منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأجيال القادمة ومستنقع الهوان

د. نادرة هاشم حامدة غزة / فلسطين

0

الأجيال القادمة ومستنقع الهوان
بقلم: د. نادرة هاشم حامدة غزة / فلسطين

 

حتما سيسجل التاريخ عن الأمة العربية والإسلامية صفحات من الخزي والعار، عاشتها و تعيشها الأمة الآن، فالتاريخ وفقا لمهمته في رصد أحوال البشر، لا يترك شيئا دون تدوين، إذ يقيد الأحوال، ويوثق الأحداث، ويتربص بالمتغيرات، لينقلها ميراثا من القديم إلى القادم من الأجيال، مع معالم الطريق، وما أصعب أن يكون ميراث الأجيال طريقا معبدا، من الذل والعار المهين.

والمستقرئ للتاريخ يرى أنه منصف، إذ يوثق سير أهل العز والشرف في صفحات تتلألأ بأمجادهم على مر الأزمان والعصور ، وكذلك في عدل من النقل، وفي إحاطة المستقبل بكل شواهد الماضي مهما تكون، يحتفظ التاريخ لديه، بما يسمى مزابل التاريخ، إذ لا يرحم فيها أحدا، بل إنه يحرز عليها، خشية أن يمحى منها شيء أو يزول، لتظل وصمات العار ملتصقة بأصحابها على مر القرون، وأي محاولات لتزوير التاريخ، أو محو أحداث فيه، تبوء بالفشل، إذ تكشفها مدونات الأيام والسنين.

أجيالنا القادمة: عذرا إن كانت كلماتي، في الحديث عن الماضي القريب لأمتكم، ثقيلة وقاسية، فإن الحال القائم للأمة لا يحتمل التجميل، ولا يمكن معه أن نكون كالنعام، ندفن رؤوسنا في الرمال، في سخف من الهروب، فكما أن الشمس لا تغطى بغربال، فإن نتن المزابل، ريحه أيضا لا يتغطى إذ يفوح، فأعانكم الله على مستنقع الخزي والعار الذي ورثتموه، والذي ستغرقون بين الأمم فيه.

أعان الله الأحرار منكم، وكلكم بإذن الله أحرار، على ما ينتظركم من ضيق الأنفاس، تخنق الصدور، ومن ذل المشاعر، تمزق النفوس، وخاصة أنها ستعزف في داخلكم، سمفونية متشابهة، على أوتار واقعكم الأليم، إذ الشعور الموجع بالغربة، في قلب الوطن الحبيب، وصوت الهجرة الذي يعلو بداخلكم، ويوما بعد يوم يزيد، ليصحنكم، ويأخذ منكم كل التفكير، حتى يصعب صده مع فقركم، ومع ضبابية المستقبل القريب، فيطغى عليكم، ويدفعكم نحو الرحيل، بحثا عن لقمة عيش، ومستقبل أفضل في بلد غريب، لا تربطكم به قومية ولا حتى دين.

أجيالنا الواعدة : دعوا التاريخ يحدثكم عن ميراثكم الملعون، لتدركوا أسباب الهوان الذي تعيشون فيه، لعلها تنتفض فيكم صحوة مزلزلة، تمسح عنكم وعنا عار السنين، استمعوا إليه جيدا، وانصتوا بكل جوارحكم وفكركم، واعقدوا العزم على إرادة التغيير، فأنتم أمل الأمة المنشود، لابد أن تروا عمق المستنقع الذي زجت فيه أقدامكم، وتصنعوا لأمتكم قوارب نجاة تغيث، وتعيدوا لها كرامة الماضي البعيد، يوم ملكنا الدنيا، وكنا أسيادها بعزة الدين .

استقرئوا التاريخ جيدا، وسيخبركم بصدق كيف حل بأمتكم الضعف والاستضعاف، سيحدثكم عن سبب النكبة والانكسارات، سيخبركم عن حجم الخيانات، وسيريكم كيف كانت الهزيمة المدوية لجيوش الأمة العربية مجتمعة في بضع ساعات، لتتوالى علينا أزمنة الانتكاسات، ستنصدمون من كم القذارة والحقارات، من وجهات النظر الفلسفية للرويبضات، والتي ما هي، إلا للنذالة والسقوط عنوان.

ستدركون للأسف يا بني، أنها قد بيعت الأوطان، بيعت أرضها، وما يحوي بطنها؛ بيعت بحارها؛ وجزرها، بيعت أنهارها وماؤها، بيع حتى فضاؤها، بيعت مقابل حمى الكراسي والعروش، مقابل شهوات الفروج والكروش، مقابل مليارات منهوبة من الشعوب، أودعوها تحت تصرف الروم في البنوك، في حسابات باسم كبار القوم في أمتك، بل قل : كبار اللصوص.

وفي المقابل كممت يا بني أفواه الحق، وارتفعت أصوات الباطل بالفجور، وقيد الأحرار بالسلاسل، وسادت أشكال وألوان من الفتون، وقتل الشرفاء المصلحون ظلما، وتفشى العهر والفسوق.

عذرا أيها الجيل، فلقد غاصت أمتك في وحل الخنوع، وما زالت تغوص وتغوص، وها هي مذبحة غزة أكبر برهان، و أكبر دليل، حيث تعدت فيها أمتك في الانحطاط الإنساني، والأخلاقي؛ والعرفي؛ والديني؛ كل الخطوط، وسجلت أدنى مستويات الانبطاح والركوع، إذ ترى شلالا من دماء أبنائها، في غزة الإسلام والعروبة يسيل، فإذا هي صامتة، كصمت القبور، ترى أشلاء الأطفال والنساء والشيوخ متناثرة تطير، وكأنها ترى مسلسلا على شاشة عرض، لا يتعدى تأثيره مدة الحضور، تسمع الصرخات من تحت ركام المباني تستغيث، ومع قلة الإمكانيات تنتهي الأصوات وتموت، والأمة لا تحرك ساكنا، فيبدو أنها ملت المشاهدة لطول العرض و الشهور.

لقد أغلق على أهل غزة كل الحدود، وهي المحاصرة منذ عقود، لتبقى غزة، بلا غذاء، بلا ماء؛ بلا دواء؛ بلا كهرباء؛ بلا وقود، وقد هدمت المنظومة الصحية، ليموت بجراحه من يموت، وأمة الإسلام كأنها استحلت لحم الخنزير، فتبلدت فيها المشاعر والأحاسيس، لتصبح بلا إنسانية، بلا أخلاق، بلا رجولة، بلا شرف، بلا مروءة، بلا نخوة، بلا غيرة على هذا الدين.

لقد أصبحت الأمة يا بني، في موقف مخزي يستنكره في العالم كل صاحب ضمير، وظهر المثليون على شذوذهم، أكثر نخوة من أمتك، إذ هبوا من أجل غزة، يطالبون بوقف الحرب، وإبادة الغزيين، فكأنه لم يشذ فيهم الضمير.

في قلب الطغيان وعلى مدار عشرة شهور، تركت غزة وحدها تقاتل، تذود عن شرف الأمة المسلوب، بعد أن اجتمع عليها اليهود والروم، وليت الأمة اكتفت بتخاذلها، وتقاعسها عن أداء واجبها الإنساني والقومي والديني فحسب، بل إن العار كل العار في تعاونهم ضد غزة مع أعداء الأمة والدين، والذي لم يعد خفية، فإنه أصبح على المكشوف، ففي البعض من الوقاحة والجحود، ما لا يمنع من التصريح، وذلك بدواعي كثيرة، فالخيانات يا بني أصبحت في طور جديد، من الفلسفات والتبرير.

ولكن غزة رغم كل الدماء التي تنزف، والمحرقة التي أتت على معظمها، ما تزال صامدة، شامخة، عصية عن الاستسلام أو التسليم، أبدا لن تسقط من يدها راية الإسلام العظيم، ستظل الراية مرفوعة، عزيزة؛ أبية، ما دامت في غزة أنفاس للموحدين.

أخيرا: ستدرك الأجيال بعد كل هذه الحقائق أن مصاب الأمة كبير، فهو لا يقتصر على اغتصاب الأرض، وسرقة المقدرات؛ وانتهاك الحرمات؛ و تدنيس المقدسات فحسب، بل إنه اغتصاب للأدمغة والعقول وخاصة في المتنفذين من جيل السابقين، وقد مضى على سيطرتهم عقود من السنين، وآن لحقبتهم المخزية أن تزول، ليتولى الجيل الواعي حقبة من جديد، يتمكن فيها الخروج من مستنقع الذل المهين، هذا الجيل الذي أدرك الحقيقة، ولن يسمح لإرادته أن يتحكم بها اعداء الله، وأعداء الدين، والله غالب على أمره، سينصر دينه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.