كم ذهب منك؟
بقلم: محمد أنفلوس
(يا بُنيَّ إنما أنتَ وقتٌ قد مرَّ أو سـ يمُر . فـانظر كم ذهب منك.)
هذه كلمات جدي محمد ولد سويلم رحمه الله..
تذكرتها وانا ازور هذا المسجد الذي ساهم في بنائه في قلب الصحراء، شمال اخفنير قرب طرفاية بلد أجداده وقبيلته.
بعد وفاته بسنتين، تواصل معي مسؤول في الاملاك العقارية بتزنيت، اخبرني ان هناك بقعة أرضية بشاطئ أكلو باسم جدي و عمالة تزنيت تريد تصفية العقار ولذلك يجب ان احضر شهادة الاراثة لنتسلمها حيث بلغ ثمنها ما يزيد عن الاربعين مليونا..
أخبرت الورثة وتم تكليفي بالتواصل مع عمالة تزنيت، كنت افكر في المبلغ وكيفية توزيعه بالشرع والقانون و كنت أعلم جسامة المهمة..
قبل ان التقي بالمسؤول اخبرني احد تجار مواد البناء أن جدي رحمه الله باعه هذه الأرض مقابل شاحنات محملة بالاسمنت والحديد و اللبن(الياجور) لبناء هذا المسجد ..
ضحكت كثيرا وأنا أتعجب من أحلامنا الدنيوية التافهة ومن يقين هذا الرجل وتجارته مع الله..
حين دخلت اليوم هذا المسجد، صليت ركعتين تحية ودعاء ومحبة..
تذكرت ذات يوم، عندما ذهبت معه لهذا المسجد وقد كان قيد البناء، رأيته يصعد الصومعة ليؤذن كما يفعل كل يوم، فهو مؤذن مدينة سيدي افني لأزيد من خمسين سنة،قلت له:
– لمن تؤذن فلا يوجد احد هنا؟
ابتسم وهو يخبرني بيقين الصالحين:
– يسمعني الحجر والشجر والجن وما لا يعلمه الا الله..
وعندما منحته مساهمتي وقد كانت (في نظري) مبلغا محترما ضحك وقال لي:
– هل تظن انك انت من منحت المسجد هذا المبلغ؟
تفاجأت وانا اتعجب من كلامه، قبل أن يضيف:
– الله هو من سخرك لتضعه هنا، فاسأل الله ان يسخرك دائما لمثل هذا ..
لن أنسى ما حييت أنه قبل سنوات، أغلق باب غرفته كما يفعل معي كلما همه أمر، وضع أمامي تصميم هذا المسجد قبل بنائه وأقسم بالله أنه لا يمتلك درهما ولكن الله سيتكلف ببنائه وهو يردد ( للمسجد رب يبنيه) رحم الله كابوخوبي الذي كان قلبه معلقا بالمساجد