منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قلوب على مرآة الوحي | سلسلة معراج الروح:

الأستاذ رشيد كريم

0

قلوب على مرآة الوحي | سلسلة معراج الروح:

القلب الشاكر والقلب الجاحد

الأستاذ رشيد كريم

بين يدي الموضوع

هدفي في هذه الحلقات عمل مكاشفة على قلوبنا من خلال عرض تصرفاتها، مع المواقف التي تعترضها في سيرها الى الله تعالى، على مرآة كتاب ربنا وسنة سيدنا وسندنا نبينا ﷺ

أخي القارئ أختي القارئة:

في كل يوم تمر بنا أحداث ومواقف، هذه المواقف يكون فيها للقلب اختيار للتصرف، وحيث إنه الملك فهو الذي يعطي الأوامر للجوارح المنفذة وبالتالي فحري بنا أن نقف مع قلوبنا، ونعرضها على مرآة كتاب الله وسنة رسوله الكريم ﷺ في كل يوم، بل في كل ساعة، بل مع كل نَفَس.

قد يقول قائل: هناك آفات كآفة اللسان و العين و غيرها من الجوارح ، كان الأجدر الحديث عنها، نقول أن كل هذه الجوارح ، المحرك الأساسي لها هو القلب ، فنبينا الكريم ﷺ أخبرنا بهذا فقال : ﴿إنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ، وإنَّ الحَرامَ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشْتَبِهاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وعِرْضِهِ، ومَن وقَعَ في الشُّبُهاتِ وقَعَ في الحَرامِ، كالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فِيهِ، ألا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألا وإنَّ حِمَى اللهِ مَحارِمُهُ، ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ.

الراوي: النعمان بن بشير – المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – خلاصة حكم المحدث: صحيح- التخريج: أخرجه البخاري ومسلم.

ذَكَر النبيُّ ﷺ كَلمةً جامعةً لصَلاحِ حرَكاتِ بَني آدَمَ وفَسادِها، وهي أنَّ أساسَ صلاحِ الجَسدِ كُلِّه وأساسَ فسادِه مبنيٌّ على صلاحِ القَلْبِ وفَسادِه؛ فإذا صلَحَ القلبُ صلَحَت إرادتُه، وصلَحَت جَميعُ الجوارحِ، فلم تَنبعِثْ إلَّا إلى طاعةِ اللهِ، واجتنابِ سَخَطِه، فقَنِعَتْ بالحلالِ عن الحرامِ، وإذا فسَد القلبُ فسَدَت إرادتُه، ففسَدَتِ الجوارحُ كلُّها، وانبعثَتْ في مَعاصي اللهِ عزَّ وجلَّ، وما فيه سَخَطُه، ولم تَقنَعْ بالحلالِ، بلْ أسرَعَتْ في الحرامِ بحسَبِ هَوى القلبِ ومَيلِه عنِ الحقِّ.

فلا يليق أن نشتغل على الفرع وننسى الأصل، فالإنسان كشجرة، القلب جذرها الذي يغذي الأغصان والأوراق، ولن تجد أوراقا خضراء مورقة إلا إذا كان الجذر صالحا، فما فائدة رش الأوراق بالماء إذا كان الجذر ميت؟

علق ربنا الكريم سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة على القلب، قال ربنا في محكم كتابه ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنَ اَتَي اَ۬للَّهَ بِقَلْبٖ سَلِيمٖۖ (89)﴾ – سورة الشعراء 88-89 –

خصّ القلب بالذكر لأنه الذي إذا سلم سلمت الجوارح كلها، وإذا فسد فسدت سائر الجوارح، وهذا المطلب المهمّ كان من مطالب النبي ﷺ حيث كان من دعائه ﴿اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا﴾

عزيزي القارئ:

لا سعادة في الآخرة إلا بالمحافظة على القلب في الدنيا، لذا نؤكد على ضرورة مكاشفته على مرآة الوحي.

الله تعالى علق دخول الجنة على قلب كانت قراراته صحيحة فقال عز من قائل في كتابه المبين ﴿وَأُزْلِفَتِ اِ۬لْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍۖ (31) هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٖۖ (32) مَّنْ خَشِيَ اَ۬لرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٖ مُّنِيبٍ (33) اُ۟دْخُلُوهَا بِسَلَٰمٖۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ اُ۬لْخُلُودِۖ (34) لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٞۖ (35)﴾ – سورة ق -31 -35-

أواب: رجاع إلى الله عن المعاصي، ثم يرجع يذنب ثم يرجع، هكذا قاله الضحاك وغيره.

وقال ابن عباس وعطاء: الأواب المسبح من قوله تعالى ﴿يا جبال أوبي معه﴾.

وقال الحكم بن عتيبة: هو الذاكر لله تعالى في الخلوة.

وقال الشعبي ومجاهد: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلوة فيستغفر الله منها. وهو قول ابن مسعود.

وقال عبيد بن عمير: هو الذي لا يجلس مجلسا حتى يستغفر الله تعالى فيه.

وقال أبو بكر الوراق: هو المتوكل على الله في السراء والضراء.

وقال القاسم: هو الذي لا يشتغل إلا بالله عز وجل. “

حفيظ: قال ابن عباس: هو الذي حفظ ذنوبه حتى يرجع عنها.

وقال قتادة: حفيظ لما استودعه الله من حقه ونعمته وائتمنه عليه.

وعن ابن عباس أيضا: هو الحافظ لأمر الله.

وعن مجاهد: هو الحافظ لحق الله تعالى بالاعتراف ولنعمه بالشكر.

وقال الضحاك: هو الحافظ لوصية الله تعالى بالقبول.

من خشي الرحمن بالغيب: الخشية بالغيب أن تخافه ولم تره.

وقال الضحاك والسدي: يعني في الخلوة حين لا يراه أحد.

وقال الحسن: إذا أرخى الستر وأغلق الباب.
وجاء بقلب منيب: مقبل على الطاعة. وقيل: مخلص.

وقال أبو بكر الوراق: علامة المنيب أن يكون عارفا لحرمته ومواليا له، متواضعا لجلاله تاركا لهوى نفسه.

إن الأوبة والحفظ والخشية والإنابة كلها أعمال قلبية وهي شروط جعلها الله تعالى لدخول جنته.

رسولنا الكريم ﷺ أكد على ضرورة وأهمية القلب فقال لنا في الحديث النبوي الشريف ﴿لا يَسْتَقيمُ إِيمانُ عبدٍ حتَّى يَستَقيمَ قلبُه، ولا يَسْتَقيمُ قلبُه حتَّى يَستَقيمَ لسانُه، ولا يدخُلُ الجنَّةَ رجُلٌ لا يَأْمَنُ جارُه بَوائِقَه﴾

الراوي: أنس بن مالك – المحدث: الألباني – المصدر: صحيح الترغيب – خلاصة حكم المحدث: حسن

لا يَستقيمُ إيمانُ عَبدٍ حتَّى يَستقيمَ قلْبُه” والمُرادُ باستقامةِ إيمانِه : استقامةُ أعمالِ جَوارحِه؛ فإنَّ أعمالَ جَوارحِه لا تَستقيمُ إلَّا باستقامةِ القلْبِ، ومَعْنَى استقامةِ القلْبِ : أنْ يكونَ مُمْتلِئًا بمَعرفةِ اللهِ ومَحبَّتِه، ومَحبَّةِ طاعتِه، وكراهةِ مَعصيَتِه، وعَظَمتِه، وخَشيَتِه، ومَهابَتِه، ورَجائِه، والتَّوكُّلِ عليه، وهذا هو حَقيقةُ التَّوحيدِ

النبي ﷺ أكد هذه الحقيقة فقال: ﴿البِرُّ ما سَكَنَتْ إليهِ النَّفْسُ، واطْمَأنَّ إليهِ القلبُ، والإِثْمُ ما لمْ تَسْكُنْ إليهِ النَّفْسُ، ولمْ يَطْمَئِنَّ إليهِ القلبُ، وإنْ أَفْتَاكَ المُفْتُون﴾.

الراوي: أبو ثعلبة الخشني – المحدث: الألباني – المصدر: صحيح الترغيب -خلاصة حكم المحدث: صحيح – التخريج: أخرجه أحمد، والطبراني وأبو نعيم في حلية الأولياء

جاء أنَّ رجلًا سألَ رسولَ اللَّهِ – صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ – : ما الإيمانُ ؟ قالَ ﷺ: ﴿إذا سَرَّتكَ حسَنتُكَ، وساءَتكَ سيِّئتُكَ؛ فأنتَ مؤمن﴾. قالَ: يا رسولَ اللَّهِ! فما الإثمُ؟! قالَ ﷺ: ﴿إذا حاكَ في نفسِكَ شيءٌ فدَعهُ﴾

الراوي: أبو أمامة الباهلي – المحدث: الألباني – المصدر: هداية الرواة – خلاصة حكم المحدث: صحيح

التخريج: أخرجه أحمد في المسند واللفظ له، والطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك باختلاف يسير.

أخي الكريم أختي الكريمة:

نحتاج للقلب في كل مواقفنا لأنه آلة الإبصار والاعتبار، قال الله تعالى ﴿اَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِے اِ۬لَارْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٞ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوَ اٰذَانٞ يَسْمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَي اَ۬لَابْصَٰرُ وَلَٰكِن تَعْمَي اَ۬لْقُلُوبُ اُ۬لتِے فِے اِ۬لصُّدُورِۖ (44) – سورة الحج -44-

فالعقل والتدبر والفكر لا يكون إلا بقلب الإنسان، وكلما عطل القلب كان صاحبه في أهل الشقاوة، قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراٗ مِّنَ اَ۬لْجِنِّ وَالِانسِۖ لَهُمْ قُلُوبٞ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمُۥٓ أَعْيُنٞ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمُۥٓ ءَاذَانٞ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآۖ أُوْلَٰٓئِكَ كَالَانْعَٰمِ بَلْ هُمُۥٓ أَضَلُّۖ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْغَٰفِلُونَۖ(179) ﴾- سورة الأعراف -179-

وصولنا إلى الله تعالى لا يكون بحركة الأبدان بل بحركة القلوب ولله ذر يحيى بن معاذ رحمه الله قال: مَفَاوِزُ الدُّنْيَا تُقْطَعُ بِالْأَقْدَامِ وَمَفَاوِزُ الْآخِرَةِ تُقْطَعُ بِالْقُلُوبِ– حلية الأولياء –

وقال القشيري: ولا تقطع تلك المنازل الموصلة الى الله بالنفوس وإنما تقطع بالقلوب

نعيش فيما ييسر الله تعالى مع أنواع من القلوب في هذه الحلقات سائلين الله تعالى الرشد والرشاد

القلب الشاكر 

من المواقف التي تمر بنا يوميا بل لحظيا، تعرضنا لنعم الله تعالى الكثيرة، فمنا من يوفقه الله تعالى فيكون قلبه لله شاكرا والبعض منا قد يكون قلبه معرضا وآخرون قد تكون قلوبهم جاحدة.

نجلس إلى نبي الله سليمان عليه وعلى نبينا السلام ونتتلمذ كيف كان يقف مع قلبه عند كل نعمة

لما أتاه الله تعالى العلم ماذا كان حال قلبه عليه السلام؟، قال الله تعالى ﴿وَلَقَدَ اٰتَيْنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَٰنَ عِلْماٗ﴾ فكان جوابه ﴿وَقَالَا اَ۬لْحَمْدُ لِلهِ اِ۬لذِے فَضَّلَنَا عَلَيٰ كَثِيرٖ مِّنْ عِبَادِهِ اِ۬لْمُومِنِينَۖ (15)﴾ -سورة النمل -15-

لما مر عليه السلام على قرية النمل ، سمع نملة و فهم كلامها ، فما كان حال قلبه حيال هذه النعمة ، قال الله تعالى ﴿ ۞وَحُشِرَ لِسُلَيْمَٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ اَ۬لْجِنِّ وَالِانسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَۖ (17) حَتَّيٰٓ إِذَآ أَتَوْاْ عَلَيٰ وَادِ اِ۬لنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٞ يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لنَّمْلُ اُ۟دْخُلُواْ مَسَٰكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَۖ (18) ﴾ ، فماذا كان موقف قلبه ﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاٗ مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيَ أَنَ اَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَ۬لتِےٓ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَيٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنَ اَعْمَلَ صَٰلِحاٗ تَرْض۪يٰهُ وَأَدْخِلْنِے بِرَحْمَتِكَ فِے عِبَادِكَ اَ۬لصَّٰلِحِينَۖ (19) ﴾ – سورة النمل -19-

لما أراد عليه السلام أن يأتي بعرش بلقيس و بدأ بسؤال جنده و وزرائه حتى قال ﴿ قَالَ يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لْمَلَؤُاْ اَ۬يُّكُمْ يَاتِينِے بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَّاتُونِے مُسْلِمِينَۖ (39) قَالَ عِفْرِيتٞ مِّنَ اَ۬لْجِنِّ أَنَآ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَۖ وَإِنِّے عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ اَمِينٞۖ (40) قَالَ اَ۬لذِے عِندَهُۥ عِلْمٞ مِّنَ اَ۬لْكِتَٰبِ أَنَآ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَنْ يَّرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَۖ و هذا حال قلبه تجاه نعمة ربه ﴿فَلَمَّا ر۪ء۪اهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّے لِيَبْلُوَنِيَ ءَآشْكُرُ أَمَ اَكْفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّے غَنِيّٞ كَرِيمٞۖ (41)﴾ – سورة النمل -39-41

هذه بعض الأمثلة كلها إجابات واضحة أن قلب سيدنا سليمان عليه السلام كان قلبا شاكرا.

يا ترى هل قلوبنا شاكرة؟

أعظم نعمة أن يكون قلب العبد لماحا للنعمة شاكرا لها.

عن معاذ أنَّ رسولَ اللَّه صلَّى اللَّه علَيهِ وسلَّمَ أخذَ بيدِهِ، وقالَ: ﴿يا مُعاذُ، واللَّهِ إنِّي لأحبُّكَ، واللَّهِ إنِّي لأحبُّك، فقالَ: أوصيكَ يا معاذُ لا تدَعنَّ في دُبُرَ كلِّ صلاةٍ تقولُ: اللَّهمَّ أعنِّي على ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحُسنِ عبادتِكَ﴾

الراوي: معاذ بن جبل – المحدث: الألباني – المصدر: صحيح أبي داود – خلاصة حكم المحدث: صحيح

رسولنا ﷺ كانَ يقولُ في دعائِهِ ﴿ربِّ أعنِّي ولا تُعِنْ عليَّ، وانصُرني ولا تنصُرْ عليَّ، وامكُر لي ولا تَمكُر عليَّ، واهدِني ويسِّرِ الهدى لي، وانصُرني على من بغَى عليَّ، ربِّ اجعَلني لَكَ شَكَّارًا، لَكَ ذَكَّارًا، لَكَ رَهَّابًا، لَكَ مُطيعًا، إليكَ مُخبتًا، إليكَ أوَّاهًا مُنيبًا، ربِّ تقبَّل تَوبَتي، واغسِل حَوبَتي، وأجِب دعوَتي، واهدِ قلبي، وسدِّد لساني، وثبِّت حجَّتي واسلُلْ سَخيمةَ قلبي﴾

الراوي: عبد الله بن عباس – المحدث: الألباني – المصدر: صحيح ابن ماجه – خلاصة حكم المحدث: صحيح – التخريج: أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه واللفظ له

﴿ربِّ اجعَلْني لك شَكَّارًا﴾، أي: كثيرَ الشُّكرِ في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ، وفي القولِ والعمَلِ، وفي السِّرِّ، وفي العلَنِ، وفي تقديمِ الجارِّ والمجرورِ: ﴿لك﴾ دَلالةٌ على الاختِصاصِ، أي: أخُصُّك بالشُّكرِ؛ لأنَّك خالِقُ النِّعَمِ، ومُعْطيها، سأَل اللهَ التَّوفيقَ إلى الشُّكرِ؛ لأنَّ به تَدُومُ النِّعمُ.

ولما نزل قول الله تعالى ﴿وَالذِينَ يَكْنِزُونَ اَ۬لذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِے سَبِيلِ اِ۬للَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ اَلِيمٖۖ (34) – التوبة -34-

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ﴿تبا للذهب والفضة﴾، قالوا: يا رسول الله، فأي المال نكنز؟ قال ﷺ: ﴿قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وزوجة صالحة﴾

– في رواية أخرى – قالَ كنَّا معَ رسول اللَّه صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ في بعضِ أسفارِهِ فقالَ بعضُ أصحابِهِ أنزلَ في الذَّهبِ والفضَّةِ لو علمنا أيُّ المالِ خيرٌ فنتَّخذَهُ فقالَ ﷺ: ﴿أفضلُهُ لسانٌ ذاكرٌ وقلبٌ شاكرٌ وزوجةٌ مؤمنةٌ تعينُهُ على إيمانِه﴾

الراوي: ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم -المحدث: الألباني – المصدر: صحيح الترمذي- خلاصة حكم المحدث: صحيح

أفضل شيء تذخر هو القلب الشاكر

فما صفاته؟

  • لماح للنعمة
  • ناسِبها للمنعم عز وجل
  • مسَخِرها في طاعة الله وخدمة عياله سبحانه وتعالى

القلب الشاكر يجعل للفقراء نصيبا من ماله.

القلب الشاكر يسخر ما معه من نعم في خدمة أمة رسول الله ﷺ …

القلب الشاكر ساوى النبي ﷺ بينه وبين الصائم الصابر لقوله ﷺ ﴿الطاعمُ الشَّاكرُ بمنزلةِ الصائمِ الصابرِ﴾

الراوي: أبو هريرة – المحدث: الألباني – المصدر: صحيح الترمذي – خلاصة حكم المحدث: صحيح

التخريج: أخرجه البخاري معلقاً، وأخرجه موصولاً الترمذي وابن ماجه واللفظ لهما، وأحمد.

فلنعود أنفسنا بتحريك القلوب بكلمة ﴿الحمد لله﴾

مع كل نعمة دائمة أو متجددة نتعود على قول ﴿الحمد لله﴾

كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إذا رأى ما يُحبُّ قالَ ﴿الحمدُ للَّهِ الَّذي بنِعمتِهِ تتمُّ الصَّالحاتُ﴾ وإذا رأى ما يكرَهُ قالَ ﴿الحمدُ للَّهِ علَى كلِّ حالٍ﴾

الراوي: عائشة أم المؤمنين – المحدث: الألباني – المصدر: صحيح ابن ماجه – خلاصة حكم المحدث: حسن-التخريج: أخرجه ابن ماجه، وابن السني في عمل اليوم والليلة واللفظ لهما، والطبراني في المعجم الأوسط باختلاف يسير

﴿إنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا﴾.

الراوي: أنس بن مالك – المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – خلاصة حكم المحدث: صحيح

رِضا اللهُ عزَّ وجلَّ غايَةُ كُلِّ مُسلمٍ، وعندما يَستشعِرُ المسْلمُ نِعمَ اللهِ عليه، ويَمتلِئُ قَلبُه بالحمدِ، ويَنطِقُ لِسانُه بالثَّناءِ على اللهِ؛ فإنَّ هذا يَكونُ سَببًا لنَيْلِ مَحبَّةِ اللهِ ورِضاهُ.

وفي هَذا الحديثِ يُبَيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحدَ الأُمورِ الَّتي يَستَطيعُ المُسلِمُ أنْ يَحظَى فيها بِرِضا اللهِ، فأخبر صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ﴿إنَّ اللهَ لَيَرْضَى عنِ العَبْدِ أنْ يَأكُلَ الأَكْلَةَ﴾ وهِيَ المرَّةُ الواحدَةُ مِنَ الأَكْلِ كالغَداءِ والعَشاءِ، ويُروى «الأُكْلةَ» بضَمِّ الهمزةِ، أي: اللُّقمةَ، وهي أبلَغُ في بَيانِ اهتمامِ أداءِ الحمْدِ. ﴿فيَحمَدَه عليها﴾، فيقولَ: الحمدُ للهِ، ﴿أو يَشْرَبَ الشَّربَةَ﴾ مِن الماءِ ونحوِه مِن المشروباتِ ﴿فيَحمَدَه عليها﴾، وقدْ ورَدَ عندَ البُخاريِّ بَيانُ إحْدى صِيغِ الحمدِ الَّتيِ كان يقولُها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ وهي: ﴿الحمدُ للهِ حمْدًا كثيرًا طيِّبًا مُباركًا فيه، غيرَ مَكفِيٍّ ولا مُودَّعٍ ولا مُستَغنًى عنه ربَّنا﴾.
والرِّضا منه تَعالَى على هذا الفعلِ اليسيرِ إنَّما هو مِن عَظيمِ فَضلِه؛ فسُبحانَه ما أَكْرَمَه! أَعْطَى المَأْكولَ وأَقْدَرَ على أَكْلِه وجَعَلَه سائغًا وساقَه إلى عَبْدِه، وأَوْجَدَه مِنَ العَدَمِ ثُمَّ أَقْدَرَه على حَمْدِه، وأَلْهَمَه قَولَهُ وعَلَّمَه النُّطْقَ به، ثُمَّ كان سَببًا لرِضائِه.
وفي الحديثِ: تَنويهٌ عَظيمٌ بمَقامِ الشُّكرِ؛ حيث رُتِّبَ عليه هذا الجزاءُ العظيمُ الَّذي هو أكبَرُ أنواعِ الجزاءِ، وهو رِضا اللهِ.
وفيه: دَليلٌ على أنَّ رِضا اللهِ عزَّ وجلَّ قدْ يُنالُ بأَدْنى سَببٍ؛ مِثلُ الحمدِ عندَ المرَّةِ الواحدةِ مِن الأكلِ أو الشُّربِ.

القلب الشاكر يوصل إلى رضى الله عنا في الدنيا والآخرة.

القلب الجاحد للنعمة:

نعم الله تعالى تترى، لكن بعض الناس قد يكون معرضا عن النعمة كافرا بها.

الله تعالى منَّ على قوم سبأ بنعم عظيمة ، قال الله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٖ فِے مَسَٰكِنِهِمُۥٓ ءَايَةٞۖ جَنَّتَٰنِ عَنْ يَّمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُواْ لَهُۥۖ بَلْدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞۖ (15) فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ اَ۬لْعَرِمِ وَبَدَّلْنَٰهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيُ ا۟كْلٍ خَمْطٖ وَأَثْلٖ وَشَےْءٖ مِّن سِدْرٖ قَلِيلٖۖ (16) ذَٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلْ يُجَٰز۪يٰٓ إِلَّا اَ۬لْكَفُورُۖ (17) ۞وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اَ۬لْقُرَي اَ۬لتِے بَٰرَكْنَا فِيهَا قُريٗ ظَٰهِرَةٗ وَقَدَّرْنَا فِيهَا اَ۬لسَّيْرَۖ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً اٰمِنِينَۖ (18) فَقَالُواْ رَبَّنَا بَٰعِدْ بَيْنَ أَسْف۪ارِنَا وَظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَٰهُمُۥٓ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَٰهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍۖ اِنَّ فِے ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبّ۪ارٖ شَكُورٖۖ  (19)-سبأ -15-19-

امتن الله تعالى على قوم سبأ بثلاث منن عظيمة:

  • نعمة الأكل والشرب ﴿جَنَّتَٰنِ عَنْ يَّمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُواْ لَهُۥۖ﴾
  • نعمة الصحة والعافية ﴿بَلْدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞۖ﴾
  • نعمة الأمن ﴿سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً اٰمِنِينَۖ﴾

وهذه النعم هي التي جمعها رسولنا الكريم ﷺ في حديثه الشريف ﴿مَن أصبحَ منكم آمنًا في سربِهِ، مُعافًى في جسدِهِ عندَهُ قوتُ يومِهِ، فَكَأنَّما حيزت لَهُ الدُّنيا﴾

الراوي: عبيدالله بن محصن – المحدث: الألباني – المصدر: صحيح الترمذي – خلاصة حكم المحدث: حسن -التخريج: أخرجه الترمذي واللفظ له، وابن ماجه

في هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم مُعلِّمًا أصحابَه وأُمَّتَه مِن بَعدِهم: ﴿مَن أصبَح مِنكم﴾، أي: أيُّ عبدٍ كان: ﴿آمِنًا في سِرْبِه﴾، أي: توفَّر له الأمانُ على نفْسِه أو على أهلِه وجَماعتِه، وقيل: السِّربُ هو السَّبيلُ أو الطَّريقُ، وقيل: البيتُ، ﴿مُعافًى في جسَدِه﴾، أي: تَحصَّلَت له العافيةُ في الجسَدِ فسَلِم مِن المرَضِ والبلاءِ وكان صَحيحًا، ﴿عندَه قوتُ يومِه﴾، أي: وتوفَّر له رِزقُ يومِه وما يَحتاجُه مِن مَؤونةٍ وطعامٍ وشرابٍ يَكْفي يومَه، ﴿فكأنَّما حِيزَتْ له الدُّنيا﴾، أي: فكَأنَّما مَلَك الدُّنيا وجمَعها كلَّها؛ فمَن توَفَّر له الأمانُ والعافيةُ والرِّزقُ لا يَحتاجُ إلى شيءٍ بعدَ ذلك، فكان كمَن ملَك الدُّنيا، وجمَعها، فلا يَحتاجُ إلى شيءٍ آخَرَ، وعلى العبدِ أنْ يحَمْدَ اللهَ تعالى ويشُكرَه على هذه النِّعمِ.
نرجع لقوم سبأ و نعرض قلوب أهلها على الوحي ، نجدها قلوبا معرضة ، لم تشكر النعمة ، لم تنسبها لله تعالى بل تجرأت على ربها و كفرت بهذه النعم ، قال الله تعالى  ﴿فَأَعْرَضُواْ ﴾   

والإعراض حركة قلب بحثة، فكانت النتيجة ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ اَ۬لْعَرِمِ وَبَدَّلْنَٰهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيُ ا۟كْلٍ خَمْطٖ وَأَثْلٖ وَشَےْءٖ مِّن سِدْرٖ قَلِيلٖۖ (16) ذَٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلْ يُجَٰز۪يٰٓ إِلَّا اَ۬لْكَفُورُۖ (17)﴾

في القرآن الكريم قصص كثيرة لمن من الله عليهم بنعمه، لكن حركة قلوبهم كانت الإعراض.

وبالمقابل كان عقاب الله تعالى شديد، فتارة يكون بزوال النعمة، وتارة بإهلاك الجاحدين مع بقاء النعمة بعدهم للاعتبار، وتارة بإهلاك الجاحدين مع زوال النعمة.

نموذج قوم عاد

قوم عاد أتاهم الله نعما كثيرة، حيث متّعهم الله -سبحانه- بقوّةٍ في الأبدان، وبسط لهم في المال الشيء الكثير، حتى أصبحوا أصحاب قوّة ماديّة وبدنيّة، حيث كانوا أصحاب أكبر قوّة عسكريّة في زمانهم، وكانت لهم الخِلافة في الأرض من بعد قوم نوح عليه السلام

وذكر الله -تعالى- في كتابه صور قوّتهم وعمرانهم في عدّة آياتٍ؛ منها قول الله تعالى: ﴿ اَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) اِرَمَ ذَاتِ اِ۬لْعِمَادِ (7) اِ۬لتِے لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِے اِ۬لْبِلَٰدِ (8) -سورة الفجر –  وقال: ﴿ وَاتَّقُواْ اُ۬لذِےٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُم بِأَنْعَٰمٖ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّٰتٖ وَعُيُونٍۖ (134)-﴾ -سورة الشعراء -132-134 وقال أيضاً: ﴿  وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) – سورة الشعراء-129- ، حيث كانت قوّة قوم عاد لا تضاهيها أي قوّة في ذلك الزمان، وامتازوا أيضاً بمتاع الحياة الذي انتشر بسبب الرخاء والقوة والقدرة، وكذلك تربية المواشي، وبناء المصانع والعمران، والشعور بالحضارة العظيمة والسيطرة على جميع مناحي الحياة…

لكنهم أعرضوا فكانت النتيجة الإهلاك مع إبقاء النعمة، قال الله تعالى ﴿وَعَاداٗ وَثَمُوداٗ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَٰكِنِهِمْۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ اُ۬لشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ اِ۬لسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَۖ (38) – سورة العنكبوت -38-

ظلت مساكنهم قائمة عبرة لمن يعرض عن نعم الله تعالى.

?نموذج ثان فرعون

قال الله تعالى على لسان فرعون ﴿وَنَاد۪يٰ فِرْعَوْنُ فِے قَوْمِهِۦ قَالَ يَٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِے مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ اِ۬لَانْهَٰرُ تَجْرِے مِن تَحْتِيَۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَۖ(50)– سورة الزخرف -50-

 ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ﴾ مستعليا بباطله، قد غره ملكه، وأطغاه ماله وجنوده ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ أي: ألست المالك لذلك، المتصرف فيه، ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ أي: الأنهار المنسحبة من النيل، في وسط القصور والبساتين. ﴿ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ هذا الملك الطويل العريض، وهذا من جهله البليغ، حيث افتخر بأمر خارج عن ذاته، ولم يفخر بأوصاف حميدة، ولا أفعال سديدة.

النتيجة ﴿ كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ (24) وَزُرُوعٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ (25) وَنَعْمَةٖ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَۖ (26) كَذَٰلِكَۖ وَأَوْرَثْنَٰهَا قَوْماً اٰخَرِينَۖ (27) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ اُ۬لسَّمَآءُ وَالَارْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَۖ (28) – سورة الدخان -24-28

أهلك الله تعالى فرعون وجنوده وبقيت نعمهم شاهدة على حال من أعرض عن شكر النعم.

هذان نموذجان لأقوام أهلكهم الله تعالى وأبقى نعمهم، وهاكم نموذجا لذهاب النعمة مع بقاء الجاحدين: ? نموذج أصحاب الجنة

ذكر بعض السلف أن هؤلاء قوم كان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة، وكانوا من أهل الكتاب، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة، فكان ما خرج له من غلتها وثمرتها: يرد فيها ما يحتاج إليها، ويدخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدق بالفاضل.

فلما مات: ورثه بنوه، قالوا: لقد كان أبونا أحمق؛ إذ كان يصرف من هذه شيئا للفقراء، ولو أنا منعناهم، لتوفر ذلك علينا.

فلما عزموا على ذلك: عوقبوا بنقيض قصدهم، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية، فلم يبق لهم شيء

﴿ ۞فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٞ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِۖ (20) فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ (21) أَنُ اُ۟غْدُواْ عَلَيٰ حَرْثِكُمُۥٓ إِن كُنتُمْ صَٰرِمِينَۖ (22) فَانطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَٰفَتُونَ (23) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا اَ۬لْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٞۖ (24) وَغَدَوْاْ عَلَيٰ حَرْدٖ قَٰدِرِينَۖ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوٓاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَۖ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمُۥٓ أَلَمَ اَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَۖ (28) قَالُواْ سُبْحَٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَۖ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَيٰ بَعْضٖ يَتَلَٰوَمُونَۖ (30) قَالُواْ يَٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَٰغِينَ (31) عَس۪يٰ رَبُّنَآ أَنْ يُّبَدِّلَنَا خَيْراٗ مِّنْهَآ إِنَّآ إِلَيٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَۖ (32) كَذَٰلِكَ اَ۬لْعَذَابُۖ وَلَعَذَابُ اُ۬لَاخِرَةِ أَكْبَرُۖ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَۖ (33) – سورة القلم -19-33

ونختم بنموذج يذهب الله تعالى فيه بالنعمة والجاحد بها

نموذج قارون

 قارون ظلم بجحوده لنعم الله، تجبر في الأرض و حارب موسى ﴿۞إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوس۪يٰ فَبَغ۪يٰ عَلَيْهِمْۖ وَءَاتَيْنَٰهُ مِنَ اَ۬لْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِے اِ۬لْقُوَّةِۖ إِذْ قَالَ لَهُۥ قَوْمُهُۥ لَا تَفْرَحِ اِنَّ اَ۬للَّهَ لَا يُحِبُّ اُ۬لْفَرِحِينَۖ (76) وَابْتَغِ فِيمَآ ءَات۪يٰكَ اَ۬للَّهُ اُ۬لدَّارَ اَ۬لَاخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ اَ۬لدُّنْي۪اۖ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اَ۬للَّهُ إِلَيْكَۖ وَلَا تَبْغِ اِ۬لْفَسَادَ فِے اِ۬لَارْضِ إِنَّ اَ۬للَّهَ لَا يُحِبُّ اُ۬لْمُفْسِدِينَۖ (77)

قارون لم يشكر النعمة و لم ينسبها الى الله تعالى ، بل نسبها إلى نفسه ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَيٰ عِلْمٍ عِندِيَۖ أَوَلَمْ يَعْلَمَ اَنَّ اَ۬للَّهَ قَدَ اَهْلَكَ مِن قَبْلِهِۦ مِنَ اَ۬لْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةٗ وَأَكْثَرُ جَمْعاٗۖ وَلَا يُسْـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ اُ۬لْمُجْرِمُونَۖ (78) ، قارون لم يتواضع بل ﴿ فَخَرَجَ عَلَيٰ قَوْمِهِۦ فِے زِينَتِهِۦۖ قَالَ اَ۬لذِينَ يُرِيدُونَ اَ۬لْحَيَوٰةَ اَ۬لدُّنْي۪ا يَٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٖۖ (79) وَقَالَ اَ۬لذِينَ أُوتُواْ اُ۬لْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اُ۬للَّهِ خَيْرٞ لِّمَنَ اٰمَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحاٗۖ وَلَا يُلَقّ۪يٰهَآ إِلَّا اَ۬لصَّٰبِرُونَۖ (80)  ، فكانت النتيجة إهلاكه و نعمته ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِۦ وَبِد۪ارِهِ اِ۬لَارْضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةٖ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ اِ۬للَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ اَ۬لْمُنتَصِرِينَۖ (81) – سورة القصص -76-81

وللحديث بقية إن شاء الله تعالى …يتبع …

هذا وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.