التشافي من صدمات الطفولة وتحولات المحاسبة إلى عقوق
هبة مجد الدين صباهي
التشافي من صدمات الطفولة
وتحولات المحاسبة إلى عقوق
بقلم: هبة مجد الدين صباهي
انتشرت في الآونة الأخيرة، عبر منصات التواصل الاجتماعي، ثقافةٌ لافتة تتلبس لبوس الوعي النفسي، وتُروَّج تحت مسمى (التشافي من صدمات الطفولة) ويقود هذه الموجة عدد من “المؤثرين” الذين يعرضون تجاربهم الشخصية، ويروون حكاياتٍ عن آلامٍ قديمة وأعراضٍ نفسية صاحبت رحلتهم في “معالجة الذات”، رافعين راية التربية الحديثة، وداعين المتابعين إلى مراجعة ماضيهم الطفولي، وفتح دفاتره المغلقة، بل وتأجيل الزواج والإنجاب حتى “يتم الشفاء”.
ولئن كان الناظر في خطاب هؤلاء، على أحسن الأحوال، يحسن الظن بنياتهم، فإن سؤال المنهج يظل قائمًا بإلحاح: هل تكفي النية الحسنة وحدها؟ وهل كل استدعاء للماضي يُعد وعيًا، وكل نبشٍ للذاكرة يُفضي إلى شفاء؟
آليتان لاستحضار الماضي… وذاكرة غير بريئة
لعل هذا “التشافي” يقوم على مراجعة الماضي، ولا يراجع أحدنا ماضيه إلا من أحد منظورين:
الأول: ذاكرته الطفولية المحضة، وهي ذاكرة محكومة بطبيعتها بمرحلة الإدراك القاصر. يستحضر شعوره بالحزن حين مُنع من الحلوى وهو يطلبها بإلحاح، أو يتذكر ليلة نُهر فيها وأُمر بالنوم المبكر لأن عليه مدرسة في الغد. هنا يُستدعى جزءٌ من المشهد، لا المشهد كله؛ ويُقرأ الحدث بعين طفل، لا بعين ناضجة ترى السياق وتُقدّر الملابسات. إنها ذاكرة ترى نصف الحقيقة، وتُضخّم الإحساس، وتغفل القصد.
أما المنظور الثاني، فهو رواية أحد الحاضرين للحدث الذي خلّف شرخًا نفسيًا أو عاطفيًا؛ كأن يسمع الطفل لاحقًا رواية أحد والديه عن نزاعٍ أسري، فيتقمص مشاعره، ويتلبس رؤيته، ويرى دموعه وآلامه، دون أن تكون له خلفية عن الأسباب السابقة، أو الظروف المحيطة، أو لحظة الصلح التي أعقبت الخصام. وهكذا تتكوّن في الذاكرة صورة مشوهة، قد يُقدّر لصاحبها أن يشهد ساعة النزاع، ولا يُقدّر له أن يشهد ساعة الإصلاح.
وهنا تبرز إشكالية معرفية دقيقة: الذاكرة ليست سجلًا محايدًا، بل بناءٌ انتقائي، يعاد تشكيله بالعاطفة، وبالروايات اللاحقة، وبالحاجات النفسية الآنية.
إن استحضار الماضي بهاتين الآليتين لا يورث صاحبه – في الغالب – إلا أذىً مضاعفًا، وصدماتٍ جديدة هو في غنى عنها.
إن المنهج القرآني لا يدعو إلى اجترار الماضي، ولا إلى تحويله إلى محكمة دائمة، بل يأمر بالاتعاظ لا بالانغماس، وبالاعتبار لا بالتحاكم. يقول تعالى ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا﴾ فالنظر هنا نظر اعتبار، لا نظر إدانة، وتأمل سنني، لا استغراق نفسي.
كما أن القرآن، حين يستحضر القصص، لا يستحضرها لإعادة الألم، بل لتثبيت الفؤاد، وبناء الوعي، وتوجيه السلوك نحو المستقبل:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
من الوعي إلى جلد الذات… مسار خفي
رأينا كثير ممن تأثروا بهذه الدعوات، ينكفئون على ذواتهم، ويشرعون في تحميل ماضيهم – لا وعيًا – مسؤولية حاضرهم كله؛ فيُرجعون تعثرهم المادي، أو اضطرابهم الفكري، أو قلقهم الوجودي، إلى موت أب، أو طلاق أم، أو صراع على إرث، أو خلاف عائلي قديم.
وهنا يجد الشيطان مدخلًا رحبًا، فيقلب الذكريات إلى أمانٍ عقيمة: ليت ولو، ويزرع المقارنات الحاسدة: فلان أفضل حالًا لأنه لم يُبتلَ بما ابتُليتُ به، وفلان ورث مالًا لأن أباه لم يقصّر، بينما أبي قصّر. وقد حذّر القرآن من هذا المسلك، لأنه يفتح باب الحسرة، ويعطل العمل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لَوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ وليس هذا استحضارًا واعيًا للماضي، بل إعادة صياغته بما يخدم شعور المظلومية.
حين تتحول الذاكرة إلى محكمة
انقلبت ذكريات الماضي – في كثير من هذه الخطابات – إلى أداة لإحياء الأحقاد بين الإخوة، واستدعاء فروق المعاملة كأنها وقائع راهنة. والحال أن الإنسان يستحضر هذه الوقائع بذاكرته الطفولية، لا بحقيقتها كما جرت. فكم من شخص يحمل في قلبه حقدًا على والده، لأنه يتذكر ضربًا أو شتمًا أو قسوة.
صحيح أن الخطأ وارد، وأن كثيرًا من الآباء قصّروا في التربية، إما لجهل، أو لغياب وعي تربوي، أو لثقل ظروف الحياة. لكن السؤال الجوهري: ما جدوى فتح دفتر المحاسبة مع الوالدين بعد انقضاء الزمن؟ هل يعود الماضي؟ أم يتغير الواقع؟ وهل يُنتج هذا المسار إلا مزيدًا من القطيعة والألم؟
ثم إن الميزان القرآني في هذا الباب شديد الحساسية؛ إذ قرن الله الإحسان إلى الوالدين بتوحيده، حتى مع التقصير: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي ما ليس لك به علم فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ فكيف بما دون ذلك من أخطاء بشرية؟
إسقاط الفشل على الماضي… وهضم الفضل
النابش في هذه الجروح القديمة، كثيرًا ما يفعل ذلك ليعلّق إخفاقات حاضره على أعناق ماضيه، فيُبرئ نفسه، ويُدين غيره، وينصّب ذاته قاضيًا يصدر أحكام البراءة والإدانة. والمفارقة المؤلمة أننا نادرًا ما نرى الخطاب المعاكس: أبناءً نجحوا وازدهرت أحوالهم، ثم وقفوا ليعترفوا بفضل آبائهم في صبرهم، أو تربيتهم، أو حتى في أخطائهم التي صقلت شخصياتهم.
إن في هذا المسلك هضمًا للحق، وظلمًا بيّنًا، وغفلة عن منطق الابتلاء القرآني، الذي يقرر أن الإنسان يُبتلى بالخير والشر معًا:
﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾، وأن المسؤولية النهائية لا تُسقط عن العبد بحجة ماضٍ مؤلم، بل تُناط بحاضره واختياره وسعيه.
ليس في هذا النقد إنكارٌ لأهمية الصحة النفسية، ولا تهوينٌ من أثر الطفولة في التكوين الإنساني، وإنما هو دعوة إلى ضبط المنهج، وعدم تحويل الوعي إلى أداة هدم، والذاكرة إلى سجن؛ فالقرآن لا يصالح الإنسان مع ماضيه عبر اجتراره، بل عبر فهمه، وتجاوزه، وتسخيره في بناء الحاضر، واستشراف المستقبل، وما لم يُضبط هذا المسار، فإن “التشافي المزعوم” قد ينقلب إلى شكلٍ آخر من العطب.