم جوعى”. ثم هل تنتظر أمة الملياريْ مسلم من الأَرَضَةِ أن تُسْقِط جدران الحصار وأسلاكه الشائكة المضروبة على طول الحدود مع غـ𓂆ـزة أم أن أمة الملياري مسلم تنتظر من الأرضة أن تحمل المعونات الغذائية وتتحدى الطائرات والدبات الصهـ𓂆ـيوغربية وتوزعها على أطفال ونساء وشيوخ وشباب ورجال غـ𓂆ـزة ؟
ألم تصبح هذه الأمة في عيون أعدائها أهون وأضعف من جسم الأرضة تلك الحشرة التي أكلت وثيقة قريش التي قضت بتخيبر المسلمين بين حياتهم أو موتهم على الإسلام، فلم تبق منها إلا قطعة رَقٍّ مكتوب عليها “باسمك اللهم”؟ وأمام هذا الانكماش والانحذار الخطير لأمة الإسلام، ألم يعد رمضاننا يستوجب صيامه الإمساك عن الخوف من البشر وقوة البشر، ثم والإمساك عن حب الدنيا وعن خيانة الأخوة الإيمانة، بعدما كان سحورنا على تجديد الإيمان والتوبة من الخذلان، وأفطرنا على بيع أنفسنا لله سبحانه وتعالى، فهو لا يشتري إلا الأنفس المؤمنة “إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم…” وأنَّى لنا بالإيمان إلا إذا قمنا قومة رجل واحد وامرأة واحدة نمحي العار الذي لحقنا جراء هذا الإذلال الذي يمارسه الاستكبار الصهـ𓂆ـيوغربي بمساعدة الحكام الصهـ𓂆ـيانة العرب، ونسترد الإيمان الذي ضاع منا، ونتحدى كل العقبات السياسية بكسر الحصار على غـ𓂆ـزة الجريحة مهما كان الثمن، وإلا سيذكر التاريخ أننا لم نكن فقط منعدمي إيمان أو منعدمي أخلاق، بل كنا نفتقر حتى إلى غريزة الأرضة وجرأتها على إبطال الباطل.
فبأي قلوب نصوم ونحن شبعى وإخوة لنا في الإيمان يستغيثون في غـ𓂆ـزة ولا مجيب غير الحوقلة والحسبلة وإنكار المنكر في القلب إن بقيت فيه بقية بالية من إيمان أمام وعيد رسول الله صلى الله عليه وبراءته ونفيه للإيمان عمن يبيت شبعان وجاره جائع ويتفرج عليه في كل وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي. ألم يان لهذه الأمة أن تفهم عن الله أن الشعائر الدينية وهي توحد سلوك الأمة، تحتاج إلى من يوحد إرادتها ووجهتها نحو العزة والكرامة والعدل ويعيد لها شوكتها. وهذا “المن” لن يكون خارج الضمير “نحن”! لقد رسمت غـ𓂆ـزة طريق العزة بما بَذَل أهلُها من جهاد وصبر، وما قدمته من شهداء، وما حطمته من أصنام العصر، لتقول لنا والعالم أجمع من هنا طريق الحرية والتحرر، من هنا وجهة النصر واستعادة الإنسان لبشريته وآدميته.