منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حُسنُ الخِتام

حُسنُ الخِتام/ الدكتور وائل الزرد

0

حُسنُ الخِتام

بقلم: الدكتور وائل الزرد

ما أقسى هذه الأيام التي نعيشها، ففي كل يوم يمر نزداد تفاجئًا ببعض الناس كيف كانوا في أقصى اليمين ثم هم في أقصى اليسار؛ بعضهم خطوة خطوة والبعض الآخر مرة واحدة ينقلب من الإيمان إلى الكفر -والعياذ بالله- ويرد على خاطرنا فورًا حين نرى المفاجآت قولُ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا” رواه مسلم: 118.

عايشنا بعضَ الشخصيات من الذين كانوا يتربعون على عرش القنوات الإسلامية، يفتون الناس في الحلال والحرام ويعلمون الناس المعروف والخير وينهون الناس عن المنكر والشر، كانت قلوب الناس تتقلب معهم حسبما يقولون من حلاوة القول وجمال المنطق، ثم إذا هم ينحرفون وينقلبون ويبدلون ويقلبون {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}.

ويكادُ الإنسانُ -وَاللهِ العَظِيم- أن يُصاب بالجنون؛ كيف ضحك الشيطان على هؤلاء؟ أم كيف استساغ هؤلاء هذه الحالة؟ وكيف رضي هؤلاء بهذا المنقلب؟ كيف فرَّط هؤلاء بدينهم وباعوه بثمن بخسٍ دراهم معدودة؟ كيف رضي هؤلاء أن يكونوا في دينهم من الزاهدين؟ أين علمهم وأين دينهم وأين عقولهم وأين أمرهم ونهيهم، أين وأين؟ ومما يُذهب شيئًا من الاستغراب ما رُويَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: “إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ” رواه الإمام أحمد في المسند: 143.

رأينا في حياتنا من كان يزلزل المنبر بخطاباته القوية وكلماته الرنانة، فيحرك المشاعر ويلهب العواطف ثم إذا به ينقلب على عقبيه ليخسر الدنيا وربما الآخرة، ورأينا في حياتنا من كان مقدامًا مجاهدًا وداعيةً مفوَّهًا وسياسيًّا إسلاميًّا مُحَنَّكًا ثم دارت الدنيا وتقلبت الأيام وإذا بهذا وذاك يرغبون في الدنيا عن الآخرة ويستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويرضَون عن طواعية أن يكونوا أحذية في أقدام الذين يتبعون الشهوات، وقد شغلني هذا الأمر كثيرًا حتى نبَّهني كريمٌ لقول الله {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وتذكرتُ على الأثر قولَ النبي -صلى الله عليه وسلم-: “مَا أَسَرَّ عَبْدٌ سَرِيرَةً إِلَّا أَلْبَسَهُ اللهُ رِدَاءَهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ” رواه الطبراني: 1702 وهو حديث حسن.

وأدركتُ مع الأيام حقيقةً أن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء، وأدركت كذلك أن القلوب لا يعلم ما فيها على وجه الحق إلا الله وأن الناس -ونحن منهم- ننخدع بما يظهر لنا من صالح عمل فلان والله يعلم -وحده- بما في السرائر، وحين سمع الصحابة رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثر من قوله: “يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ” قالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قال: “نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ” رواه الترمذي: 2140.

والأمرُ خطيرُ جدًّا؛ فختامُ الإنسان متوقفٌ عليه مصير العبد في الآخرة إما إلى جنةٍ وإما إلى نار، وقد كانت هذه اللحظة هي التي تؤرق المتقين الأبرار على الدوام وهي “بماذا سيتختم لهم” خاصة حين بلغنا أنَّ أم المؤمنين أم سلمة سُئلت: “يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ: “يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ” رواه الإمام أحمد في المسند: 26679. وأنا أزعم أن من الآيات التي جعلت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يكثر من هذا الدعاء قولُ الله رب العالمين {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا}

وأشهدُ -واللهِ- أنني أكتبُ هذهِ الكلماتِ والخوفُ يلفُ قلبِي؛ لِمَا أرَى مِن تقلُباتِ الأيام ِوانحرافِ بعضِ النَّاس، ولا زِلتُ أذكرُ كلمةَ الإمامِ ابنِ القيمِ -رحمهُ اللهُ- في مدارجِ السَّالكين: “لَيْسَ الْعَجَبُ مِمَّنْ هَلَكَ كَيْفَ هَلَكَ؟ إِنَّمَا الْعَجَبُ مِمَّنْ نَجَا كَيْفَ نَجَا؟” فاللهُمَّ نَسْألُكَ نَجَاةً لَا هَلَاكَ بَعدَهَا أَبَدًا، واسْتِقَامَةً علَى الحَقِّ وثَبَاتًا عَلَى الأَمْرِ حَتَّى نَلقَاكَ وأنْتَ رَاضٍ عَنَّا يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.