منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

شذرات حول أعلام مراكش ومآثرها

محمد بن الصديق فيروج

0

شذرات حول أعلام مراكش ومآثرها

بقلم: محمد بن الصديق فيروج

       تعد مدينة مراكش من أكثر مدن العالم العربي والإسلامي شهرة، لما لها من تاريخ عريق، وارتباط وثيق بنشأة عدد من الدول التي تعاقبت على حكم المغرب، وفي طليعتها الدولة المرابطية، ومما يؤكد شهرتها ما ذكره المؤرخون أنها كانت تطلق على دولة المغرب.

        ولا شك أن الحديث عن مدينة الشهيرة هو مما يطول جلبه، ويستعصى جمعه، وحسبي في هذه اللمحة السريعة، أن أذكر نبذة يسيرة عن بعض ما اشتهرت به مدينة مراكش من أعلام، وما تزخر به  إلى حد الآن من معالم وآثار.

الرجال السبعة

      لعل أول ما يستوقف الباحث أو الدارس لتاريخ أعلام مراكش، ذكرُ رجال سبعة عرفوا بالزهد والورع والعلم. فمن هؤلاء الرجال السبعة الذين بلغ ذكرهم الآفاق، وحصل على فضلهم الاتفاق ؟

  • أبو العباس السبتي 542 ه 601ه

 أبو العباس السبتي اشهر الرجال السبعة الذين ذاع صيتهم، واشتهر ذكرهم،  قدم مدينة مراكش من شمال المغرب، وتحديدا من سبتة، فترة انتقال الحكم من المرابطين إلى الدولة الموحدية،  ومما اشتهر عنه أنه اعتكف بإحدى جبال مدينة مراكش  قرابة أربعين سنة،  ومذهبه في الزهد قائم على العطاء والجود، حيث ذكر عنه أنه كان يطوف بنفسه في الأسواق، ويحث الناس على الصدقة والانفاق في سبيل الله، حتى قيل عنه: عائل حاجة المعوزين والفقراء. وكان رحمه الله يولي علم الحساب عناية فائقة، وبدرسه طلبته، وبوظفه في وضع معادلات يجريها على الزكاة والصدقات التي كان يوزعها على الفقراء والمحتاجين.

  •  القاضي عياض ( 476ه 544ه

هو أحد أعلام الغرب الإسلامي، الذين امتدت شهرتهم إلى أهل المشرق، حتى قال عنه المؤرخ الذهبي- متعجبا من سطوع نجمه- لما اطلع على بعض تآليفه البديعة:

مشارق أنوار تبدت من سبتة….ومن عجب كون المشارق بالمغرب

ومما زاد هذا الإمام شهرة كتابه ا الموسوم بالشفا في تعريف بحقوق المصطفى الذي بلغ فيه في مراتب التأليف ما يبلغه غيره في بيان ما يجب على المسلم تجاه النبي صلى الله عليه وسلم من التوقير والتعظيم.

  • الامام السهيلي 408هـ 481هـ

        قضى هذا الامام المعدود في جملة السبعة رجال  جل حياته بالأندلس، ثم انتقل إلى مدينة فاس، قبل أن يشد الرحال إلى مدينة مراكش التي مكث به آخر حياته، وهو ممن أصيب بالعمى في صغره، إلا أن ذلك لم يحل دون  بلوغه اسنى مراتب العلم في  زمنه، ومنزلته في العلم لا تكاد تقل عن منزلة الامام القاضي عياض سالف الذكر،  وكتابه الروض الأنف في شرح السيرة النبوية  يعد اشهر كتبه، إذ هو بغية كل قاصد لشرح كتاب السيرة لابن هشام.

له قصيدة مشهورة في المناجاة مطلعها:

يا من يرى ما في الضمير وبسمع        أنت المعد لكل ما يتوقع

     و لا يزال الدفن إلى حد الآن قائما بالمقبرة التي دفن بها رحمه الله بمدينة مراكش، المسماة بمقبرة الامام السهيلي، وقبره بها معلوم لدى العامة والخاصة.

  • يوسف بن علي الصنهاجي ت 583هـ

    يعرف بالشيخ الصبور المبتلى، حيث أصيب بداء الجذام، وهو في مقتبل العمر، وتخلى عنه أهله خوفا من العدوى،  فصبر واحتسب أمره لله، واعتكف بمغارة ضواحي مراكش، بحي يسمى حي المجذومين.

كان يوصي الناس بالصبر، وطيب المعاملة، وكان ذائع الصيت، فصيح اللسان، إماما في الفقه والدين. يأتي في الترتيب الأول في زيارة السبعة الرجال، حسبما هو ذائع ومنتشر بين الناس.

  • محمد بن سليمان الجزولي (807ه 870ه)

     جمع هذا الامام بين الدعوة والتربية و الصدع بكلمة الحق في وجه ذوي السلطان، حيث كان يحملهم مسؤولية لتفريط في الثغور المغربية، ولم يكن  يكتفي بذلك  فحسب، بل كان يستنهض طلبته للجهاد لمقاومة أطماع البرتغال  وقتئذ في السيطرة على أجزاء من المغرب.

  له كتاب ذائع الصيت والانتشار، لا يخلو  منه بلد من بلاد المسلمين، جمع فيه صيغا كثيرة  في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، سماه بدلائل الخيرات، وشوارق الأنوار  في الصلاة على النبي المختار.

        توفي رحمه الله  بالشياظمة بمنطقة تدعى افوغال ،  ونقل جثمانه إلى مراكش بعد سبع وسبعين سنة بأمر من السلطان السعدي أحمد الأعرج، حيث دفن بها، وما يزال قبره إلى يومنا هذا قائما بالمدينة العتيقة  بمراكش بحي  يسمى رياض العروس.

  • عبد العزيز التباع ت 914 هـ

        أدرك  هذا السيخ الإمام محمد سليمان الجزولي وتتلمذ عليه،  وهو  الوحيد من بين الرجال السبعة  الذي نشأ بمراكش، وترعرع بها، يلقب بالحرار  لاحترافه صنعة الحرير ، كما يلقب بالتباع  لكثرة أتباعه، وقيل لاتباعه مذهب شيخه الإمام  الجزولي في التصوف. عرف  بقوة منطقه، وقدرته  الكبيرة على الإقناع، حيث كثر  أتباعه، وانتشرت آراءه في الفقه والتصوف. وهو دفين حي بالمدينة العتيقة بمرا كش، معروف بحي سيدي عبد العزيز.

  • عبد الله الغزواني ت 935هـ

     ولد محمد بن عبد الله الغزواني بمدينة القصر الكبير، ثم انتقل إلى مدينة مراكش، حيث سكن حيا كان يقطنه الاعيان والعلماء، المعروف بالمدينة العتيقة بمراكش بالقصور. حيث دفن رحمه الله.

         يعد أحد رواد الطريقة الشاذلية، اختص  رحمه الله بالتلمذة على يد الشيخ عبد العزيز التباع سالف الذكر، وعرف  عنه إلى جانب عنايته بالعلوم الشرعية، اشتغاله بالعلوم الزراعية، وأساليب الري، حيث ساهم في تقديم حلول لما كانت تعاني منه مدينة مراكش وقتئذ  من جفاف، وندرة مياه.

 اشهر مساجد مراكش العتيقة

         شهدت مدينة مراكش منذ تاريخ قديم بناء عدد كبير من المساجد التي  احتفظت بعض الكتب التاريخية بجملة من أخبارها، و أعرق هذه المساجد وأشهرها، مسجد ابن يوسف، ومسحد الكتبيين.

  • مسحد ابن يوسف

         يعد مسجد ابن يوسف احدى المنارات العلمية التي  شيدت زمن الدولة المرابطية، والتي احتضنت منذ نشأتها حلق العلم التي ارتشفت فيها الطلاب صنوف العلم والمعرفة، فتنورت بها عقولهم، واتسعت بها مداركهم،  كيف لا  يتحقق لهم ذلك، وقد كان  يدرس به فطاحل العلماء أمثال ابن رشد الجد، وابن زهر، ومالك بن وهيب.

     وقد أضحت مراكش بفضل هذا الجامع قبلة للطلاب والعلماء، ولم يقتصر التدريس  في هذا المسجد على العلوم الشرعية بل امتد إلى علم الرياضيات، والهندسة، والطب حتى تبرز عدد من الطلبة في هذه العلوم، وتمكنوا من الحصول على ملكة علمية أهلتهم للنظر في هذه العلوم، امثال ابن البناء العددي، وعبد الواحد المراكشي، وابن القاضي.

        وتذكر كتب التاريخ أن هذا المسجد لم يكن مقرا للعبادة والتدريس فحسب، بل كان أيضا فضاء للمناظرات العلمية، وموطنا لاستقبال الوفود، واتخاذ القرارات.

        وكانت الدراسة في هذا المسجد تجري وفق نظام محدد، حيث كانت تبتدئ حلق الدرس عقب صلاة الصبح، أو بعد شروق الشمس، أو دبر الصلوات

        وقد كانت إلى عهد قريب تباع الكتب الدينية بفناء احدى ابوابه المجاورة لمدرسة ابن يوسف.

    ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا المسجد شهد تجديدا خلال الدولة الموحدية، والدولة السعدية، والدولة العلوبة، وقد أصيبت صومعته وبعض جدرانه بتشققات خلال الزلزال الذي حدث بعدد من مناطق المغرب

  • مسجد الكتبية

        يعتبر مسجد الكتبية  من أكبر المساجد التي شيدت في تاريخ المغرب، وأشهر مساجد مدينة مراكش ، حيث يعود بناؤه إلى زمن الدولة الموحدية ، وترجع تسميته بمسجد الكتبية إلى السوق الذي كان بجواره، حيث كانت تباع به الكتب والمخطوطات القديمة، والذي أقدم الاستعمار الفرنسي على حرقه حسبما تذكره المصادر التاريخية.

      وكانت تقام بهذا المسحد بيعة السلاطين، وتتخذ بساحته القرارات المهمة، كما كانت تعقد بها الاتفاقيات،  كما هو الشأن بمسجد ابن يوسف.

    وتعتبر صومعته مسجد من التحف المعمارية التي شيدتها الدولة الموجدية، على شاكلة صومعة مسجد حسان وصومعة اشبيليا ،و لا تزال إلى حد الآن تمثل  هذه الصومعة رمزا تراثيا مهما لمراكش وأهلها،  حيث يمتد طولها إلى سبعين مترا، وتبلغ قاعدتها أكثر من سبعين مترا، أما داخلها  فصمم بطريقة فيها انحدار متصاعد دون درج، تمكن من بلوغ أعلى الصومع، وقد احدث  الزلزال آنف الذكر   أيضا تشققات ببعض جدران هذا المسجد، وصومعته التاريخية.

خاتمة

     إن الحديث عن أعلام مراكش ورجالها، ومفاخرها وآثارها المجيدة، لا يمكن أن نختصره في هذه الأسطر القليلة، فما هي إلا نزر يسير، وقليل من كثير مما تحفل به كتب التراث عامة، وكتب التاريخ والتراجم والاعلام خاصة عن هذه المدينة العريقة، والتي لا يزال كثير منها بحاجة إلى البحث والتنقيب من طرف الباحثين والدارسين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.