الحلقة الثالثة: “من حرب الفِجَار إلى حلف الفضول… الميلاد المبكر للعدالة”
د. ابراهيم بومسهول
الحلقة الثالثة: “من حرب الفِجَار إلى حلف الفضول… الميلاد المبكر للعدالة“
بقلم: د.ابراهيم بومسهول
من قلب مكة
كبر محمد ﷺ شابًا نقيًا بين شباب مكة، لكنه عاش في مجتمع تحكمه العصبية القبلية. القبائل تتنازع على الزعامة، وأي خلاف يتحول إلى صراع دموي.
اندلعت ذات يوم حرب بين قريش وحلفائها من كنانة، وبين قيس عيلان، عُرفت في التاريخ بـ حرب الفِجَار. سُمّيت كذلك لأنها دارت في الأشهر الحُرم التي حُرّم فيها القتال ولما استُحِلّ فيها من المحارم وقطع الأرحام. شارك محمد ﷺ مع أعمامه، لكنه لم يشارك في القتال المباشر، بل كان يجمع السهام ويردّها إلى أعمامه.
رغم صغر دوره، إلا أن هذه التجربة فتحت عينيه على خطورة الحروب العبثية التي تقوم على العصبية والأنانية، وكيف تضيع فيها الحقوق وتُسفك الدماء بلا سبب.
حلف الفضول… ولادة وعي جديد
بعد سنوات قليلة، وقع حادث التاجر اليمني الذي ظُلم في مكة. اجتمع نفر من شباب قريش في دار عبد الله بن جدعان، وكان محمد ﷺ أحدهم. تعاهدوا على نصرة المظلوم، كائنًا من كان، وردع الظالم مهما كان قويًا.
سمّوا ذلك الاتفاق بـ حلف الفضول. كان الحدث علامة فارقة: من عقلية الحروب والدماء إلى عقلية نصرة المظلومين والعدل. ومحمد ﷺ كان حاضرًا بقوة، مشاركًا في ولادة وعي جديد يجعل العدالة قيمة أعلى من العصبية القبلية.
شهادة النبي ﷺ بعد البعثة
ظل الرسول ﷺ يذكر ذلك الحلف بفخر ويقول:
“لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دُعيت به في الإسلام لأجبت.”
هكذا أقرّ النبي ﷺ قيمة إنسانية كبرى: أن نصرة المظلوم شرف لا يزول، وأن العدالة لا تتغير بتغير الزمان ولا تُقيد بحدود القبيلة.
- القيمة القيادية
- الوعي المبكر: القائد يصقل وعيه من تجارب شبابه، حتى لو كانت أدواره صغيرة؛
- رفض العبث: الحروب القائمة على العصبية لا تصنع قادة، بل القائد هو من يبحث عن بديل عادل؛
- التحالف على القيم: القيادة تعني أن تبني تحالفات على أساس العدالة، لا على أساس المصالح الضيقة.
- إسقاط معاصر
- شباب اليوم يعيشون صراعات عبثية جديدة: تعصب حزبي، أو فئوي، أو جهوي، تستهلك الطاقات بلا جدوى. لكن القائد الحقيقي يتجاوز هذه الدوائر الضيقة ليبني “حلفًا للفضيلة” مع من يشترك معه في القيم؛
- التجارب الصغيرة التي يعيشها الشاب في مقتبل عمره (تطوع، مبادرة، دفاع عن مظلوم) قد تبدو محدودة، لكنها تصنع وعيه القيادي وتؤهله لمهام أعظم في المستقبل؛
- كما كان حلف الفضول بداية وعي جديد في مكة، فإن بناء “عهود جديدة للعدالة” في مجتمعاتنا اليوم هو الخطوة الأولى لإحياء الأمل وبعث القيادة من جديد.
خاتمة
شارك محمد ﷺ شابًا في حربٍ عبثية لم يخترها، فاكتسب وعيًا بعبثية العصبية. ثم شارك بعدها في حلف الفضول، فكان شاهدًا على ميلاد قيم العدل فوق مصالح القبائل. وهكذا تدرّب القائد منذ شبابه على أن القيادة ليست انتصارًا لقبيلة أو جماعة، بل نصرة للحق والإنسانية.
إذن، رسالتنا من هذه الحلقة:
القائد يتعلم منذ شبابه أن ينصر الحق ولو كان وحيدًا، وأن يبني تحالفات على العدل والكرامة والحرية لا على العصبية..
﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُودُّوا الْامَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ النساء: 58