غزة الثوار (قصيدة شعرية) || أبو علي الصُّبَيْح
غزة الثوار (قصيدة شعرية) || أبو علي الصُّبَيْح
غزة الثوار
غزة يَا هِبَةَ السَّمَاءِ
أبو علي الصُّبَيْح
يحيى لنحيا ـ لَا نُكُوصَ وَلَا فِرَارْ
نَالَ الشَّهَادَةَ وَالشَّجَاعَةُ لَا تُعَارْ
…
لَمَّـا اسـتُثِيرَ بِعِـزَّةٍ .. لَم يَنثَـنِي
فِي وَثبَـةٍ .. لَمَّا يَقَـرُّ لَهُ قَـرَار
…
مُستَوثِقُ الخَطوِ الأَبِيَّـةِ .. ثَابِتٌ
وَبِهَـا تَحَلَّى فَهْوَ مَأمُـوُنُ العِثَـارْ
…
لَمْ تُثنِهِ نُذُرُ العَوَاصِفِ .. رَعدُهَا
وَالقَاذِفَاتُ المَوتِ تَلقَفُ كُلَّ دَارْ
…
رَصَدُوا لَهُ وَالغِلُّ مِلءُ صُدُورِهِمْ
وَالغَربُ أَسعَفَهُمْ بِأَسلِحَةِ الدَّمَارْ
…
رَغمَ اشتِدَادِ البأسِ أَقبَلَ صَامِدًا
وَمضَي بِعَزمٍ لَيسَ يُثنِيهِ الحِصَارْ
…
مُستَشرفًا أُفقَ الشَّهَادَةِ حَازِمًـا
فَسَمَا بِأَجنِحَةِ المَلَائِكِ ثُمَّ طَـارْ
…
بِيَمِينِهِ إِرثُ (الكَلِيمِ) رَمَى بِهَـا
إِفكَ اللِّئَامِ فَأَوقَـدَت نُورًا وَنَـارْ
…
ما ضرَّهُ ؟ .. أَرسَى قَوَاعِـدَ أمَّـةٍ
خُلِقَت لِتَبقَى فَهي بَاعِثَةُ النَّهَارْ
…
وَهِي الَّتِي زكَّى الكِتَابُ جِهَادَهَـا
حَقًّا وَفِي صِدقِ العَزِيمَةِ تُستَشَارْ
…
(غزة ) يَا هِبَةَ السَّمَاءِ وَنَجدَةً
هَذَا صَلاحُ الدِّينِ عَادَ وَذَو الفِقَارْ
…
أَعلَنتَ لِـ ( الدُّنيَا ) بِأنَّـا ( أَمَّةٌ )
لا تَستَكِينُ وَلَيسَ يَطوِيهَا انكِسَارْ
…
هِي لِلشَّهَادَةِ سَعيُهَا وَمَضَاؤُهَـا
وَصُمُودُهَا رَغمَ المُعَانَاةِ انتِصَارْ
…
مَا ضَرَّهَا مَن خَانَ .. يَرعَدُ خَائِفًا
وَعَلَى حَرَائِرِنَا وَ ( قُدسٍ ) لا يَغَار
…
وَحَمِّلتَ عَنَّا عِبءَ مَا ارتَجَّت لَـهُ
هِمَمُ الصِّغَارِ وَمَن تَخَلَّفَ عَن صَغَارْ
…
قَاتَلتَ ..لَمْ تَعبَأْ بَمَـا اسْتَخْزَى بِهِ
مَن خَافَ ثَمَّ وَمَن تَحَزَّبَ لِلضِّرَارْ
…
فَرَقِيتَ فِي دَرَجِ الشَّهَادَةِ مُوقِنًـا
بِاللَّهِ ثُمَّ مَضَيتَ لَمْ يَلحَقكَ عَارْ
___
منفى وسنبلة المواجعِ يابسَهْ
وركامُ أوجاعي يشيّعُ فارسَهْ
مُستلقياً فوقي يُداعبُ حيرتي
وعيونُ أحلامي بحزني طامسَة
وصراخُ حاوية الدّماءِ تجرّني
لهفى لترثيني الحروفُ الهامسَة
تكتظّ في جسدي خطيئة غيمتي
ويُخيط موتي في الفراغِ ملابسَهْ
ويُفصّلُ الكلماتِ حسبَ همومِهِ
وينامُ منكفئاً لينعي الآنسَة
أنا كلما حاولْتُ أرجعُ عائدا
أنسى دروبي والخطى متشاكسَهْ
لأرى تفاصيلَ العزاءِ وأكتفي
بدموعِ أسئلتي وروحي اليائسَة
فأعودُ لا رأسي أراهُ بجثتي
والرّأسُ تطحنُهُ الرّجومُ الكابسَة
يا إنني وحدي تغيبُ مشاعري
حُرقاً ويَسقيني الوداعُ هواجسَهْ
أنجبْتُ منْ قلقي بقايا أحرفٍ
كانتْ تثيرُ مشاعري المتجانسَة
لكنّني ألغيْتُ دفترَ خيبتي
ورميتُهُ بضفافيَ المتخارسَة
كانَ اسْمُهُ قلبي وكنْتُ أحبّهُ
وبهِ رأيْتُ الوجدَ صبّ وساوسَهْ
ولأنّ بوصلتي إليّ توجّهَتْ
أسكرْتُهُ بخمورِ روحي البائسَة
ولأنّني مارسْتُ معنى ثورتي
ستظلّ في نخلِ المنافي جالسَة
ولأنّ أخطائي تُريدُ شرورُها
تبقى لقرصنةِ اللصوصِ ممارسَة
وتمجّدُ الطاغوتَ في شطحاتِهِ
وتقيمُ في ليلِ الشذوذِ دسائسَهْ
ولأنّ عُشبي أحرقتْهُ غمائمي
والصّيْفُ فتّحَ للهجيرِ مدارسَهْ
عطشٌ براري الأمنياتِ وَلوْعة
حبَلتْ بأسرارِ المرايا العاكسَة
وأنا بلادٌ فجْرُها في سكرةٍ
والشّمْسُ في ملكوتِها متقاعسَة
كتبَتْ على الأشجارِ أحرفَ حزنِها
لكنّها عنْ عشْقِها متخارسَة
وغداً سترحلُ فجأة عنْ حيّنا
ويطلّقُ البحْرُ الكسيرُ نوارسَهْ
ويرشّ تحتَ جلودِنا منْ ملحِهِ
والنّارُ في وحْلِ المتاعبِ غاطسَة
ودروبُ غزة التشيلُ رمادَها
والمجدُ ضيّعَ في الحواضرِ حارسَهْ
غزة طفلة حلمِها موؤودة
وعيونُها ثوبُ التشرّدِ لابسَة
ونشيجُ صوفيّ يُحاكي خمرَهُ
كيفَ الحياة غدَتْ بفقدي عانسَة
والذكْرُ تجلدُهُ فؤوسُ طقوسِهِ
والرّوحُ في حجرِ الترنّحِ مائسَة
غزة ما ابتسمَتْ لقمحِ جياعِها
إلّا وعادَتْ منْ أساها عابسَة
والدّارُ مشرعة الردى أبوابُها
وخطى النّدامى في ثراها دارسَة
فلكمْ شربْنا الحبّ في رحباتِها
صرفاً وكمْ أهدى الزّمانُ عرائسَهْ
ولكمْ أعرْنا النّخلَ صوتَ جراحِهِ
والبحرُ شيّعَ للمقابرِ غارسَهْ
لم يبقَ منْ وطني سوى أنفاسِهِ
باعوهُ باعوا للغزاةِ نفائسَهْ
وبهِ الرّوافدُ أصبحَتْ مهجورة
ورموا بمنفى اللا يُقالُ كنائسَهْ
لمْ يحفظوهُ فضاعَ جلّ ترابِهِ
حتى غدَوا ويْحَ الجناةِ فرائسَهْ
منفاكَ يا وطني ترى هل ينتهي
وتعودُ جمهرة الشّموعِ مؤانسَهْ
يا غزة الأوطانِ بعدَكَ لنْ أرى
وطناً وأيّامي بدونِكَ دامسَة
فلمنْ سنمنحُ سُنبلاتِ جراحِنا
والماءُ غادرَها وأضحَتْ يابسَة
*
أبو علي الصُّبَيْح