غزة، رسالة إلهية (2)
غزة، رسالة إلهية (2)/الأستاذ الميلودي مفتدي
غزة، رسالة إلهية (2)
بقلم: الأستاذ الميلودي مفتدي
غزة جزء من فلسطين الأبية. وفلسطين مكان باركه الله عز وجل وجعله مهبط الوحي، ومهد الأنبياء والرسل. وفلسطين أرض شريفة تضم بيت المقدس، الشاهد على مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعراجه. بيت المقدس، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. هذه البقعة الطاهرة لها مكانة عظمى في ذاكرة الأمة الإسلامية، وترتبط ارتباطا وطيدا بعقيدتها، بل هي جزء منها، وتأخذ القسط الأكبر من همومها واهتماماتها. وهي بهذه الاعتبارات كلها وغيرها ترمز إلى عزتها وكرامتها، بل أكثر من ذلك، الأمة تتعلق بها وتعتبر الاهتمام بها وخدمتها والدفاع عنها والجهاد في سبيلها، هي من صميم الدين، وهي مما يتعبد به ويتقرب به إلى الله، كما يعتبر الاعراض عنها والتقصير في نصرتها والدفاع عن حرمتها وكرامة أهلها قعودا عن الجهاد وخذلانا وخيانة.
يقول الله عز وجل في كتابه العزيز:
” يا أيها الذين آ منوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض، أرضيتم بالحياة الدنيا من الاخرة، فما متاع الحياة الدنيا في الاخرة إلا قليل. إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا، والله على كل شيء قدير” سورة التوبة، الآية 38
أمر عجيب تبرزه هذه الآية الكريمة. الإعراض عن الجهاد في سبيل الله ونصرة المستضعفين سببه التثاقل إلى الأرض. وهذا التثاقل ناتج عما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم داء الأمم في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” يوشك ان تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها”. قال: قلنا يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: ” أنتم يومئذ كثير. ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل. تنتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن”. قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: “حب الحياة وكراهية الموت”.
هذا الحديث أورده الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في أكثر من كتاب، وهذا الاقتباس مصدره مؤلفه المعنون ب”في الاقتصاد”
وفي تعليق له رحمه الله على هذا الحديث، يقول: ” تداعى الأكلة علينا يعني الاستعمار والاحتلال الاقتصادي. والوهن الذي هو حب الدنيا وكراهية الموت، سبب للهزيمة العسكرية كما أن حليفه حب الراحة وكراهية العمل سبب للهزيمة الاقتصادية” في الاقتصاد، ص: 180
سبب الضعف والهزيمة والذلة والمسكنة هو حب الدنيا والتعلق بها، والخلود إلى الأرض، والانغماس في ملذات الحياة، والاستسلام للنفس والهوى، والانجرار وراء حبال شياطين الإنس والجن، فتعمى القلوب والابصار عن رؤية الحق، وتصم الآذان عن الاستماع لدواعي الإيمان، وتضيع الحكمة. وتعم الغفلة، وينتشر معها الضلال والظلم، وهو ظلمات يوم القيامة، فلم يعد المرء يفرق بين الحق والباطل، ولا بين ما ينفع وما يضر. ويضيق مجال النصيحة والتناصح، ويعتد كل برأيه ورؤيته، انطلاقا من القياس على نفسه، وعلى وضعه ووضعيته، وظروفه وإمكانياته، وأهدافه وميولاته .
السر في هذه الآية أنها تضع علاقة الإنسان بربه في امتحان من الأهمية بمكان، حيث يكون النجاح فيه أو الرسوب أمرا حاسما، إما الفوز برضى الله، وكل ما يترتب عنه من فضل وخير وبركة في الدنيا والاخرة، وإما العذاب الأليم، عافانا الله وإياكم، والاستبدال. فالأمر إذن جد، ولا يمكن الاستهانة به. ولنستحضر كلام الله عز وجل في الآية الكريمة التي يقول فيها:
” وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا” سورة الأحزاب، الآية 36
ليس لمؤمن، ولا لمؤمنة، أن يعصيا الله ورسوله فيما يأمران به، ولا فيما يقضيان. لان ذلك يعتبر زيغا عن الجادة، وخروجا عن السبيل السوي، وهو ما يتنافى مع الاستجابة لهما، والطاعة لأمرهما، فيدخلون في التكذيب بموعود الله، والجحود بآياته ورسالاته، فيحق عليهم القول فيدمرهم تدميرا.
غزة قبس من نور المشكاة النبوية، أحيت في الأمة ما عاشه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم من أحداث أليمة، وتحديات جسيمة، لإبلاغ الرسالة ونشر الدعوة، تنفيذا لأمر الله، وخدمة لدينه، وإخراجا لعباده من عبادة العباد والأوثان، ومن الشرك والضلال والتيه إلى رحمة الإسلام، ونور الإيمان، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل.
تخبرنا السيرة النبوية بعمق الأذى الكثير الذي الحقه كفار قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأول من دخل في الإسلام من صحابته رضي الله عنهم، وتخط لنا لوحة قاتمة عن الآلام والمعاناة التي عاشها المسلمون أثناء الحصار الذي فرضوه عليهم في شعاب مكة الذي دام ما يقرب من عامين أو ثلاثة، حسب ما جاء في كتب السيرة، وبلغ بهم من ضيق العيش ما جعلهم يأكلون من أوراق الشجر ليسدوا به رمقهم، ويهدئون به آلام جياعهم. ابتلاهم الله في بداية الرسالة، كما ابتلى السابقين لهم من الأنبياء والرسل وكل من آمن معهم، ثم جاء الفرج، وبعده النصر والتمكين لأمة الإسلام.
ويخبرنا القرآن الكريم، في عدة سور، بتأييده للمسلمين في جهادهم ضد الكفر والظلم ومناهضة الاستبداد والاستكبار، ودحض الفساد والإفساد في الأرض. ونتعلم منه، خصوصا في سورة الأنفال، اليقين أن الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة بإذن الله، يخبرنا الله عز وجل أن المائة تغلب المائتين، وان الالف يغلب الالفين…بإذن الله.
يقول الله عز وجل: “قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، ولما برزوا لجالوت وجنوده، قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت اقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة، وعلمه مما يشاء. ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين” سورة البقرة. الآيات 247-248-249
بهذا تكون أحداث غزة قرآنا يتلى، ومعاني تفهم، ودروسا تنفذ، ويقينا في موعود الله يجسد. هذه الأحداث تستدعي ذاكرة الأمة، وتنقل ماضيها إلى حاضرها، فيطوى لها بذلك الزمان والمكان، لنقل أمجادها الخالدة، عبر القرون، إلى زمن يبرز فيه منارات إعداد الخلافة الثانية على منهاج النبوة. ويطوى لها الزمان والمكان في التواصل مع خلق الله في شتى بقاع العالم، عبر الاثير، فتلمس نفحات إيمانية قلوب كثير منهم، بفضل ما يرون رأي العين، وما يسمعون مما تعيشه ثلة من المومنين من النصر والتأييد الإلهي، رغم ما يتعرضون له من تقتيل وتجويع وتعذيب، وكل انواع التضييق وآلام الحصار، فيقفون مشدوهين مذهولين أمام مشاهد ومواقف لم يسبق لهم أن رأوها في حياتهم، أو قرأوها في رواياتهم. فتتداركهم رحمة الله، ويكشف لهم السر، فيعتنقون الإسلام أفواجا، ويتحولون إلى جيوش تدافع عن الحق بعد ما اكتشفوه، وعن المستضعفين في الأرض بعد أن تبين لهم ظلم حكامهم وأنظمتهم، وبغيهم وطغيانهم. كل هذا يحدث بفضل غزة التي هي دعوة بالبيان ناطقة، في صمتها متفوهة، في مشاهدها مجيدة مفيدة، في معانيها مفيضة، في إبداعها ملهمة، في حواراتها مفحمة، في آثارها مثيرة مؤثرة، بإنجازاتها مجدية، نافعة، موقظة من سبات، منقذة من الكفر والضلال، فاضحة لكل المؤامرات، كاشفة لباطل كل الادعاءات.
هذه الأحداث بشرى واعدة، وعبرة واعظة، لأنها تجسيد لسنة الله وتصديق، وهي رمز عزة وكرامة لكل من انخرط فيها من قريب أو بعيد، وهي نذر مذلة ومسكنة وغضب من الله لمن تكالب على الأمة أو دعم أو والى أو طبع.
هذه، أسيادي، غزة التي هي رمز للحقيقة، مفتاح للفهم، طريق للهداية، هذه غزة التي ابتعثها الله نعمة للخلق، ومنارة للدعوة، ووسيلة للدلالة عل الله.
يقول الله عز جل في كتابه العزيز: ” وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليومن، ومن شاء فليكفر” الآية 29 سورة الكهف.
ويقول أعز من قائل: “لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي، فمن يكفر بالطاغوت ويومن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع عليم، الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون”. سورة البقرة، الآية 81