بم يقاس انتصار غزة؟
بقلم: عز الدين صمبة
ليس أعسر على العقل المادي من أن يفهم كيف يمكن لأمة تُقصف وتُحاصر وتُهجّر أن تُسمّى منتصرة. فمقاييس الربح والخسارة عند من غابت عنهم البصيرة لا تتعدى الأرقام والنتائج الآنية، بينما النصر في ميزان السماء يقاس بمقدار الثبات لا بمقدار البقاء، وبحجم الوعي لا بحجم العتاد. ولذلك تظل غزة امتحانا دائما للعقول والضمائر. فأي نصر هذا الذي يخرج من بين الركام؟ وأي خسارة تلك التي توقظ أمة بأكملها من غفلتها؟ إن منطق الربح والخسارة في غزة ليس منطق التجارة والسياسة، بل منطق الإيمان والكرامة. فالذي خسر ماله وبيته ولم يخسر يقينه قد ربح، والذي فقد أبناءه ولم يفقد بوصلته قد ظفر. أما العدوّ الذي امتلك كل أدوات القهر، وفقد سكينة الحق، فهو الخاسر وإن دوّت مدافعه في السماء. ومن هنا يطرح السؤال الأجمل والأعمق:
بم يقاس انتصار غزة؟
حين تهدأ المدافع ويخفت الدخان، ويبدأ العالم في عدّ الخسائر، يهرع بعضهم إلى المقاييس المادية وحدها: كم قُتل، وكم دُمّر، وكم بقي واقفا. لكن غزة — تلك البقعة الصغيرة من الأرض التي تجاوزت حدود الجغرافيا — تربك هذه الموازين كل مرة، لأنها لا تقاس بما يقاس به غيرها. فالمسألة في غزة ليست حسابا بالأرقام، بل وزنا بالقيم، وليست غلبة في ساحة، بل ثباتا في ميدان الوعي والإيمان. انتصار غزة لا يقاس بعدد الصواريخ التي أطلقت، ولا بعدد الدبابات التي دمرت، بل بعدد القلوب التي أيقظت، والأمم التي نهضت، والضمائر التي عادت تنبض من تحت رماد الصمت. كم من ضمير غربي استيقظ على صوت صرخة من بين الأنقاض، وكم من شاب في أقصى الأرض نطق بالشهادة بعدما رأى وجوه الشهداء المضيئة في الظلام، وكم من عالم ومفكر ومؤمن بالحرية أعاد النظر في حقيقة الصراع بعدما شاهد صمود غزة الأسطوري.
إن انتصار غزة يقاس بما زرعته من وعي عالمي جديد، وبما أحدثته من تحول في ميزان الإدراك البشري. لم تعد القضية الفلسطينية بعد غزة كما كانت قبلها، ولم يعد العالم الغربي قادرا على إخفاء تناقضاته أمام شاشات الدم والدموع. لقد سقطت كثير من الأقنعة، وتهاوت شعارات الحضارة حين اصطدمت بوجه طفل يلتف بالكوفية، ويمسك حجرا بيد صغيرة لا تعرف الهزيمة.
وغالبا ما يطلّ من بين صفوف المتفرجين من يقول: أي انتصار هذا والخراب يعمّ الأرض، والقتلى يُحصون بالألوف، والتهجير لا يتوقف؟ ولا يدري أن أصحاب الأخدود أُحرقوا كلهم لأنهم آمنوا بالله، ومع ذلك خلّد ذكرهم في القرآن الكريم، وصارت قصتهم آيات تُتلى، وسفرا في البطولة والإيمان. ولا يعلم أن الغلام الذي قُتل في سبيل الله لم يهزم، بل صار رمزا للثبات، ومفتاحا لهداية أمة بأكملها. فهل كان أولئك خاسرين؟ أم كانوا الفاتحين بمعيار السماء؟ وهكذا غزة، تعيدنا إلى منطق القرآن الكريم: أن النصر ليس بما يرى، بل بما يبقى، وأن البطولة الحقيقية أن تموت على الحق فتحيا به أجيال.
غزة لا تبحث عن نصر يكتب في بيانات عسكرية، بل عن انتصار يسجل في ذاكرة الإنسانية: أنها واجهت أعتى آلة دمار، فبقيت واقفة، صابرة، متماسكة، تعيد تعريف البطولة في زمن اختلطت فيه المفاهيم. شهداؤها فخر للأمة، وجرحاها أيقونات وعي وصبر وبطولة. وجوههم تحكي قصة الحياة التي لا تنكسر، وأجسادهم التي نزفت هي الجسر الذي عبرت عليه الكرامة من جديد. كل دم سال في غزة لم يذهب هدرا، بل صار مدادا يكتب به معنى الحرية. وكل جرح نازف هو شاهد على أن هذه الأرض لا تموت، بل تبعث من رمادها في كل مرة.
غزة ليست مدينة محاصرة، بل روحا محررة تسكن في ضمير كل حر. هي المعلم الذي يعيد للأمة درس الصبر والرباط، والمدرسة التي تخرج كل يوم جيلا جديدا من المؤمنين بعدالة القضية. هي التي أهدت للعالم درسا في الكرامة، وأثبتت أن الإنسان يمكن أن يكون عظيما حتى وهو بلا طعام، غنيا حتى وهو بلا بيت، قويا حتى وهو جريح. ومن بين الركام خرجت كلماتها نقية: لن نركع. ومن بين الدمار خرجت صورتها صافية: هنا تصنع الحرية.
يقاس انتصار غزة بقدرتها على أن تحول الألم إلى أمل، والمأساة إلى مدرسة، وأن تبقى البوصلة لا تحيد عن القدس مهما اشتدت الرياح. إنها تنتصر حين تربي فينا روح العزة، وحين تذكرنا أن الأمة لم تمت بعد، وأن في الأرض ما يستحق الحياة والمقاومة. لقد انتصرت لأنها ما زالت تقول نحن هنا، ولأنها جعلت المقهورين في كل مكان يشعرون أن الكلمة الأخيرة ليست للدبابة، بل للإرادة.
غزة لا تنتصر لأن عدوها انهزم ميدانيا — وإن كان ذلك حاصلا — بل لأنها انتصرت في المعيار الأسمى: معيار الكرامة والإيمان والثبات. فمن ثبت على الحق ولم يساوم، فقد انتصر. ومن آمن بعدل قضيته ولم يهن، فقد انتصر. ومن أضاء للإنسانية دربا من تحت الركام، فقد كتب نصرا خالدا لا تمحوه الأيام.
يا غزة، يا وردة الدم التي نبتت في صخر الحصار، يا نبض العزة حين خمدت القلوب، يا مرآة الصبر في وجه التاريخ، لست مجرد معركة تخاض، بل معنى يستعاد، وميلاد وعي جديد للأمة والإنسانية. قد ظنوا أن الدمار يخيفك، فإذا بك تبنين من الدمار مجدا، وقد ظنوا أن الحصار يخنقك، فإذا بك تنبتين من ضيق الحصار أفقا فسيحا للحرية. تهزم الجيوش إذا فقدت الإيمان، أما أنت فكلما اشتدّ الخطب ازددت إشراقا وثباتا، حتى غدوت الميزان الذي يقاس به صدق الشعوب وكرامة الإنسان.
يقاس انتصار غزة بدمعة أم قالت “الحمد لله” وهي تودّع ابنها، وبابتسامة طفل حمل حقيبته بين الركام ليواصل دربه، وبقلم شاعر كتب من دمه قصيدة للحياة، وبقلب كل حر نبض وهو يسمع اسمها. إنها غزة التي لا تهزم، لأنها اختارت طريق الله، فاختارها الله لتكون عنوان النصر، ومثال الخلود في ضمير الأحرار.