مظاهر الحرية في أركان الإسلام الخمسة | سلسلة خطبة الجمعة
الشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي
مظاهر الحرية في أركان الإسلام الخمسة | سلسلة خطبة الجمعة
الشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي
الحمد لله الذي أسس لنا بأركان الإسلام نعمة الحرية، وأصلح بها حالات النفس والطوية، فاهتدينا بها إلى أفضل الطرق السوية، وأشهد أن لا إله إلا الله خلق الإنسان حرا في هذه الحياة الأرضية، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي قدمه لنا أفضل هدية، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى نهاية البرية.
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون، أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
الإنسان دائما بطبعه مشوف ومتشوق للحرية؛ فما أحلى ذوقها في النفوس! وما أغلى قيمتها في القلوب! ترتاح لها الأرواح، وتنتشر بها الأفراح؛ والإسلام قد ضمن الحرية التامة لكل الناس، يدفع عنهم بها شرور البؤس والبأس، بغض النظر عن نوعيتهم في الديانات واللغات والأجناس؛ والاستعمار الذي يعتدي على الحريات أنواع؛ فمنه استعمار العقائد والأفكار، ومنه استعمار الأزمنة والأوقات، ومنه استعمار النزوات والشهوات، ومنه استعمار الأموال والثروات، ومنه استعمار البلدان والإقامات؛ وما شرع لنا الله تعالى أركان الإسلام الخمسة إلا لتحقيق الحرية في هذه المجالات الشهادتان والصلاة والصيام والزكاة والحج.
فتعالوا بنا اليوم لنكشف الستار عن: كيف تحقق لنا هذه الأركان الحريات؟
● أما الركن الأول في الإسلام؛ فهو “شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله عليه الصلام والسلام”؛ فحينما تنطلق من قلب المسلم، لينطق بها لسانه، فيسري أثرها على جوارحه، فإنها تحرره من أمرين: من عبادة النفس والهوى، ومن عبادة الغير على غير الهدى؛ فأما عبادة النفس والهوى؛ فيقول الله تعالى فيها: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً}. وأما عبادة الغير؛ فمن الناس من يعبد البشر ومنهم من يعبد الحجر ومنهم من يعبد البقر.
فجاءت هذه الشهادة لتحرر الإنسان من عبادة الأشياء إلى عبادة خالق كل الأشياء، لتحارب استعمار الخرافات للعقول وسيطرة أوهام الكفر على الأفكار.
● أما الركن الثاني وهو الصلاة؛ فقد شُرعت لتحرر الإنسان من استعمار الوقت؛ فكثيرا ما نسمع من الناس كلمات وشكايات تدل على أن الوقت نوع من الاستعمار؛ فمثلا: ضغط الوقت، ما عندي وقت، الوقت لم يسمح لي بكذا، حسب ما سمح به الوقت، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك…، إذن الوقت مسيطر؛ أحيانا يسمح، وأحيانا لا يسمح، والكل يشتكي من مصارعته وسرعته، حتى سمي هذا العصر بعصر السرعة في الوقت.
فشرع الإسلام الصلاة، ووزعها خمس مرات أوقات على اليوم والليلة؛ لتحرر المسلم من ضغط الوقت، حتى يقف أمام خالقه حرا طليقا؛ وفي نفس الوقت تعلمنا أهمية الوقت في الإسلام وتعلمنا كيف نتحكم في الوقت دون أن يتحكم فينا، وكيف يخضع لنا دون أن نخضع له؛ فحينما يسمع المسلم “حي على الصلاة” فورا يتحرر من كل شيء ليأخذ من وقته قسطا من أجل صلاته.
● أما الركن الثالث وهو الصيام؛ فقد شُرع ليحرر الإنسان من استعمار الشهوات، وأصل الشهوات كلها شهوة البطن، وشهوة الفرج، والصيام هو: الإمساك عن شهوتي البطن والفرج؛ فشهوة البطن هي الاستعمار الذي يدفعنا إلى الأكل بالإسراف، وعدم المبالاة بالحرام، فبسببها انتشرت المحرمات في المأكولات والمشروبات. وأما شهوة الفرج فهي التي فتحت علينا أبواب الفواحش والفجور، وأبواب الأوجاع والأمراض.
فشرع الإسلام الصيام لنتخلص به من استعمار الشهوات والنزوات، إلى حرية الحصانة والعفاف، إلى الاستغناء بالحلال في الأكل عن الحرام، وإلى الاكتفاء بالنكاح المشروع عن السفاح الممنوع، والرسولﷺ يقول: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج..».
● أما الركن الرابع وهو الزكاة؛ فقد شُرعت لتحرر الإنسان من استعمار أمرين: الأنانية، وحب الأموال؛ فأما التحرر من استعمار الأنانية فيقول الرسولﷺ في محاربتها: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». وأما التحرر من استعمار الأموال والثروات، فيكون إلى حرية القناعة بالطيبات؛ فاستعمار الأنانية هو الذي يدفعنا للاستيلاء على الأموال حراما كانت أو حلالا، ويجعلنا نعتبر الحلال منها هو ما حل بأيدينا، ونسير وراء خيال وخبال الاستغناء السريع بالربا والقمار، فيتحقق فينا قول الرسولﷺ: «يأتي على الناس زمان لا يبالي الرجل من أين أصاب المال من حلال أم حرام».
فجاء الإسلام بالزكاة ليحرر المسلم من استعمار الأنانية والمال؛ فدفع الزكاة للمحتاجين دليل أنك تحب غيرك وتحب لنفسك ما تحب لغيرك، وقد تحررت بدفعها من استعمار الفلوس للنفوس.
● أما الركن الخامس وهو الحج؛ فقد شُرع ليحرر الإنسان من استعمار الإقامة؛ فلا شك أن الأسفار تفتح الآفاق، وتوسع الأرزاق، وتشحذ الأذواق، بها يتعلم المسلم من تجارب الغير، ورحم الله الإمام الشافعي إذ قال:
ما في المقامِ لذي عقلٍ وذي أدبِ * مِـــنْ رَاحَة فَـــــدعِ الأَوْطَــــــانَ واغْتَرِبِ
سافر تجد عوضاً عمَّن تفارقــــــــــهُ * وَانْصَبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِي النَّصَبِ
إني رأيـــتُ وقـــوفَ الـماء يفسـدهُ * إِنْ سَالَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْـــــرِ لَمْ يَطِبِ
فجاء الإسلام ليحرر المسلم من سجن الإقامة إلى حرية السباحة في بحورالسياحة؛ لنتعلم ونأخذ العبرة من عاقبة الآخرين؛ فالعاقل من أخذ العبرة من غيره، والغافل من كان عبرة لغيره؛ قال الله تعالى: {أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوب يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَان يَسۡمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ}، {قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَ}، {أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ}، {قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ}، {قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ}.
ثم شرع لنا محبة مكة المكرمة والمدينة المنورة أكثر من غيرها، وشرع الحج الذي لا يصح إلا في مكة المكرمة، ليخلصنا من سجن الإقامة، وعبودية البلاد، إلى حرية عبادة رب البلاد والعباد.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين…
الحمد لله رب العالمين…
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ هكذا تعلمنا في هذه الخطبة أن أركان الإسلام ليست مجرد طقوس وعبادات؛ بل إنها مدارس علمية وعملية، تعالج حالات الناس وأوضاعهم عبر الزمان والمكان؛ فقد رأيتم كيف نتعلم من أركان الإسلام ضوابط الحرية وأسسها وتطبيقاتها.
ورأيتم كيف تحرر الشهادتان الإنسان حتى لا يكون عبدا مملوكا؛ لا لهواه، ولا لغيره من البشر والحجر والبقر؟!
ورأيتم كيف تحرره الصلاة حتى لا يكون عبدا مملوكا لوقته وساعته؟!
ورأيتم كيف يحرره الصيام حتى لا يكون عبدا مملوكا لشهوتي بطنه وفرجه؟!
ورأيتم كيف تحرره الزكاة حتى لا يكون عبدا مملوكا لأنانيته وثروته؟!
ورأيتم كيف يحرره الحج حتى لا يكون عبدا مملوكا لإقامته وبلده؟!
وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أعطانا تلك الكلمة الذهبية العابرة للقارات، والسائرة عبر الآفاق والمسارات: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا»؛ ولكن الحرية ليست مسارا مفتوحا يسير فيه الإنسان حسب هواه؛ بل إن لها حدوداً لا بد من الوقوف عندها وضوابطَ لا بد من مراعاتها، وهي تتمثل في أمرين أساسين:
• الأول: يدل عليه قول الحكماء في هذا المجال: “أنت حر فيما ليس فيه ضرّ” وقولهم: “حدود حريتك تنتهي عند حرية غيرك”؛ فلا يجوز في إطار الحرية أن تضر بها نفسك، ومن باب أولى وأحرى أن تضر بها غيرك.
• الثاني: أنت حر في الحلال، عم فيه واسبح، واسحب منه ما شئت واكدح، واستعمله كيف شئت؛ اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك واغننا بفضلك عمن سواك.
ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…