منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الكفالة المالية

الكفالة المالية / د.فاطمة اسويطط

0

الكفالة المالية

د.فاطمة اسويطط

الحمد لله المبتدئ بحمد نفسه سبحانه، قبل أن يحمده حامد، والحمد له سبحانه على تشريف هذه الأمة بالعلم، وجعل تعلمه من المهد إلى اللحد خشية، وطلبه في كل وقت وحين عبادة، ومذاكرته في الخلوة أو مع الغير ذكرا، والخروج في طلبه وابتغائه جهادا، وبذله في سبيل الله لمحو أمية الناس العلمية والفقهية قربة، وتدوينه لإغناء التراث الإسلامي صدقة جارية،  فجاء التشريع الإسلامي بنظام الكفالة المالية المتميز الذي أسس لبناء صرح حضارة أخوية اجتهادية تعوض النظم المالية التي كانت قائمة في المجتمعات القديمة، وتعتبر الكفالة أوضح صورة للتأمينات الشخصية التي تجعل للمدين مخرجا من ضائقته، وللدائن ضمانة لاسترجاع دينه وماله.

  • تعريف الكفالة:

الكفالة لغة: كفل، الكفل بالتحريك العجز… والجمع أكفال، ولا يشتق منه فعل ولا صفة: والكافل العائل … وكفل المال ضمنه[1]، وكفل الرجل صاحبه في دين او تجارة ضمنه، وذلك بأن يؤدي الدين أو عوض من التجارة إذا أفلس صاحبه او نكل عن الدفع او السداد[2]. يقال: ضمنت الشيء أضمنه ضمانا فانا ضامن وهو مضمون، وضمن الشيء: جزم بصلاحيته وخلوه مما يعيبه، والضامن: الكفيل او الملتزم أو الغارم[3].

جاء في حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ” تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهادا في سبيلي، وإيمانا بي، وتصديقا برسولي، فهو علي ضامن أن ادخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة” [4]. ومعنى ذلك أن الله تكفل به في كل أمور حياته، فإن مات أدخله الله الجنة، وإن سلم بارك له فيما في يده.

وقيل الكفالة مشتقة من الضم، قال تعالى:( وكفلها زكريا )[5] أي ضمها إلى نفسه ليعتني بها، وقيل هي مشتقة من التضمين، لان ذمة الضامن متضمنة للحق المتكفل به، وقال بعضهم: هي مشتقة من الضمن لأن ذمة الكافل داخلة ضمن ذمة المكفول.

الكفالة في اصطلاح الفقهاء: تناولها الفقهاء في مصنفاتهم بأسماء مختلفة، فتارة باسم الكفالة، وتارة باسم الضمان، وتارة أخرى باسم الحمالة… قال القاضي عبد الوهاب: ” ولها – أي الكفالة – عبارات هي الحمالة والكفالة والضمان والزعامة وكل ذلك بمعنى واحد “[6] . وعرفها الشيخ الدردير بقوله: ” شغل ذمة أخرى بالحق “[7] وهو تعريف مختصر تناقلته الكتب الفقهية، ومعنى ذلك: ” أن يشغل صاحب الحق ذمة الضامن مع ذمة المضمون سواء كان شغل الذمة متوقفا على شيء او لم يكن متوقفا “[8].ومما أثله أيضا فقهاء المذاهب الفقهية حول مفهوم وتعريف الكفالة، يظهر أن الكفالة بشكل عام لا ينتقل بموجبها الدين من ذمة المكفول عنه إلى ذمة الكفيل، وإنما تشغل الذمتين معا، ولا تفرغان إلا بالأداء من أحدهما، وبهذا تتعدد الذمم أمام المدينين.  ومما سبق ذكره، يكون تعريف الكفالة هو: ضم ذمة الكفيل إلى ذمة المكفول عنه في التزام حق ثابت في ذمة الأصيل سواء كان حالا أو مؤجلا.

 والكفالة المالية إذن هي التزام الكفيل بأداء مبلغ مالي واجب على المكفول عنه، إذا عجز عن الوفاء به  تجاه المكفول له، حيث يتعهد الكفيل بأن يؤدي الدين نيابة عن المكفول عنه إذا لم يفِ به في وقته، وطالبه المكفول له به.

حجية عقد الكفالة:

فإن الشريعة الإسلامية الغراء قد تكفلت بحفظ الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات، فكل ما أدى إلى حفظ واحد منها فهو من مقاصد الشريعة المطهرة، ولما كان الناس محتاجين إلى التعامل بالضمان والكفالة أقر الإسلام مشروعيتها ، ومن باب التعاون الذي يأمر به الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾[9]  وتماشيا مع روح الشريعة الإسلامية التي بنت أحكامها على ضمان حقوق العباد خاصة في مجال المعاملات، فقد شرعت الكفالة لتحقيق التآخي المنشود بين أفراد الأمة، يقول صلى الله عليه وسلم: ” مثل المومنين في توادهم وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”[10]. وهي مشروعة بالكتاب والسنه والإجماع:

_ فى الكتاب: يقول الله تعالى: ﴿أو لمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم ﴾[11] ذهب المفسرون إلى أن الزعيم هو الكفيل، قال القرطبي في تفسير الآية: “بجواز الكفالة على الرجل، لأن المؤذن الضامن”[12]، وقال ابن عطية: ” الزعيم الضامن الذي يضمن حوائج الناس”[13]

_ في السنة النبوية الشريفة: نجد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الزعيم غارم) [14] وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتى برجل ليصلى عليه. فقال: هل عليه دين؟ قالوا: نعم ديناران قال: هل ترك لهما وفاء؟ قالوا: لا، فتأخر فقيل: لم لا تصلى عليه؟ قال: ما تنفعه صلاتى وذمته مرهونة؟ إلا إن قام أحدكم فضمنه، فقام أبو قتادة فقال: هما على يا رسول الله، فصلى عليه النبى صلى الله عليه وسلم[15] .

_ في الإجماع: فقد أجمع علماء الأمة على جوازها، ولا يزال المسلمون يكفل بعضهم بعضا من عصر النبوة إلى وقتنا هذا دون نكير من أحد من العلماء.

تكييف عقد الكفالة:

عقد الكفالة عقد رضائي ينعقد بمجرد التراضي ما بين الكفيل والدائن، فلا يحتاج إلى الكتابة والتوثيق، يقول صاحب شرح القدير: ” وتنعقد إذا قال تكفلت… “[16]، إذن فالفقهاء لم يشترطوا شيئا لجواز الكفالة سوى رضى الكفيل أولا، ثم قبول الدائن صاحب الحق، جاء في المجموع: ” يصح الضمان من غير رضى المضمون، لأن علي وأبا قتادة رضي الله عنهما، ضمنا عن ميت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم.”[17].

فعقد الكفالة عقد ملزم لطرف واحد، هو الكفيل الذي يصبح ملزما بأداء الدين الذي شغل ذمته ذا لم يف المكفول عنه بواجبه، كما أن الكفيل لا يجوز له فسخ هذا العقد دون رضى المكفول له، لأن هذا الأخير هو صاحب الحق المضمون.

أركان الكفالة المالية:

للكفالة خمسة أركان: الكفيل، والمكفول له، والمكفول عنه، والمكفول به، والصيغة.

أ – الكفيل: شخص يتعهد بالوفاء بدين لشخص آخر هو المكفول عنه إذا عجز هذا الأخير عن الوفاء به، ويشترط فيه أن يكون كامل الأهلية، قادرا على الوفاء بالدين الذي تكفل به، وأن تكون له نية صريحة في الوفاء بالأداء. لذلك لا تصح من الصبى والعبد المحجور علّيه، وكذا لا تصح كفالة المكاتب”[18] .

ب – المكفول له: وهو صاحب الدين، واختلف الفقهاء فى رضاه وقبوله الكفالة، غير أن بالرجوع إلى حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حيث أقرّ كفالة أبى قتادة دون رضا المضمون له.

ج – المكفول عنه: وهو المدين أو الأصيل الذي ترتب الدين في ذمته، ويشترط فيه أن يكون معلوما للكفيل، حاضرا وقت الكفالة.
د _ المكفول به:
وهو مبلغ الدين الذي في ذمة الأصيل، ويشرط فيه أن يكون معلوما ومحددا وثابتا في ذمة المدين.

ه _ الصيغة: تتنوع صيغ الكفالة بحسب لفظ الكفيل، ويشترط فيها أن تكون بصغية تدل على الالتزام والتحمل، فإذا قال: أنا حميل، أو أنا زعيم، أو أنا قبيل وأطلق في ذلك، ولم يقيد بمال ولا بوجه لا لفظا ولا نية، فإنه يحمل على أنه ضامن للمال.

الخاتمة: الكفالة المالية:

الكفالة المالية عقد شرعي رضائي، وهي قربة لله تعالى وتفريجاً لكرب المسلمين، وتدخل ضمن باب المعاملات المالية الشرعية، التي تتوخى التعاون على البر والتقوى،  وما أحوج المسلمين اليوم لإعادة إحياء مثل هذه المعاملات  المالية الودية التي تخفف الضغوطات المادية عن المعسرين.


[1] –  لسان العرب، ابن منظور، مادة كفل دار الجيل بيروت. 5/278

[2] – الهادي إلى لغة العرب، حسن سعيد الكرمي، دار لبنان للطباعة والنشر بيروت الطبعة الأولى، 9/49

[3] – المعجم الوسيط، لمجموعة من المؤلفين، مطابع دار المعارف بمصر، الطبعة الثانية ،1/ 546

[4] – اخرجه الإمام مسلم في كتاب الإمارة عن أبي هريرة 3 / 1945.

[5] – آل عمران: 37.

[6] – المعونة على مذهب عالم المدينة: القاضي عبد الوهاب البغدادي، طبعة 1995 دار الفكر بيروت، تحقيق ودراسة عبد الحق حميش، 2/ 1230.- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد القرطبي الجد، المكتب الثقافي السعودي، 2/298.

[7]  – الشرح الكبير، أحمد الدردير 3/ 327.

[8]  – الفقه في المذاهب الأربعة، قسم المعاملات، عبد الرحمان الجزيري، 3/ 223.

[9]  – المائدة،3

[10]  – صحيح مسلم، باب تراحم المومنين وتعاطفهم، 4/1999.

[11]  – يوسف، 72.

[12]  – تفسير القرطبي 9/233.

[13]  – المحرر الوجيز ، ابنعطية، 3/264.

[14]  – سنن الترمذي، باب: ما جاء في الصلاة على المديون، 3/373.

[15]  –

[16]  – شرح فتح القدير: 6 / 286..

[17]  – المحجوع: 14/13.

[18]  –  تحفة الفقهاء لعلاء الدين السمرقندى، طبعة اولى 3/ 397 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.