جُنَّة العالم لا ادري
بقلم: الأستاذة نهى بناني
إن الدين الحنيف علم وعبادة مقيد بعلوم الشريعة الإسلامية السمحة، وموكل على رجال رسخو في العلم رسوخا.
ونحن نعيش في عصرنا الحاضر تصدر كثير من طلبة العلم للفتوى عبر القنوات الفضائية والإذاعات ومواقع التواصل الاجتماعي، مستدلين بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:*بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار* رواه البخاري.
فقد أخذوا طرف الحديث الا وهو:
*بلغوا عني ولو آية* وغفلوا الطرف الآخر: *من كذب علي متعمدا فليتبوا مقعده من النار*
إننا اليوم نرى كتابات ونسمع صوتيات عبر القنوات الفضائية والإذاعات تجرأ بعض الشباب للإفتاء، فلو كانت تلك المسألة في زمن السلف الصالح لضربوا من أجلها أكباد الإبل او لجمعوا علماء الأمة قبل إصدار الفتوى.
بل إن السلف الصالح وغيرهم من علماء الإسلام يمسكون عليهم ألسنتهم إلا للضرورة ليس لهم منها بد، مع ما لديهم من علم غزير وأدب كثير، قال عنهم شيخ المالكية في عصره سحنون عبد السلام بن حبيب: *كان بعض من مضى يريد أن يتكلم بالكلمة، ولو تكلم بها لانتفع بها خلق كثير، فيحبسها، ولا يتكلم بها، مخافة المباهاة، وكان إذا أعجبه الصمت تكلم ويقول: أجرأ الناس على الفتيا أقلهم علما* (سير اعلام النبلاء ج8ص30.)
وقال عمر بن عبد العزيز: *من قال لا أدري فقد أحرز نصف العلم*
فعلق الجاحظ قائلا: *لأن الذي له على نفسه هذه القوة قد دلنا على جودة التثبت وكثرة الطلب، وقوة المنة* (البيان والتبيين ج1ص:398).
والصحابي الجليل عبد الله بن مسعود يرى أن الذي يفتي الناس في كل مايستفتونه مجنون، وهو يقصد العالم الذي عنده آليات وأدوات العلم، فكيف بمن ليس له إلا الجهل والغرور والكبر وسلاطة اللسان وهدره.
الإمام مالك بن أنس رحمه الله تبارك وتعالى كان يظهر عليه قول لا أدري ولا أعلم كثيرا في مجالسه التي كان يحدث فيها.
يقول رحمه الله: *جنة العالم لا أدري قال فإذا أغفلها أصيبت مقاتله* (ذكره الذهبي في السير وابن عبد البر في الانتقاء)
ويقول خالد بن خداش قدمت على مالك من العراق بأربعين مسألة، فما أجابني منها إلا في خمس مسائل.
وقد روي عن مالك بن أنس: أن رجلا سأله عن مسألة، فقال: لا أدري، فقال: سافرت البلدان إليك، فقال :ارجع الى بلدك، وقل:سألت مالك، ففال:لا أدري.
فانظر إلى دين الإمام مالك وعقله، كيف استراح من الكلفة، وسلم من عند الله عز وجل.
وقال عطاء بن السائب عن أبي البختري، عن علي كرم الله وجهه قال: **وأبردها على الكبد إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول الله أعلم.” (السير ج2ص:191).
ولو سكت من لايعرف كما يقول الغزالي لقل الاختلاف، ومن قصر باعه، وضاق نظره عن كلام علماء الأمة والاطلاع عليه، فما له وللتكلم فيما لا يدريه، والدخول فيما لا يعنيه؟! وحق مثل هذا أن يلزم السكوت. (الحاوي للفتوى للسيوطي ج2ص:116).
الواجب على المفتي أن يحذر مغبة الفتوى وأن يتقي الله، وأن لا يفتي إلا عن علم وأن يقول إلا عن علم، وأن يكثر من قول لا أدري او الله أعلم لأنها ليست عيب في حقه. الفتوى امرها عظيم وخطرها كبير. يروى في حديث مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: *أجرؤهم على الفتيا أجرؤهم على النار*
والله تعالى يقول: *قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن و الإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون* :سورة الأعراف :33. فجعل القول على الله بغير علم فوق مرتبة الشرك لعظم الخطر.
وقال تعالى :*إنما يامركم بالسوء و الفحشاء وان تقولوا على الله مالا تعلمون* البقرة :169.صدق الله مولانا العظيم