منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“وبشر الصابرين”

"وبشر الصابرين"/ ذ.حسناء ادويشي

1

“وبشر الصابرين”

ذ.حسناء ادويشي

تقديم

الصبر ضد الجزع، ومعناه التجلُّد وحبْسُ النفس عن الشيء والامتناع عنه، وقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تدعو إلى الصبر، وكذلك أشارت الأحاديث النبوية إلى وجوبه وفضله، وذلك لأن تكليف الإنسان بتعمير الأرض بالعمل الصالح يقتضي منه صبرا على الطاعات، وعلى ترك المعاصي والملذات، وصبرا على اقتحام عقبات النفس والهوى والشيطان، وعقبات تحدي الأهوال والخطوب ومواجهة العدو، وصبرا على الابتلاءات والاختبارات التي يمحص الله بها عباده المؤمنين، قال تعالى،﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد: 31)، فالصبر عند المصيبة واجب، وكذا عند الجهاد ومواجهة كل عقبة أو مشقة، وهو اختبار من الله لعباده، ليميز صدق أقوالهم ومدى مطابقتها لأفعالهم، فالصبر اختبار لصدق العباد، صدقهم في طلب ما عند الله، وصدق الإيمان، وهو تجلية لما تكن صدور المنافقين، لأنه اختبار لمدى إيمان المرء بقدر الله وقضائه، لفرز الخبيث من الطيب، وقوي الإيمان من سقيم القلب.

فالصبر هو خلق واجب أمام المصائب، ومرآة عاكسة لما في القلب من يقين وثبات، فكيف يكتسب القلب هذا الخلق؟

أولا: كيف نكتسب خلق الصبر؟

  • الصلاة والذكر

يقول الله عزوجل﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾(البقرة: الآية 153). بالرجوع إلى هذه الآيات نجد أن الحق سبحانه قرن بين الصبر والصلاة، فالصلاة معينة على الصبر، لأنه كلما توثق حبل الوصال والاتصال والقرب من الخالق عز وجل كلما ترسخ الايمان واليقين في قلب المؤمن، وهذا ينبت صبرا في القلب وجلدا ورضى، وليست الصلاة بمعناها الفقهي فقط ولكن الصلاة بمعناها العام، فالصلاة ذكر ودعاء وتلاوة للقرآن، فالمداومة على الذكر بأنواعه والدعاء وتلاوة القرآن، تزرع الطمأنيتة في قلب المؤمن مما ينزع عنه الخوف والوهن والجزع، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾(الرعد: 28).

  • معية الله

قال الله تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾، الصابر المحتسب، تزيد شجاعته بتذكر معية الله، فلا يجزع ولا يقنط من رحمة الله، فأنعم بها معية ! فالله مع عبده الصابر على طاعته والجهاد في سبيلة والتارك معاصيه، فالله ناصره وظهيره، وهذه بشارة أولى بقيمة الصبر ومكانة المؤمن الصابر المحتسب عند لله عزوجل. فحينما يستحضر المصاب معية الله وهو الصابر على ما ابتلي به، يهون كل جلل، لعظيم المعية وجلالها.

  • الإيمان بالقضاء والقدر

الإيمان بأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، سبيل لاكتساب الصبر عند مجابهة الابتلاءات، قال صلى الله عليه وسلم(وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ)[1]، النافع والضار الله، هذا يُعَلِّم المؤمن التسليم بقلب مطمئن للتصاريف والأهوال، فينظر بعين الرضى لما بدا له ضارا، فهو موقن أن الخير كله فيما اختاره الله، وأن الله سيجزيه على صبره كل خير، لأن ما أصابه ولم يحطئه فيه خير وإن لم يعلمه، كل هذا معين على اكتساب خلق الصبر والتحلي به.

  • قول إنا لله وإنا إليه راجعون

أمام المصائب كيفما كانت أمرنا الله عز وجل أن نسترجع، حيث قال عز وجل: ﴿ اَ۬لذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَۖ﴾ (البقرة: 155)، يقول صلى الله عليه وسلم:( ما مِن مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فيَقولُ ما أمَرَهُ اللَّهُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 155]، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي، وأَخْلِفْ لي خَيْرًا مِنْها، إلَّا أخْلَفَ اللَّهُ له خَيْرًا مِنْها)[2]، ففي هذا تنبيه إلى قوله عز وجل ﴿ وَبَشِّرِ اِ۬لصَّٰبِرِينَ﴾ إما بالخلف وإما بالثواب الجزيل، وعنْ أَبي سَعيدٍ وأَبي هُرَيْرة رضيَ اللَّه عَنْهُمَا عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن وَلاَ أَذًى وَلاَ غمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلاَّ كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه) [3]. عند نزول المصيبة نسترجع، فنحن إلى الله رأجعون، نقولها بألسنتنا وقلوبنا موقنة بمعانيها، فتهدأ النفوس ويزول الاضطراب وبحصل الثبات بالتحلي بالصبر.

  • البشارة للصابرين

قال تعالى﴿أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْمُهْتَدُونَ﴾(البقرة: 156)، يبشر الله الصابرين بالثواب والأجر، فعلى الصابرين صلاة من الله ورحمة، وهو في زمرة المهتدين، لأنهم بصبرهم سلكوا طريق الحق وما زاغوا إلى الغي والضلال كما يفعل من جزع ولم يصبر، وأنكر نزول البلاء من خالقه. المؤمن الذي يبتلى في ماله ونفسه ورزقه يجزيه اللهعن ذلك كل الخير، كما يعوضه على ما أصابه من خوف وجوع، فالمصائب اختبارات، والفائز بالبشارة من تمسك بالصبر واالرضى.

  • الاقتداء بالأنبياء الصالحين

إن التربية على الصبر تحتاج النموذج والقدوة، ولنا في الأنبياء والرسل القدوة والمثل في الصبر، وهم المصطفون الأخيار، صبر سيدنا أيوب عليه السلام، وسيدنا إبراهيم ويوسف، وزكرياء، وكل الرسل والأنبياء ما من أحد إلا كان مدرسة متفردة في الرضى بما أصابه، ومحمد عليه الصلاة والسلام هو المثل في التحلي بالصبر في مواجهة أذى المشركين، قابل مكرهم بحلم وصبر عظيمين، بل عفا عنهم ولم يدع عليهم وتحمل وتجلد في سبيل تبليغ كلمة الله، وتخرج من مدرسته صحابيات وصحابة مالانت شوكتهم،ولا ضعفوا، ولا استكانوا، بل صبروا على الأذى، وصبروا على التكاليف، وصيروا على ما فرضه الإسلام من أحكام قد تفرق بين المرء وزوجته وبنيه ووالديه، فكان النصر حليفهم ورضي الله عنهم وأرضاهم بنصر دين الله وإعلاء رايته، وإعلاء ذكرهم.

ثانيا: الصبر على خلق الله

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، عن رسول لله صلى الله عليه وسلم قال:( المؤمِنُ الذي يُخالِطُ الناسِ ويَصبِرُ على أذاهُمْ، أفضلُ من المؤمِنِ الَّذي لا يُخالِطُ النَّاسَ ولا يَصبرُ على أذاهُمْ)[4]، خفض الجناح للمسلمين، والترفق معهم من آداب الإسلام، فمخالطة الناس والاحتكاك معهم قد تؤذي، لذلك فالمؤمن يحتاج إلى زاد من الصبر والتحمل، وخاصة أولئك الذين انبروا للدعوة إلى الله والأمر بالمعروف؛ مطالبون بالصبر على الناس والتماس الأعذار لهم، فهم بين جاهل ومستهتر ومختبِر لصبرهم وصدقهم، فالدعاة أمام اختبارأولي من الناس الذين يخالطونهم، لذلك فهم بصبرهم قدوة للناس في الصدق، وسبيلهم إلى اتباع طريق الحق ومنهاج النبوة، من خلال ما يلمسون فيهم من حلم وسمت وتؤدة وأناة ورضى.

لكن الصبر على الناس لا يعني السكوت عن قول الحق، كما لايعني السكوت على ظلم المفسدين، وهنا يحتاج الداعية إلى صبر وجلد على ما يمكن أن يلحقه من أذى نتيجة صدحه بالحق، وفضحه للظالمين والعابثين، فمواجهة الفساد تحتاج شجاعة ومروءة وصبرا، وما أحوجنا في هذ الزمان الذي انتشرت فيه الفتن إلى الصبر والجلد والتحمل والصمود إلى جانب الحق! بعدما علا الباطل وانتشر الفساد وخفت صوت الحق، وقل المنافحون عنه.

وقد قدم لنا الصحابيات والصحابة النموذج في الوقوف في وجه الظلمة والفاسدين، صبر سيدنا بلال، صبر سيدنا الشهيدة سمية بنت خياط، صبرأسماء بنت أبي بكر في مواجهة بطش الحجاج بن يوسف الثقفي، صبرت على استشهاد ابنها، ولكنها لم تسكت عن قول كلمة الحق في وجه الحجاج، حينما ذكرته بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يخبر بخروج “مبير”(وهو المسرف في قتل لناس وإهلاكهم) من ثقيف، معلنة أنه هو المقصود بنبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعلى منهاج السابقين في الصبر على تبعات الانتصار للحق وأهله يجب أن يسير الخلف.

خلاصة

الصبر خلق عظيم، من اتصف به سار على نهج الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين والصالحين، ونال البشارة من رب العالمين رحمة وتزكية وكان في معية الغفور الرحيم، فهو مفتاح الفرج وطمأنيتة القلب، ومرآة تعكس صدق السير في طلب وجه الله الكريم، وهو اختبر لاصطفاء لعباد المكرمين، ووكشف المنافقين لزئغين عن طريق الهدى والحق. واكتسابه يحتاج إلى تربية، من ذكر وصدق وكينونة مع الصالحين، حتى يترسخ في القلب اليقين فلا تحركه عواصف ولا نكبات عن لتسليم لقدر الله وقضائه، ولا تمنعه المصائب عن الرضى في كل وقت وحين.


[1] حديث لابن عباس، أخرجه الترمذي في صحيحه، رقم2516

[2] – حديث لأمنا أم سلمه، أخرجه مسلم في صحيحه، الرقم918

[3] – أخرجه البخاري في صحيحه،5641، وهو حديث متفق عليه

[4] – البيهقي، كتاب السنن، 20669 رقم

تعليق 1
  1. محمد+فاضيلي يقول

    أحسن الله إليك سيدتي وجعلك من الصابرين الصادقين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.