منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كيف يعيش المرضى بالسرطان وأمثالهم ما تبقى من عمرهم سعداء؟ | سلسلة خطبة الجمعة    

الشيخ بن سالم باهشام

0

كيف يعيش المرضى بالسرطان وأمثالهم ما تبقى من عمرهم سعداء؟ 
سلسلة خطبة الجمعة

بن سالم باهشام
خطيب مسجد أم الربيع بالمغرب سابقا

عباد الله، يقول تعالى في سورة طه: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طه: 123، 124]، ويقول سبحانه في سورة النحل: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [النحل: 97].

عباد الله، جل الناس سيعتقد أن في عنوان الخطبة تناقض، إذ كيف سيعيش المريض بالسرطان، وأمثاله من أصحاب الأمراض المزمنة سعادتهم، والتناقض ناتج بسبب سوء فهمهم للسعادة، إن السعادة التي يلهث العالم وراءها، ليست صحة سليمة، ولا مالا، ولا جاها، ولا جمالا، ولا شيئا من حطام الدنيا الزائل الذي يتساوى فيه المسلم والكافر، وإنما هي قانون إلهي، وليست ادعاء بشريا، قانون إلهي بيّن القرآن معادلته، والتي هي الإيمان والعمل الصالح، فبهما يعيش الإنسان حياة طيبة وسعيدة دنيا وأخرى.

عباد الله، الإسلام دين الإنسانية المكرمة السعيدة، إذ في ظله يجد الإنسان ذاته كما هي، وفي ظله يجد الإنسان إنسانيته كما هي، وفي ظله يجد الإنسان حقيقته كما هي؛ عندئذ تغمره السعادة التي لن يجدها في غيره.

عباد الله، السعادة في المنظور الإسلامي تنقسم إلى قسمين: سعادة دنيوية، وسعادة أخروية، فالسعادة الدنيوية مهما بلغت فهي نسبية، ومهما طالت فهي محدودة؛ أما السعادة الأخروية، فهي سعادة أبدية كاملة غير ناقصة ولا محدودة؛ لهذا شرع الإسلام من الأحكام والتعاليم والضوابط ما يكفل سعادة الإنسان في الدارين.

عباد الله، هذه هي معادلة السعادة القانونية الإلهية، والتي هي الإيمان والعمل الصالح، وهي حقيقة السلام الذاتي، والذي لا يمكن له أن يكون مجرد محطة نصل إليها، بل هو بمثابة رحلة دائمة، لا تخلو أبدا من الضغوط، والظروف الطارئة التي تباغت الإنسان في مشواره الدنيوي، وإن كان الواقع مؤلما وقاسيا، ومهما تمكنت المعاناة الجسدية من التأثير على الراحة الذهنية، إلا أن الرغبة في الوصول للسلام الذاتي؛ يلزم أن تبقى ثابتة، وهذا ما سيجعل الفرد بالذات قادرا على تجاوز المحن والآلام، فالاستمتاع القلبي بكل ما تحمله هذه الحياة، أمر مطلوب بشدة للتغلب على ما يمكنه أن يكون سببا للشقاء والتنغيص في الدنيا، والمهم من هذا كله، أن يظل المرء صاحب قلب طاهر، دائم المبادرة إلى العطاء الإنساني السخي، حتى وإن لامس السلام الذاتي في حياته، لهذا لا سعادة للإنسان إلا بلقاء ربه، بعد الإيمان به سبحانه، حينما يلتقي المخلوق الضعيف الفاني، بالخالق القوي الباقي، وكثير من الناس يفهم عبارة “لقاء الله” خطأ، كما فهم السعادة خطأ، ويعتقد أن هذا اللقاء لا يكون إلا بعد الموت، في حين؛ أن الصلاة لقاء، ومناجاة الله لقاء، وذكر الله لقاء، والتفكر في خلق الله لقاء، لأن عظمة الله تتجلى في عظمة خلقه، والصدقة لقاء، وقراءة القرآن، وبر الوالدين لقاء، وصلة الأرحام لقاء، والتودد إلى الناس لقاء، وطلب العلم النافع لقاء، والأدب مع الناس لقاء، وقيام الليل لقاء، وعيادة المريض لقاء، وتفريج كربات المسلمين لقاء …. وكل عمل صالح بعد الإيمان بالله لقاء، فهل أدركنا كم فرصة تنتظرنا للقاء الله؟ ومصداق كل ذلك قوله تعالى في سورة الكهف: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).[ سورة الكهف: 110].

عباد الله، هكذا ينبغي أن نرى، أن السعادة الحقيقية، ليست في المال، ولا في الشهرة، ولا في الشهادات العليا، ولا في المناصب، ولا ما أشبه ذلك من حطام الدنيا الزائل، والواقع المعيش الذي هو محك التجارب، شاهد على هذه الحقيقة، والأمثلة على ذلك عديدة، والنماذج في كل مجال من هذه المجالات، تؤكد هذه الحقيقة بما لا مجال فيها للشك والارتياب. سواء في صفوف أصحاب السلطة والجاه، أو أصحاب الشهرة والمال، أو أصحاب الصحة والجمال…، الذين عاشوا أنواع الشقاء وهم في عز متاعهم الدنيوي الزائل، لغياب معادلة السعادة.

عباد الله، تعالوا بنا إلى نموذج سيد السعداء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لنرى  كيف كانت معيشته، لنصحح للعالم المعنى الحقيقي للسعادة، روى البخاري ومسلم رحمهما الله في صحيحيهما عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ( دخلتُ عَلَى النَّبيِّ – صلى الله عليه وسلم – وهو يُوعَكُ، فقلت: يَا رسُولَ الله، إنَّكَ تُوعَكُ وَعْكاً شَدِيداً،” أي تصيبك حرارة الحمى إصابة بالغة نهاية الألم”، قَالَ: أجَلْ، إنِّي أوعَكُ كمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنكُمْ، قلْتُ: ذلِكَ أن لَكَ أجْرينِ؟ قَالَ: أَجَلْ، ذلِكَ كَذلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصيبُهُ أذىً، شَوْكَةٌ فَمَا فَوقَهَا، إلاَّ كَفَّرَ اللهُ بهَا سَيِّئَاتِهِ، وَحُطَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا)[أخرجه البخاري 7/149 (5648)، ومسلم 8/14 (2571)

(45)].

عباد الله، استوقفتني امرأة في الشارع، واعتقدت أنها ستسألني عن شيء من أمور دينها، فإذا بها تخبرني عن ابنها المصاب بمرض السرطان، وتتألم كثيرا لحالته، وتطلب مني الدعاء له، وبدأت تبكي بكاء مريرا، وحتى لا نعيش في هذه الدنيا الزائلة، والتي هي دار البلاء، ونخرج منها دون أن نتميز عن الكفار في نظرتنا لكل الأمور، لابد أن نصحح النظرة للأمراض التي تصيبنا، كيفما كان نوعها، وكيفما كانت خطورتها.

عباد الله، إن الحياة الدنيا ليست هي نهاية المطاف، بل هي دار الامتحان، فيها الفرح والحزن، والضيق والفرج، والصحة والمرض، والغنى والفقر… إلى غير ذلك من الابتلاءات، ودوام الحال من المحال، فإذا كان الله عز وجل قد أوجد في هذه الدنيا الصحة والعافية، فقد أوجد كذلك بالمقابل المرض، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو أحب الخلق إلى الله تعالى، وأن الله عز وجل لا يحب أن يمس وليا من أوليائه بسوء، لمكانته عند الله، فسيد الأولياء والمرسلين، والخلق أجمعين، هو الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع هذه المكانة العليا، والرتبة المرموقة، يصيب حبيبه بحرارة الحمى، إصابة بالغة نهاية الألم، حتى إن الألم ليصل إلى درجة إصابة رجلين أقوياء، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على ثمرة المرض، وأثره الإيجابي على الفرد المؤمن، وليس هذا فقط، بل إن زوجته مولاتنا وأمنا عائشة رضي الله عنها، لتعجب من شدة الوجع الذي يصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، نتيجة المرض، حتى إنها لتقول في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما: ( مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) [رواه البخاري: (ح 5322)، ومسلم: (ح 2570)]، وكل هذا يستوجب منا أن نصحح مقاييسنا للأشياء، فلو لم يكن في معنى المرض رفع للدرجات، لما كان الخالق الرحيم يبتلي أحباءه من عباده بالأمراض، ويؤكد هذه الحقيقة، الحديث الذي رواه ابن ماجة، وابن أبي الدنيا، في كتاب المرض والكفارات، والحاكم واللفظ له، وقال: صحيح على شرط مسلم، وله شواهد كثيرة، أن أَبا سَعِيدٍ الْخُدْرِي رضي الله عنه، (دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ مَوْعُوْكٌ، عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَوَجَدَ حَرَارَتَهَا فَوْقَ الْقَطِيفَةَ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: مَا أَشَدَّ حَرَّ حُمَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- :« إِنَّا كَذَلِكَ يُشَدَّدُ عَلَيْنَا الْبَلاَءُ، وَيُضَاعَفُ لَنَا الأَجْرُ ». ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلاَءً؟ قَالَ: « الأَنْبِيَاءُ ». قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: « ثُمَّ الْعُلَمَاءُ». قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: « ثُمَّ الصَّالِحُونَ، كَانَ أَحَدُهُمْ يُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ إِلاَّ الْعَبَاءَةَ يَلْبَسُهَا، وَيُبَتَلَى بِالْقَمْلِ حَتَّى يَقْتُلَهُ، وَلأَحَدُهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِالْبَلاَءِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِالْعَطَاءِ). [أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (7/142، رقم 9774)، كنز العمال 8645 .  قال حسين سليم أسد: إسناده حسن]. والْوَعْكُ بِإِسْكَانِ الْعَيْن: الْحُمَّى، وَقِيلَ: أَلَمُهَا وَمَغَثُهَا. [النووي (8/ 373)].

عباد الله، لماذا كان سلفنا الصالح يفرحون بالبلاء أكثر من فرحنا نحن بالعطاء، وهم أخير خلق الله وأفطنهم؟ أهو تشاؤم أم ماذا؟ إنهم يستقبلون البلاء بهذا الفرح، لأن قيمة الأشياء بعواقبها، ولكون البلاء يترتب عنه أجر كبير من قبل الوهاب الحكيم جل جلاله يوم القيامة، حتى إن أصحاب الصحة والنعيم، حينما يرون ما أعده الله يوم القيامة للمرضى، يتمنون لو قطّعت جلودهم بآلات القطع في الدنيا، كي ينالوا الأجر مثلهم، وحسبك انصباب الأجر عليهم صبا بلا ميزان ولا عد، ويؤيد ما ذكرناه، ما رواه الترمذي وابن أبي الدنيا من رواية عبد الرحمن بن مغراء، وبقية رواته ثقات، وقال الترمذي: حديث غريب، والطبراني في الكبير، عن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفا عليه، وفيه رجل لم يسم، وروي عن جابر رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- : ( يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ جُلُودَهُمْ قُرِضَتْ بِالْمَقَارِيضِ مِمَّا يَرَوْنَ مِنْ ثَوَابِ أَهْلِ الْبَلاَءِ). [أخرجه الترمذي (4/603، رقم 2402)، وقال: غريب. والبيهقي في شعب الإيمان (7/180، رقم 9921)، والطبراني في الصغير (1/156، رقم 241)]. وروى الطبراني في الكبير، من رواية ابن الزبير، وعَنْ جَابِرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (يُؤْتَى بِالشَّهِيدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُنْصَبُ لِلْحِسَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِأَهْلِ الْبَلَاءِ، فَلَا يُنْصَبُ لَهُمْ مِيزَانٌ، وَلَا يُنْشَرُ لَهُمْ دِيوَانٌ، فَيُصَبُّ لَهُمُ الْأَجْرُ صَبًّا، حَتَّى إنَّ أَهْلَ الْعَافِيَةِ لَيَتَمَنَّوْنَ فِي الْمَوْقِفِ أَنَّ أَجْسَادَهُمْ قُرِضَتْ بِالْمَقَارِضِ مِنْ حُسْنِ ثَوَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ). [أخرجه الطبراني (12/182، رقم 12829)]. وروى ابن ماجه والترمذي، وقال حديث حسن غريب، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَالصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ). [أخرجه الترمذي (4/601، رقم 2396)، وقال: حسن غريب. وابن ماجه (2/1338، رقم 4031)، والبيهقي في شعب الإيمان (7/144، رقم9782)، والقضاعي (2/170، رقم 1121)]، وروى البخاري، ومسلم، عن عائشة رضي الله عنها، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه، حتى الشوكة يُشاكها) [رواه البخاري (5640)، ومسلم (2572)]، وروى البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه)، [ رواه البخاري (5641) و (5642)، ومسلم (2573)]،  وروى البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (من يرد الله به خيراً يُصب منه). [ رواه البخاري (5645)]،  وروى ابن ماجه، وإسناده حسن، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله، وما عليه خطيئة). [رواه ابن ماجه (2562)]. وروى البخاري ومسلم، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (ما من مسلم يصيبه أذى، مرض فما سواه، إلا حط الله له سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها). [ رواه البخاري (5660)، ومسلم (2571)]، وروى ابن ماجه، والترمذي، والنسائي في “الكبرى”، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله: ( أي الناس أشد بلاء؟ قال: “الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتَلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صُلبا، اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتُلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة). [رواه ابن ماجه (4023)، والترمذي (2561)، والنسائي في “الكبرى” (7439وهو حديث صحيح].

عباد الله، بهذه النصوص الشرعية وغيرها، يتبين لنا أن الأمراض والابتلاءات، لا يصيب بها الحق عز وجل من يكره من عباده، بل من يحب، لما فيها من الثواب والأجر، فما على العبد المطيع إلا أن يصبر على البلاء بعد الأخذ بالأسباب المشروعة من علاج بالعقاقير والأعشاب والأدعية المأثورة… وغيرها، وإلا فسنحرم الثواب، ولا يُزال عنا البلاء.

عباد الله، إن الحياة الدنيا دار الهموم والابتلاءات، لا طعم لها دون الصبر، ولا ربح في الآخرة دون الصبر، ورحم الله من قال:

 بنى الله للأخيار بيتا سماؤه *** هموم وأحزان وحيطانه الضر.

 وأدخلهم فيه وأغلق بابــــــــــــه  *** وقال لهم مفتاح بابكم الصبر.

 فيا عباد الله، إن الذي لا يعرف الله، يحمل فوق رأسه هموما بسعة الدنيا وما فيها، أما الذي عرف ربه، فتمتلئ دنياه نورا وسرورا، رغم ما فيه من المرض والضر، فيا أيها المريض القلق الذي لا يرضى بما هو فيه، ويضيق به الحال، اعلم أن ألم الأمراض المادية، يذوب ويسحق تحت وابل السرور المعنوي والشفاء، القادمين من الإيمان، فلماذا القلق يا مسكين؟ ولماذا القلق يا مسكينة؟ أتقلق أيها المريض دون داع للقلق، أنت قلق من وطأة المرض وشدته، فقلقك هذا سيزيد من ثقل المرض عليك، فإن كنت تريد أن تخفف المرض عنك، فاسع جاهدا للابتعاد عن القلق، وداوم على ذكر الله عز وجل، واطلب منه سبحانه وتعالى وحده الشفاء دون سواه، فهو القائل في محكم كتابه في سورة الشعراء: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) [الشعراء: 80]، وما الأطباء إلا أسباب فقط، واعلم أخي المريض، واعلمي أختي المريضة، أن المرض هو رفع للمنزلة عند الله، إذا لم يكن أحد منكم قادر على نيلها لولا المرض، فقد روى الامام أحمد في المسند، وأبو داود، وأبو يعلى، والطبراني في الكبير والأوسط، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (إِذَا سَبَقَتْ لِلْعَبْدِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلٍ، ابْتَلاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي جَسَدِهِ، وَمَالِهِ، وَوَلَدِهِ، فَصَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَنَالَ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى)، في جسده أي بمرض، أو ماله أي بالفقر، أو في ولده أي بفقدانه.

 فيا أيتها الأم الحنون، يا من تتألمين لتألم ابنك المصاب بمرض السرطان، اعلمي أنه جاء في الأثر، أن المؤمن عندما يعود مريضا فيراه في حالة مؤلمة، يقول: (يا رب ارحمه)، فيجيبه الحق عز وجل: (أأنت أرحم به مني).

عباد الله، إن الرحمة ينبغي أن لا نتصورها في الصحة والعافية والمال والبنين والجاه، فهذا مقياس خاطئ، ويأتي الرسول صلى الله عليه وسلم الكريم على الله، ليصحح لنا المفاهيم فيقول فيما رواه ابن ابي الدنيا، والطبراني في الأوسط، والبزار باختصار، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَتَبَسَّمَ، فَقُلْنَا: (يَا رَسُولَ الله، مِمَّ تَبَسَّمْتَ؟ قَالَ: عَجِبْتُ لِلْمُؤْمِنِ وَجَزَعِهِ مِنَ السَّقَمِ، وَلَوْ يَعْلَمُ مَا فِي السَّقَمِ، أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ سَقِيمًا حَتَّى يَلْقَى الله)، [رواه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (4/ 267)]. إنه تعجب وغرابة واندهاش من الرسول صلى الله عليه وسلم لحالة المؤمن التقي، وخوفه من المرض، ومعنى الحديث: الإنكار والذم لمن يحصل منه فزع، ولو كان يعلم ماله من الأجر والثواب، ومغفرة الذنوب، لاختار أن يمرض طول عمره، بهذه الهمة العالية، نستقبل الأمراض، وبهذه الإرادة القوية، وبهذا اليقين، نعيش سعداء رغم أضرارنا وأمراضنا وأسقامنا وهمومنا وغمومنا ومشاكلنا، بخلاف الكفار وقليلي الإيمان الذين يحرمون من لذة الدنيا وسعادة الآخرة لعدم الرضا بقضاء الله وقدره، فيخسرون دنياهم وآخرتهم.

 وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون إلى يوم الدين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.