رحمة نبوية أبوية
بقلم: ذة. رجاء الرحيوي
لم يكن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم إلا رحمة مهداة للعالمين، هدية ليست كغيرها من الهدايا تتغلغل في قلب كل متحرك وساكن فتحييه وتأخذ بشغافه، لما يسري ذلك النور النبوي بين جنبي الخلائق. نور لا تخالطه شوائب تكدر صفو الصفاء والضياء السني. تستوقفنا آيات من الذكر الحكيم تكشف عن المعدن النبوي الأصيل في الآية السادسة من سورة الكهف يقول تعالى: ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ) باخع نفسك: أي قاتلها ومهلكها حزنا على قومك لأنهم لم يؤمنوا بالله تعالى.
أي حزن وأي أسف يحمله الرسول صلى الله عليه وسلم على قومه خوفا عليهم من عقاب الله تعالى جزاء كفرهم وجحودهم؟ ألم تكن حدود رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تقتضي التبليغ وكفى؟ فلماذا حمل الرسالة وأثقل القلب الرحيم بشدة الحرص على البشرية وتعنتهم وتحمل أذاهم؟
إنه السلوك النبوي الأبوي، من لا تغمض له عين، ولا يرتاح له جنب، ولا يهنأ له قلب إلا لاحتضان كل شارد ضال والأخذ بكل تائه في الحياة من ظلمة الضلال وعتمة وأوحال المعاصي. لم يكتف سيدنا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم بتبليغ رسالة جافة من كل المعاني، بل كانت تقطر إنسانية ورحمة على القريب والبعيد، على صاحب الخلق وعلى الفض الغليظ، رحمة تسع الجميع جعلت القلوب تهفو إليه في الدنيا تبغي الخلاص وتزكية النفس من كدراتها، وتبغي الشفاعة في الآخرة والقرب والوصال من سيد الأنام حين تنقطع السبل وتخف الأعمال في الميزان ويقف الخلق أمام الديان فلا يؤذن لنبي ولا رسول غير الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يسأل الله تعالى عفوه ومغفرته لأمته، تهمم بحال العباد في الدنيا والآخرة ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ( 34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ(35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) ) سورة عبس .
هذا حال من كان ولا زال وسيبقى رحمة للعالمين، فكيف يلام من أخذه وجده وهيامه بنبي الأمة فصار يلهج بذكره حبا وشوقا إلى الحضن الشريف بعدما رأى من زماننا جفاء وقسوة حالت دون استحضار خلق التأسي بمن هو دواء وشفاء، ولباب الله مفتاح القرب والرجاء.