غرفة الضيوف
بقلم: عبد الفتاح بلخوار
للبيوت المغربية القديمة فلسفتها الصامتة، ومن لم يفهم بيوتنا، لم يفهم بعضنا.
وأعمق ما فيها معنى، وأدلّه على طبائعنا، تلك الغرفة التي كانت تُغلق أكثر مما تُفتح، وتُهيَّأ أكثر مما تُستعمل: غرفة الضيوف.
تُسمّى في بعض مناطق المغرب بالعامية «لمصرية»، وعند أخوالنا الأمازيغ «تامصريت».
لم تكن الغرفة الأوسع لأننا نعيش فيها، ولا الأجمل لأننا نأنس بها، بل لأنها المرآة التي نعرض فيها صورتنا كما نحبّ أن يراها الآخرون.
كلّ شيء فيها منتقى:
الأثاث الذي لا يُمسّ، والزرابي التي لا تُداس إلا قليلًا، والصمت الذي يُشبه الأدب نفسه.
حتى الجلوس فيها كان مؤقتًا، كأن المكان خُلق ليُرى، لا ليُعاش.
وكان في ذلك معنى من الحكمة؛ فالكرم عندنا معرفة بالمقام، لا إسرافًا في المظهر.
غرفة الضيوف كانت إعلانًا غير مكتوب عن احترام الذات قبل احترام الزائر.
لكن البيوت، مهما اتسعت غرف ضيوفها، لا تقوم على الواجهة وحدها.
واليوم،
حين يستقبل المغرب كأس إفريقيا ويحتضنها، يخيّل للناظر أنّ الوطن بأسره قد انتقل إلى تلك الغرفة.
نرتّب المدن التي ستُرى، ونصقل الشوارع التي ستمرّ بها العيون، ونجعل من الملاعب صالونات فسيحة تُجيد الإصغاء للتصفيق.
وليس في ذلك غشّ ولا ادّعاء.
إنه منطق الضيافة كما عرفناه:
أن تُحسن الاستقبال،
وأن تُظهر أجمل ما لديك.
لكن السؤال، كما كان يطرحه الأدباء قديمًا، لا يقف عند حدود الظاهر، بل يتسلّل إلى ما وراءه.
فماذا عن بقية البيت؟
عن الغرف التي لم تُفتح منذ زمن، والممرات التي اعتادت الظلّ، وسكّانٍ لم يمرّ بهم الاحتفال إلا كخبر عابر؟
هناك، لا تُلمَّع الأرضيات، ولا يُنتقى الأثاث، ولا يُوزن الكلام.
هناك تُعاش الحياة على حقيقتها، بثقلها وبساطتها، بعيدًا عن مقام الضيوف.
وهنا تتبدّى المفارقة، هادئةً، غير جارحة، كحقيقةٍ تُقال بلا انفعال:
لسنا مخطئين حين نُحسن تزيين غرفة الضيوف، لكن الخطأ أن نظلّ نعيش خارجها دائمًا.
ستمضي البطولة، كما تمضي الزيارات الكبيرة. وتُغلق الغرفة من جديد، نظيفة، مرتّبة، تحفظ صورتها إلى حين.
ويبقى البيت، بما فيه من غرف وسكّان، ينتظر أن يصبح هو أيضًا
جديرًا بالعرض…
وجديرًا بالعيش.
فالبيوت لا تُعرف بما نُريه للطارئين، بل بما نُقيم فيه نحن.
وأجمل ما يُتمنّى،
أن يُسمح للأطفال بدخول غرفة الضيوف متى شاؤوا،
وأن يكفّ البيت عن الانقسام،
فيصير كلّه…
غرفةً صالحة للحياة،
وصالحة للضيافة
هذا رجائي..
تحياتي
ترجمة أدبية حرّة مستوحاة من مقال رأي
عن مقال:
“AFCON 2025, Morocco in ‘Guest Mode’”
للكاتب: هشام آيت الموح
منشور بموقع TelQuel.ma