منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من “الآية” إلى “المعجزة” – تحول المصطلح وأثره في العقل المسلم

يحي عباسي

0

من “الآية” إلى “المعجزة” – تحول المصطلح وأثره في العقل المسلم

يحي عباسي بن أحمد – الجزائر

المقدمة:

تقوم هذه الدراسة على فرضية مفادها أن التحول في الخطاب الإسلامي من استخدام المصطلح القرآني الأصيل “آية” (بمعنى العلامة والدليل والعبرة) إلى تبني المصطلح الكلامي الدخيل “معجزة”، لم يكن مجرد تغيير لفظي، بل مثّل انقلاباً منهجياً في علاقة المسلم بالنص القرآني والكون، وأسهم في تحويل نمط التفكير من التأمل والعمل إلى الانبهار والعجز.

أولاً: المعنى اللغوي والقرآني الأصيل لمصطلح “آية”

يُجمع أهل اللغة والمفسرون الأوائل على أن أصل كلمة “آية” [1]في لسان العرب يدل على العلامة الظاهرة والدليل الموصل إلى الشيء. وقد وردت في القرآن الكريم بدلالات متعددة تصب جميعها في هذا المعنى:

  1. العلامة الكونية[2]: كما في قوله تعالى:﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ﴾(الإسراء: 12). فالليل والنهار علامتان على قدرة الله وتدبيره.
  2. الدليل الحسي[3]: كما في طلب إبراهيم عليه السلام:﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الموتى ﴾(البقرة: 260). فإبراهيم لم يطلب نصاً بلاغياً، بل علامة حسية يراها بعينه ليطمئن قلبه.
  3. العبرة التاريخية[4]: كما في قصص الأمم السابقة، حيث تُساق القصص نفسها على أنها “آيات” أي عبر ودروس لمن يتفكر:﴿ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾(الأعراف: 176).

ثانياً: غياب مصطلح “المعجزة” في الخطاب القرآني وتحليل دلالته

الحقيقة المركزية التي تقوم عليها هذه الدراسة هي أن لفظ “معجزة” أو “إعجاز” لم يرد في القرآن الكريم على الإطلاق كوصف لأفعال الأنبياء أو للقرآن نفسه. وقد نص على هذه الحقيقة عدد من المحققين القدامى والمعاصرين:

  • ابن تيمية[5]: أشار إلى هذه الحقيقة بوضوح حيث قال: “ولم يكن لفظ المعجزات موجوداً في الكتاب ولا في السنة، وإنما فيه لفظ الآية والبينة والبرهان”. فهذه الألفاظ (آية، بينة، برهان) بطبيعتها تدل على الهداية والإرشاد والوضوح، ولا تحمل في طياتها معنى التحدي والإفحام.
  • الاستعمال القرآني السلبي لمادة (ع ج ز)[6]: مادة (ع ج ز) في القرآن وردت حصراً في سياقات سلبية تتعلق بالبشر. مثل قوله تعالى:﴿ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴾(الأنعام: 134) أي بهاربين من قدره، أو﴿ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾(سبأ: 5) أي ظانين أنهم يُفْلِتون من العذاب. هذا الاستعمال يؤكد أن مفهوم “الإعجاز” في القرآن هو فعل بشري فاشل (محاولة الهرب من سلطان الله)، وليس صفة إلهية أو وصفاً لفعل نبوي.

ثالثاً: من “الآية” إلى “المعجزة”: دوافع التحول المصطلحي في التاريخ الإسلامي

إذا كان القرآن لا يستخدم مصطلح “المعجزة”، فكيف أصبح هذا المصطلح هو المهيمن على العقل المسلم؟

حدث هذا التحول [7]مع نشأة علم الكلام في العصر العباسي، وذلك لمواجهة التحديات الفكرية من الفلسفات الأخرى (اليونانية والفارسية). احتاج المتكلمون إلى صياغة “دليل عقلي” على صدق النبوة في مواجهة المنكرين، فطوروا مفهوماً جديداً. وقد عرّفه السفاريني بأنه: “أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، مع عدم قدرة الخصم على الإتيان بمثله”.[8]

  • الآية: وظيفتها داخلية إيمانية (هداية وتذكرة للمؤمن) وخارجية دعوية (دعوة المشرك للتأمل في العلامات).
  • المعجزة: وظيفتها جدلية منطقية (إقامة الحجة القاطعة وإفحام الخصم). هذا التحول من منطق “العلامة الهادية” إلى منطق “الحجة المفحمة” هو جوهر الإشكالية.

رابعاً: التأثيرات المعرفية والسلوكية لاستبدال المصطلح

يمكن رصد آثار هذا التحول على أنماط التفكير والسلوك في ثلاثة مستويات رئيسية:

  1. إلغاء مهمة “البحث” واستبدالها بـ “الانبهار“:
  • مصطلح “الآية” يستثير في العقل فعل البحث عن المدلول. فإذا كان الكون آيات، فالسماء تدفع لعلم الفلك، والنفس تدفع لعلم الطب. علاقة الإنسان بالوجود هي علاقة فاعل متأمل يسير في الأرض لينظر.
  • مصطلح “المعجزة” يستثير فعل التسليم بالعجز. عندما يُصنف الحدث كمعجزة، فإن السؤال عن “الكيفية” يتوقف، لأنها فوق قدرة العقل. يتحول الإنسان إلى منفعل مبهور ينتظر الخوارق.
  1. تعطيل “سنن العبرة” في التاريخ والواقع:
  • الآية تجعل من قصة فرعون أو عاد عبرة متجددة. العبرة تعني إسقاط القصة على الواقع المعاش (أين فرعون اليوم؟ أين عاد في حضارتنا؟). التاريخ هنا مرآة للحاضر.
  • المعجزة تجعل من الحدث استثناءً تاريخياً خاصاً بزمن النبوة ومؤيداً لنبي بعينه. فإذا كان شق البحر “معجزة لموسى”، فإن صلتها بحياتنا اليومية تنقطع، وتتحول إلى مجرد خبر للإيمان، لا نموذج للتحليل والعمل.
  1. التأسيس لثقافة “التواكل” بدلاً من “التدبر“:

عندما تطغى ثقافة المعجزة (انتظار الخارق)، تتراجع ثقافة الآية (فهم السنن). بدلاً من ركوب البحر (السنن الكونية) والتخطيط للنصر، يقف المرء على الشاطئ منتظراً أن ينشق البحر بقدرة قادر. هذا التحول في العقلية هو أحد الأسباب العميقة للجمود الحضاري الذي أشار إليه العديد من المفكرين[9].

خاتمة: نحو استعادة مفهوم “الآية”

الخلاصة التي تنتهي إليها هذه الدراسة أن استعادة الوعي بالمفهوم القرآني الأصيل لـ “الآية” ليس ترفاً لغوياً، بل هو ضرورة منهجية وحضارية. إنه دعوة لتحويل علاقتنا بالقرآن من كونه “نصاً معجزاً” نكتفي بالدفاع عنه، إلى كونه “كتاب آيات” يفتح نوافذ التأمل في الأنفس والآفاق، ويحرر العقل من سلطة الانبهار والعجز إلى فضاء التدبر والعمل.


 [1] معنى “آية” لغةً: يذكر ابن منظور في “لسان العرب” أن أصل كلمة “آية” يدل على العلامة الظاهرة والدليل الموصل إلى الشيء، وهي العلامة التي يُستدل بها على أمر ما.

[2]  المعنى القرآني للآية (الكونية): قال تعالى:﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ﴾سورة الإسراء: 12.

[3]  المعنى القرآني للآية (الدليل الحسي): قال تعالى:﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾سورة البقرة: 260.

[4] المعنى القرآني للآية (العبرة التاريخية): قال تعالى:﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾سورة يوسف: 111، وقال:﴿ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾سورة الأعراف: 176.

[5]  قول ابن تيمية في غياب لفظ “المعجزات”: “ولهذا لم يكن لفظ المعجزات موجوداً في الكتاب ولا في السنة، وإنما فيه لفظ الآية والبينة والبرهان”. ورد هذا النص عنه في كتابه “الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح” . وقد ورد هذا الاستشهاد في مصدرين من نتائج البحث: الأول موقع إسلام ويب الذي نقل عن ابن تيمية قوله: “وهذه الألفاظ إذا سميت بها آيات الأنبياء كانت أدل على المقصود من لفظ المعجزات ولهذا لم يكن لفظ المعجزات موجودا في الكتاب ولا في السنة وإنما فيه لفظ الآية والبينة والبرهان”، والثاني كتاب “الإعجاز القرآني في ضوء الاكتشاف العلمي الحديث” الذي نقل النص نفسه عن “الجواب الصحيح”.

 [6] الاستعمال القرآني السلبي لمادة (ع ج ز): قال تعالى:﴿ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾سورة العنكبوت: 22، وقال:﴿ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ﴾سورة سبأ: 5.

 [7] زمن ظهور مصطلح “المعجزة”: “وإنما ظهر مصطلح المعجزة، في وقت متأخر بعض الشيء، عندما دونت العلوم، ومنها علوم العقائد في أواخر القرن الثاني الهجري وبداية الثالث”. وقد ورد هذا النص صراحةً في كتاب “الإعجاز القرآني في ضوء الاكتشاف العلمي الحديث” نقلاً عن كتاب “مباحث في إعجاز القرآن” للدكتور مصطفى مسلم

[8] . تعريف السفاريني للمعجزة: نقل موقع إسلام ويب عن كتاب “لوامع الأنوار البهية” للسفاريني تعريف المعجزة بأنها: “أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، مع عدم قدرة الخصم على الإتيان بمثله”. وقد أضاف المصدر نفسه أن ابن تيمية أشار إلى أن مصطلح “المعجزة” هو من وضع “النظار” (أي المتكلمين) وليس من ألفاظ الشرع الأصلية.

 [9] تأثير غياب سؤال “الكيفية” في العلوم الكونية: يذكر المفكر الجزائري مالك بن نبي في كتابه “شروط النهضة” وفي غيره من كتبه (مثل “الظاهرة القرآنية”) أن تعطيل العقل عن البحث في سنن الكون وأسبابه، والاكتفاء برد الظواهر إلى كونها “معجزات” دون بحث في القوانين الكامنة وراءها، كان من أكبر مسببات الجمود الحضاري في العالم الإسلامي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.