الحرية وجه التوحيد: لماذا لم يستبدّ الرسول ﷺ؟
يحي عباسي بن أحمد - الجزائر
الحرية وجه التوحيد: لماذا لم يستبدّ الرسول ﷺ؟
بقلم: يحي عباسي بن أحمد – الجزائر
منذ اللحظة الأولى للوحي، حين طُلِب من النبي ﷺ أن يقرأ، كان القرآن ينحت في الوجود البشري معنى الحرية.
فالذي يُطلب منه أن يقرأ لا يُؤمر بأن يطيع بلا وعي، بل بأن يشارك في فعل الفهم والاكتشاف، أي أن يكون حرًّا في استقبال الحقيقة.
ومع أن المصدر مطلق القوة والعلم، لم يكن في التجربة النبوية أي شكلٍ من أشكال الاستبداد، لأن الإله في القرآن ليس سيدًا متجبّرًا، بل مربيًا يعلّم الإنسان أن يختار سبيله بحرية، حتى في الإيمان ذاته:
“فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” [الكهف: 29].
لقد عاش النبي ﷺ هذا المعنى لا كفكرةٍ بل كمنهج وجودي. كان يستطيع أن يُرغم الناس على الإيمان، لكنه لم يفعل، لأن الإيمان القسري لا يخلق وعيًا بل خوفًا. فاختار أن يكون مذكّرًا لا مُسيطرًا، كما قال له ربّه:
“لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ” [الغاشية: 22].
في هذه الآية يُعلَن المبدأ المؤسس للحرية الدينية في الإسلام: أن الإيمان لا يُفرض، لأن طريق الله لا يُعبَد بالخضوع القسري، بل بالاستجابة الطوعية للنداء الداخلي.
ولذلك، حين نقرأ سيرة الرسول ﷺ، نكتشف أنه كان يعيش مع الناس لا فوقهم، يستمع إليهم، يشاورهم، ويبكي معهم، لأن النبوة عنده لم تكن سلطة، بل عبودية خالصة لله، وحرية مطلقة للإنسان.
الحرية هنا ليست تناقضًا مع التوحيد، بل شرطه العميق.
فلا يتحقق التوحيد إلا إذا كان الإنسان حرًّا في أن يختار الله. أما إذا أُكره، صار اللهُ عنده طاغيةً لا معبودًا.
ولهذا كان القرآن يعيد الإنسان إلى ذاته، ليوقظ فيه القدرة على الاختيار:
“إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا” [الإنسان: 3].
إن الرسول ﷺ مارس التوحيد في أعلى تجلياته، لأنه لم يحتكر النور لنفسه، ولم يفرض الحقيقة على أحد، بل فتح الطريق أمام الناس ليعيشوا تجربتهم الخاصة مع الوحي.
فما فعله هو أنه حرّر العلاقة بين الإنسان والمطلق من كل وساطة بشرية، حتى من ذاته، ليبقى الله وحده هو المرجع والمعنى.
في هذا الموقف تتجلى ذروة الإنسانية النبوية: أن يكون الإنسان على صلة بالمطلق دون أن يلغى كيانه.
لقد كان الرسول ﷺ مرآةً للمطلق، لكنه لم يكن ظلّه المستبدّ؛ كان مظهر الرحمة لا التجبر، ومعلّم الحرية لا الخضوع.
ولهذا يمكن القول إن الرسالة القرآنية، في عمقها، كانت مشروعًا لتحرير الإنسان من كل ما سواه، حتى من خوفه من الله، ليعرفه عن حبٍّ ووعي، لا عن رعبٍ وجهل.
الملحق التأويلي: التوحيد كفضاء للحرية
في ضوء التجربة النبوية، يمكن فهم أن الحرية ليست نقيض التوحيد، بل جوهره.
فكلما ازداد توحيد الإنسان لله، تحرّر من غيره.
“اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ” [البقرة: 257].
الظلمات هنا ليست الجهل وحده، بل كل ما يقيد الإنسان من خوفٍ أو سلطةٍ أو تبعيةٍ عمياء.
فالرسالة القرآنية لم تُرسل لتستعبد الناس لله بمعنى الخضوع القهري، بل لتجعلهم عبيدًا لله بمعنى الحرية من كل ما سواه.
ومن هنا نفهم لماذا لم يستبدّ النبي ﷺ، لأنه كان يرى أن الإكراه يناقض جوهر الرسالة.
الإيمان عنده ليس نتيجة قوةٍ مفروضة، بل ثمرة وعيٍ مستيقظ.
ومن هنا كان قوله تعالى:
“ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ” [النحل: 125].
الحكمة لا تحتاج إلى العصا، والموعظة لا تتوسل السيف.
إنها طريقُ الحرية التي تحفظ كرامة الإنسان وتمنحه الحق في أن يختار نوره بنفسه.
وهكذا، حين نفهم التوحيد كتحررٍ من كل تبعية، ندرك أن النبي ﷺ لم يكن فقط مبلّغًا للوحي، بل مؤسسًا لوعيٍ جديد يجعل من الحرية طريقًا إلى الله.