قم الليل
بقلم: محمد فاضيلي
قيام الليل عبادة عظيمة، لها بالغ الأثر في سلوك الفرد نحو استكمال الإيمان وبلوغ مقامات الإحسان، وفي سلوك الجماعة المجاهدة نحو تحقيق العدل الشامل، وبناء الأمة الموعودة بالاستخلاف في الأرض، وتأهيلها لقيادة العالم وسيادته، فبه ربى الله تعالى الجيل الأول من الصحابة الكرام وزكاهم ورقاهم وجهزهم لتحمل مشاق الدعوة وأعبائها، آمرا به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تفرض الصلوات الخمس، فقد روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قوله: “إن قيام الليل كان فريضة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى ” قم الليل ” ثم نسخ بقوله تعالى” فاقرؤوا ما تيسر منه” وكان بين أول هذا الوجوب ونسخه سنة” .
وهو أفضل صلاة بعد الفريضة لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل” . وهو شرف المؤمن، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: “جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس” ، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أشراف أمتي حملة القرآن وأصحاب الليل” . وهو من أحب الأعمال إلى الله تعالى، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه صلى الله عليه وسلم قال: “أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه.
لقيام الليل فوائد كثيرة وفضائل ثمينة، نذكر منها:
1- القرب من الله تعالى، والتكفير عن السيئات، والنهي عن الإثم، والشفاء من الأمراض، لما روي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين من قبلكم، ومقربة لكم من ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء من الجسد” ، وعن عمرو بن عبسة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة، فكن” .
2- الصبر والتحمل والاستعانة على عمل النهار: فعندما أراد الله تعالى أن يهيئ رسوله صلى الله عليه وسلم لتحمل أعباء الدعوة، وهي حمل ثقيل، أمره بقيام الليل، فقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلًا .
3- استجابة الدعاء: فقد روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله تعالى خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة” . وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له” .
4- إصابة رحمة الله تعالى، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “رحم الله رجلا قام من الليل فصلى، وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء” .
5- دخول الجنة وبلوغ المقام المحمود فيها، لقوله تعالى: ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا . وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: أول ما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه (أي أسرعوا)، فكنت فيمن جاءه، فلما تأملت وجهه واستبنته عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: “أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام” . وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “”إن في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها” فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: “لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائما والناس نيام” .