عاقبة من يرفض النصحیة | سلسلة فقه الجمعة
بقلم: الأستاذ بن سالم باهشام
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
عباد الله؛ إذا كنا قد استوعبنا وأدركنا ضرورة وأهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لنصلح المجتمع أولا، ولنحافظ على صلاحيته ثانيا، ولنكون خير أمة أخرجت للناس ثالثا، وليكون لنا عذر ننجو به من عذاب الله و انتقامه الذي سيحل بالعصاة من عباده رابعا، إذا كنا قد أدركنا هذا جيدا، فقام شبابنا وشوابنا وآباؤنا وأمهاتنا و أبناؤنا وبناتنا بشن حملة ضد المنكر، و محاولة دعوة أغلب أفراد الأمة إلى الخير والمعروف، فإنهم قد واجهوا أصنافا من أفراد الأمة ممن رفضوا دعوتهم وردوها بالسخرية والاستهزاء، أو بالنفور والقطيعة، فيا عباد الله، إن مما يجب إدراكه كذلك، هو أن كل بني آدم خطاء، وخير الخطائین التوابون، كما جاء في حديث الرسول صلى عليه وسلم، وأن المؤمن مرآة أخيه، به يعرف أخطاءه وزلاته.
فيا عباد الله، لماذا لا نقلق من المرآة التي ارتنا حقيقة ظاهرنا، فنری وجوهنا فيها ولا نضجر منها، أن أرتنا حقیقتنا؟! فقد نكون متسخي الثياب، شعث الرؤوس،بأعيننا قذى فترينا المرآة حقيقة صورتنا دون أن نضجر منها أو نكسرها.
فلماذا عباد الله نضجر من أخينا المؤمن الذي هو مرآة لنا، نرى فيه حقيقة أخلاقنا و معاملاتنا؟ لماذا نضجر منه ونقلق، عندما ينصحنا بما فيه خير لنا؟ لماذا نغضب منه؛ لما يرينا حقيقة
أنفسنا و لا نشكره على ما أسدى إلينا من معروف؟ لماذا نرضى بالذین یداهنوننا وينافقوننا، فنقربهم منا، و ننفر من الذين ينصحوننا ويظهروا لنا حقيقتنا.؟
ترى من الأحق بالمحبة، الذي ينصحك ويظهر لك عيبك، أم الذي يداهنك ولا يظهر لك أخطاءک، بل يمدحک ویزين لك افعالك؟!
اعلموا عباد الله، أن الناصحين لنا لا يريدون منا الا التوبة وإصلاح أمرنا قصد ملاقاة الله بأعمال ترضي خالقنا، لماذا عباد الله نرضى بكلام الطبيب الذي يصف أمراضنا الجسمية ويشخصها دون أن نقلق منه، بل نؤدي على فحصه أجرة، في حين أننا لا نرضى بنصائح من يريد أن يداوي أنفسنا، بأظها عيوبنا الأخلاقية، ألم تسمعوا ما جاء في الأثر (لا خير في قوم لا يتناصحون، ولا خير في قوم لا يقبلون النصيحة).
عباد الله، اسمعوا إلى مرضى القلوب المتبعين لأهوائهم، ماذا يقولون عندما توجه لهم النصائح التي تصلح أمرهم و ترضي خالقهم.” إننا كنا نحترمك أيها الشخص، ولما قلت فينا كذا وكذا و جسرت علينا، فقد أصبحنا نبغضک ونکره سماع کلامك”، انظروا عباد الله إلى الموازين كيف قلبها الهوى ، والنفس الأمارة بالسوء! كيف أصبح الناصح الأمين الصدوق عدواً ، والمنافق الظلوم الفاسق صديقا؟ .
فیا عباد الله، اعلموا أن النجاة من عذاب الله وغضبه وإصلاح المجتمع يقتضي تقبل النصائح من الغير، وأن حضورنا لخطبة الجمعة، إن لم یکن فیه استعداد تام لتقبل النصائح الموجهة إلينا مادامت معززة بحجج قرآنية وأحاديث نبوية، ولم يجرح فيها شخصا معينا، أو فئة معينة، وذلك بذكر اسمهم وفضحهم أمام الملإ، إن لم نکن عباد الله مستعدین لإصلاح أنفسنا، و تقبل النصائح الموجهة إلينا، فسيبقى الفساد متفشيا في بلدنا، و سنبقى غارقين في أخطائنا وعيوبنا وسيصبح ما نسمعه حجة علينا ، لا حجة لنا، و سنستحق بذلك غضب الله و انتقامه. فیا عباد الله، و یا إماء الله، يا أيها الشباب، و یا أيتها الشواب المسلمات، و یا أيها الرجال المؤمنون، ویا أيتها النساء المؤمنات، اقرأوا کتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لتروا ماذا حل بالرافضين للناصحين، هذه النصائح التي ليس فيها حرج ولا مشقة، نظرا لكونها من عند الرحمن الرحيم الذي قال في سورة البقرة: ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185]، اسمعوا إلى ما حل بقوم نوح عليه السلام لما رفضوا نصحه، قال تعالى في سورة الاعراف:(لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الأعراف: 59]، إن محبة نوح عليه السلام لقومه، جعلته يخاف عليهم من عذاب الله، فطالبهم بعبادة الله وحده، إلا أنهم قابلوا دعوته بالسخرية والتكذيب، فقالوا كما جاء في سورة الأعراف: (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) [الأعراف: 60 – 62]، اسمعوا عباد الله إلى ماحل بهؤلاء لما رفضوا النصيحة. قال تعالى في سورة الأعراف: ( فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ) [الأعراف: 64].
و هكذا الشأن بالنسبة لهود عليه السلام مع قومه عاد، قال لهم كما جاء في سورة الأعراف: ( وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا، قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلَا تَتَّقُونَ * قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ *قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ * أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [الأعراف } [الأعراف: 65 -68]، فذكرهم بما حل بقوم نوح، وبما انعم الله عليهم به من قوة، فلم يتعظوا، و هددهم فلم يخافوا، وقال كما في سورة الأعراف: (فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ) [الأعراف: 71، 72]، و جاء بعدهم ثمود قوم صالح علیه السلام الذين رفضوا نصيحة نبيهم رغم أنه ذكّرهم بما حل بمن مضی، و قالوا له : (وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف: 77 – 79].، و جاء بعدهم قوم لوط الذين رفضوا نصيحة نبيهم ولم يتعظوا بما أصاب من قبلهم، بل قالوا: (أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) [الأعراف: 82 – 84]).
وجاء بعدهم مدين قوم شعيب عليه السلام، الذين رفضوا نصيحة نبيهم ولم يعتبروا بمن مضى من الأمم، قال تعالى في سورة الأعراف: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ) [الأعراف: 78]، قال تعالى في شعيب عليه السلام (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ) [الأعراف: 93]. وهذا فرعون الذي نصحه موسى عليه السلام، فأخذته العزة بالاثم، فاغتر بقوته وجبروته ومنصبه، فرفض النصيحة، بل هدد الناصح الذي أراد له كل خير فقال كما جاء في سورة الشعراء: (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ) [الشعراء: 29]، وهدد من آمن بموسى عليه السلام وقال لهم: (آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ) [الشعراء: 49]،
بل لقد صلب حتى زوجته آسية التي آمنت بموسى عليه السلام، انظروا عباد الله الى الطغيان .
وكم من وجیه تعامى عن عواقبه ***** إذ هابه خشية عمرو وعمّار
وظل في زخرف التضليل متجرا ***** والناس منه بسوق الزيغ تمتار
ياذا الوجاهة والجاه العريض لقد ***** خانت عهودَک أعوان وأنصار
فيا عباد الله، هل انظر الله قضية هذا الطاغية إلى يوم القيامة، وتركه يظلم العباد، ويفسد البلاد، ويهلك الدعاة الصادقين؟ قال تعالى في سورة الأعراف: (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) [الأعراف: 136]، بل إنه سبحانه وتعالى وهو الجبار المنتقم، قضى حتى على ما ترکوه فقال في سورة الأعراف: (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ)[الأعراف: 137].
عباد الله، و هذا رجل آخر اغتر بماله، ورفض النصيحة، وھو نموذج لكل صاحب مال رفض النصح، إنه قارون الذي قال له قومه كما جاء في سورة القصص: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [القصص: 77]، قارون الذي ترك الضعفاء حوله والأسر المشردة التي لم تفرح حتى بفتاة مائدته، قارون الذي اهلك مالا لبدا في السهرات الماجنة، وعلى النساء الفاسقات، قارون الذي أغرى بماله الفتيات الغافلات، قارون الذي نسي فضل الله عليه فقال : (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) [القصص: 78] )، قارون الذي انساه ماله قوة الله وجبروته، قال تعالى في سورة القصص: (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) [القصص: 78]، قال تعالى في سورة القصص: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ) [القصص: 81]
أعوذ بك اللهم من بطر الغنى***** ومن نهكة البلوى ومن ذلة الفقر
ومن أمل يمتد في كل شارق (أي لامع) ***** یرجعني منه بحظ يد صفر
إذا لم تدنسني الذنوب بعارها ***** فلست أبالي ما تشعث من أمري.
فیا عباد الله، يا من تدفعهم الغيرة الدينية ليتسابقوا إلى سماع كلام الله، اقبلوا النصائح الموجهة إليكم ، وحاولوا المبادرة بالتوبة، واعلموا أن الذنب معصية، وأن تأخير التوبة من ذلك الذنب معصية أخرى، وإياكم؛ عباد الله؛ والأمن من مكر الله ، فقد هلك من هو أشد منا قوة وجمعا وجاها ومنصبا ومالا وجمالا.
وإیاکم عباد الله والاستهزاء أو السخرية، أو النفور ممن أراد نصحكم ولو كان أقل منکم سنا أو منصبا أو جاها أو مالا، وإلا کنتم ممن قال فيهم تعالى في سورة البقرة: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ) [البقرة: 206]
واحذروا – عباد الله – من الشيطان لعنه الله، وجنوده من الإنس، فقد يظهرون لكم على صورة الناصح الأمین ، فیزینون لكم المناكر و المعاصي . فيقولون للواحد منكم مثلا: لماذا لا تأكل الرشوة؟ إن الظروف التي حرمت فيها الرشوة لیست هي كالظروف التي تعيشها الآن، لقد تغیر الزمان، و كثرت المتطلبات، ثم هل أنت وحدك في وسط هذه الجحافل ممن يأكل الرشوة؟ أتريد أن تأكل الحلال و تتورع وحدك، وهل هؤلاء الناس في ظنك على ضلال؟!. ويقولون للمتحجبة: لماذا هذه الخرق على رأسك، وهذا الكفن على جسمك؟ أبه عاهة تريدين سترها؟ أم ارتكبت جريمة وأردت التكفير عنها فتسترت؟ و يقولون لك إن كنت بكرا: أما خشیت بحجابک هذا أن تبقي دون زواج؟ ويقولون لك إن كنت متزوجة: أماخشیت بحجابك هذا أن يتزوج علیك زوجک؟ أأمنت من عدم افتتانه بالجميلات من الفتيات المتبرجات؟. كما یزینون للناس الزنا والقمار والميسر والاختلاط وأكل أموال اليتامی ظلما، وأکل الربا، و يقولون لرب الأسرة: متی ستبني منزلا وتستقر فيه؟ بل من أين لك المال لهذا البناء؟ وهل ستترک أبناءك في دور الكراء؟ لماذا لا تقترض من الأبناك؟ أليست الضرورة هي التي دفعتك لهذا، والضرورات تبيح المحظورات؟ وهكذا يتعاطى الشخص للربا، ويرتمي في أحضان المعصية ، فيأكل الربا ، ويعلن الحرب على خالقه، ويتجاهل أن الرسول صلى الله عليه وسلم، قال فيما رواه ابن ماجه والبيهقي: ( الربا سبعون حوبا (أي إثما) أهونها كوقع الرجل على أمه) وفي رواية (أهونها كالذي ينكح أمه).
وإیاکم – عباد الله، من قبول مثل هذه النصائح المخالفة للشريعة الإسلام، و المغضبة لله عزو جل ، واعلموا أن أباكم آدم عليه السلام ما أكل من الشجرة المحرمة، وجرد مما عليه من ستر، وأخرج من الجنة، إلا بثقته في إبليس لعنه الله؛ الذي جاء في صورة ناصح أمين. قال تعالى في سورة الاعراف: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا، وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ) [الأعراف: 20 – 22]
فیاعباد الله، اسمعوا الى خالقكم وهو الرحيم بکم يحذرکم من مکاید الشيطان وجنوده ويقول: ( يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ) [الأعراف: 27]
وليكن قدوتك يا عبد الله، الرسول صلى الله عليه وسلم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وعصمه من الأخطاء، ورغم ذلك قال له خالقه في سورة الأحزاب: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ) [الأحزاب: 1]، فلا تقل يا عبد الله لمن نصحك: وماذا فعلت ؟! فتتجاهل ذنبك، بل عليك أن تقبل النصيحة من اي جهة کانت، وأن تتجاوز عن الناصح إن غابت عنه شروط النصيحة.، وأن يكون السلف الصالح قدوتنا، فقد قال أحد الناس لابن السماك : (غذا نتعاتب، فقال له: بل غذا نتغافر)، لهذا لابد من التناصح والتغافر وإضمار المحبة والإكرام قبل النصيحة، والدعاء للشخص بالتوفيق قبلها وبعدها. وعلى الناصح أن يكون مخلصا في نصحه، لا يريد التشهير، قال الفضيل بن عیاض رحمه الله: (المؤمن يستر وينصح، والفاجر پھتک ویعير)، وأن يبين الناصح شفقته على المنصوح، وأنه أراد به الخير والرحمة .وأن يطابق قول الناصح فعله، وأن يكون عارفا بما سينصح به، ويضبط ذلک بالأحكام الشرعية. وعلى الناصح أن يفرق بين النصيحة والإهانة والتشهير بالنصح، ومراعاة الوقت والظروف، كتجنب حالة الغضب مثلا، وأن يتجنب الناصح النصيحة السلطوية، وعدم التكليف، وأن يبتدئ الناصح عند نصيحته بذكر الإيجابي في المنصوح قبل السلبي، وأن يتجنب إثارة المنصوح، فيا عباد الله.
النصح أرخص ما باع الرجال فلا ***** تردد على ناصح نصحا ولا تلم
إن النصائح لا تخفى مناهجها ***** على الرجال ذوي الألباب والفهم.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.