منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أسرار الحج وحقائقه

أسرار الحج وحقائقه/الأستاذ عثمان غفاري

0

أسرار الحج وحقائقه

بقلم: الأستاذ عثمان غفاري

الحمد لله الذي رتب على الحج الخير الجزيل، وجعله من أجلّ القُرُبات الموصلة إلى ظلّه الظليل، ويسّر أسبابه وهوّن الوصول إليه والسبيل، وسهّله بجوده وكرمه غاية التسهيل، فطوبى لمن اصطفاهم الله هذا العام لعقد الإحرام، وملء الفضاء بالتلبية والتكبير والإعظام، وبشرى لمن حبسه العذر القاهر الذي ليس عليه بقادر أو حبسه سلطان جائر فبالنية تسلك مع السالكين وتعد في زمرة المجاهدين وإن حبسك العذر أو قصر بك العمر، كما أجمع على ذلك كل العلماء الربانيين.

 أما بعد أبارك لكل الحجاج سائلا من المولى أن يجعل حجهم مبرورا وسعيهم مشكورا، ثم أمر سراعا وباختصار شديد أسأل الله ألا يكون مخلا لأعرج على موضوع المقالة ألا وهو أسرار الحج وحقائقه، فلا يُعقل ولا يُقبل أن تُؤدى هذه العبادة الجليلة أداءً بعيداً عن مقاصدها ونتائجها وهذه ثلاث حقائق وثلاثة مداخل يتعين على كل حاج استحضارها ليسهل عليه بعد ذلك كمال الإقبال وحسن الإعمال والله الموفق لكل خير.

الحقيقة الأولى: الحج سفرٌ إلى الله تعالى ووفادةٌ إليه.

اعلم أيه الحاج الموفق أن الحج رحلة قلوب لا رحلة قوالب، رحلة أفئدة لا رحلة أبدان، رحلة أرواح لا رحلة أشباح، قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ وقال حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم: “الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ وَإِنِ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ”، ومدخل بلوغ ذلك واحد وحيد ألا وهو تصحيح القصد، فالحج لغة القصد والمقصود الله في بيته، والمؤمن دائما في حج لأنه يقصد الله في شأنه كله، في نيته وعمله، ومن تم صار على الحاج آكدا أن يصحح عزمه بالإخلاص فليبعد عزمه عن كل شوائب الرياء والسمعة والشهرة والجاه فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم، وللحج منافع عديدة أذن بها الشرع لنهدف إلى تحقيقها بالقصد الثاني بعد القصد الأول الذي هو إخلاص العبودية لله تعالى.

الحقيقة الثانية: الحج استِسلام وانقياد لله عز وجل –

فالحاج يَسلُك سبيل الاستِسلام والانقياد؛ فيُعلِن منذ أن يُحرِم ذلك التصوُّر بقوله: (لبَّيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنِّعمة لك والملك لا شريك لك)، تأسيا واقتدء بخليل الله عليه السلام الذي أكد مفهوم الاستِسلام يوم أن قذَف في النار، فقال: حسبي الله ونعم الوكيل، وأكد الانقياد يوم أن أمر بأن يأتي بأهله بوادٍ غير ذي زرْع، فتركهم هناك، وأكد غاية القَبول يوم أن أمر بذبح ولده وفِلذة كبده إسماعيل فأطاع.. وكذلك فعلت أسرته، فلا يُعقل ولا يُقبل أن يقتصر أمر الله في هذه الفريضة على أن يأتي الحاج من بلاد بعيدة ليجلس في المشاعر المقدسة دون أن يشعر بأية مشاعر مقدسة، يأكل وينام ويتكلم في شؤون الدنيا، إن أمر الله في هذه العبادة ليس كذلك، وهو أعظم وأجلّ من أن يكون كذلك، أن تأتي إليه من بلاد بعيدة لتحقق وجودك المادي في المكان ليس هذا هو الحج، بل الحج انقياد شوق وتشام وذوق، ومدخل بلوغ ذلك واحد وحيد ألا وهو تجديد الود، فإنما ينبعث الشوق لزيارة بيت الله عز وجل، إذ شرفه بالإضافة إلى نفسه ونصبه مقصدا لعباده. فقاصده قاصد إلى الله طامع في رضاه راجيا النظر إلى وجهه الكريم في دار القرار، والمستلم المقبل المشير للحجر الأسعد مستلم ليمين الله، فالشوق إلى بيته يشوقه إلى رب البيت والمحب مشتاق إلى كل ما إلى محبوبه إضافة، فكيف لا أشتاق للحج ورسول الله صلي الله عليه وسلم يقول عنه: ” الحج يهدم ما قبله “ كيف لا أشتاق للحج وهو يقول” تابعوا بين الحج والعمرة فإن متابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد “ كيف لا أشتاق للحج وهو يقول ” ثلاثة في ضمان الله عز وجل رجل خرج إلى مسجد من مساجد الله. ورجل خرج غازياً في سبيل الله، ورجل خرج حاجاً “ كيف لا أشتاق للحج وهو يقول “إن عبداً أصححت له جسمه، وأوسعت عليه في المعيشة، يمضي عليه خمس أعوام لا يفد إلي لمحروم “كيف لا أشتاق للحج وهو يقول: “من لم تحبسه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو منع من سلطان جائر ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا”         كيف لا أشتاق للحج والعلامة ولي الله الدهلوي يقول «وربما يشتاق الإنسان إلى ربه أشد شوق فيحتاج إلى شيء يقضي به شوقه فلا يجد إلا الحج» ولله ذر الشاعر إذ يقول:

يا راحلين إلى منـى بقيـادي ***** هيجتم يوم الرحيـل فـؤادي
سرتم وسار دليلكم يا وحشتـي ***** الشوق أقلقني وصوت الحادي
حرمتم جفني المنـام ببعدكـم ***** يا ساكنين المنحنـى والـوادي
ويلوح لي ما بين زمزم والصفا ***** عند المقام سمعت صوت منادي
ويقول لي يا نائما جد السـرى ***** عرفات تجلو كل قلب صـادي
من نال من عرفات نظرة ساعة ***** نال السرور ونال كل مـرادي.

الحقيقة الثالثة: الحج نقلة وانقلاب ومدرسة ومنهاج حياة

الحج نقلة في العادات لتنقلع النفس عن أرض كسلها وعبثها وارتفاقها، الحج انقلاب يخرج المرء من عاداته وأنانيته وإلفه ورخاوته إلى التقيد بالشرع في الحركة والكلمة والخطرة، إلى التواضع والتخلق والتحمل، الحج مدرسة لشحذ الهمم واستنهاض للنفوس أن ترتفع عن صغائر الأمور وسفسافها إلى التجرد عن الماديات، بالتقلل منها، والصبر على دواعي الغضب ونوازع الشهوة، الحج اختيار وتقوية وتدريب وتربية للروح الجماعية، لرابطة الأمة الواحدة وذكر الله هو الهدف والزاد، ومدخل كل ذلك تجديد العهد، فعلى كل مؤمن أن يجعل من الحج فرصة للوفاء بعهد “طهرا بيتي”، فليكن أكثر عمل الحاج في موسم الحج الطواف والاعتكاف والركوع والسجود، والقلب بيت الرب كما جاء في الأثر، فليكن فهم الآية على نحو أدق وأعمق. طهر قلبك للطائفين…فلا حالقة من غل أو كراهية أو حسد، بل حلم وسماحة، وعفو وصفح، كما يتعين عليهم تنظيم رحلتهم. وجعل المناسك مناسبة لتحصيل منافع التعارف والصحبة، والتدريب على الصبر. ثم لنشر الدعوة، وإفشاء روح التجديد في الشعوب الإسلامية الممثلة في الموسم بمستضعفيها، وكما تستعمل الدول ممثليها لتوطيد الدعاية للحكام كذلك يبث الحجاج المنتظمون المنظمون روح التجديد بوسائلهم وبأحوالهم وأفعالهم وأقوالهم، وليكونوا خيرهم متعديا للغير غير قاصر على النفس، فلنحرص في حجنا على تصحيح القصد وتجديد الود وتجديد العهد وترشيد الجهد وتكثير الورد لاستمطار المدد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.