*مدونة الأسرة وكرامة الرجل*
بقلم: أبو الحسن ابن الطيب
مما جاء على لسان وزير “العدل” في اللقاء التواصلي لعرض المضامين الرئيسة لمراجعة مدونة الأسرة أن من مقاصد هذه المراجعة “الحفاظ على كرامة الرجل”.
والحق يقال فإن المدونة الحالية حافظت على كرامة الرجل والمدونة المقبلة ستكون أكثر حفظا لهذه “الكرامة” ويتجلى هذا الحفظ فيما يلي:
1- الأصل في سائر المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية أن يكون على رأس كل مؤسسة قائد يكون بيده قرار التسيير والتدبير تجنبا للتضارب والفوضى فكل مؤسسة لها رأسان مآلها الفساد والكون لو كان فيه آلهة أخرى إلا الله لآل للخراب والدمار قال تعالى: ” لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ “.
إلا أن المشرع في المدونة رأى أن تكون مؤسسة الأسرة مخالفة لهذا القانون الطبيعي المتفق عليه بين البشرية جمعاء فجعل القيام على الأسرة مشتركا بين الرجل والمرأة على قدم المساواة أي أن المرأة أصبحت تتعامل مع الرجل بندية لا يقبلها الشرع الحكيم ولا الطبع السليم ولا النفوس الأبية فقد جعل الله تعالى القوامة للرجال على النساء في قوله تعالى: “ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ “، وأعطى للرجال الحق في تأديب النساء وأوجب عليهن طاعتهم في قوله تعالى: “وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا “، بل أوجب على الرجال العمل على صيانة تدين النساء وعدم إهمال مستقبلهن الأخروي في قوله تعالى: “يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ “.
وقد جعل النبي ﷺ حق الزوج على زوجته عظيما يرقى لاستحقاقه سجودها له لولا أن السجود خاص بالله جل وعلا فعن أنس بن مالك أن “النَّبيُّ ﷺ دخل حائِطًا للأنصارِ ومعه أبو بَكرٍ وعُمَرُ ورِجالٌ مِنَ الأنصارِ، قال: وفي الحائِطِ غَنَمٌ فسجَدَت له، قال أبو بَكرٍ: يا رَسولَ اللهِ إنّا نحن أحَقُّ بالسُّجودِ لك من هذه الغَنَمِ! فقال: إنَّه لا ينبغي أن يَسجُدَ أحَدٌ لأحَدٍ، ولو كان ينبغي أن يَسجُدَ أحَدٌ لأحَدٍ لأَمَرْتُ المرأةَ أن تَسجُدَ لِزَوْجِها “، وعن أبي سعيد الخدري أن النبي حقُّ الزَّوجِ على زوجتِهِ لَو كانَت بهِ قُرحةٌ فلحَسَتها أو أنتنَ مِنخراهُ صديدًا أو دمًا ثمَّ ابتلعَتهُ ما أدَّت حقَّهُ “، وروي أنَّهُ ﷺ قالَ لِمُزَوَّجةٍ: “فأينَ أنتِ منْهُ؟ قالت: ما آلوهُ قالَ: فَكيفَ أنتِ لَهُ فإنَّهُ جنَّتُكِ ونارُكِ “
2- جعل المشرع في المدونة الزواج مشروطا بالحصول على إذن القاضي وهذا أيضا من مآسي دعوى المساواة بين الرجل والمرأة فقد كان هناك صراع بين من يريد إلغاء الولي في حق المرأة باعتباره أمرا متجاوزا ومخلا بمبدأ المساواة ومهينا للمرأة العصرية وبين من يرى أن إلغاء الولي يؤدي إلى بطلان العقد فكان الحل بإلغاء الولي الشرعي من أهل المرأة وتعويضه بشرط تحصيل الإذن القضائي وهكذا تساوت المرأة مع الرجل في حصولهما معا على ولاية القاضي ولكن ما غفل عنه الناس وربما غفل عنه حتى المشرع هو أن اشتراط الأذن القضائي في زواج الرجل هو سلب للرشد عنه وكأنه كان راشدا فلما فكر في الزواج صار سفيها واحتاج إلى إذن وليه بدليل أن القاضي وصي على غيره ما لم يفكر في الزواج فإذا فكر فيه صار سفيها واحتاج إلى إذن من قاض آخر فهل يليق هذا التشريع بكرامة الرجل؟
3- جعل الشارع الطلاق كلمة ينطقها الرجل فينهي بذلك العلاقة بينه بين زوجته السابقة والطلاق في الفقه أيسر من الزواج إذ الطلاق يتم بكلمة من الرجل بينما الزواج “لا يحلُّ إلا بوليٍّ وصداقٍ وشاهدَي عدلٍ “، وقد كان المغاربة يسألون هل تعرف كيف تلتقي بالناس فإن كان الجواب نعم يسألون هل تعرف كيف تفارق من التقيت به؟ فإذا كان الجواب لا قيل أنت لا تعرف كيف تلتقي بالناس فتعذر الفراق أو تعسره يجعل اللقاء يكاد يكون مستحيلا، وهذا هو واقعنا فتعقيد إجراءات الطلاق بعكس ما قرره الشارع أدى إلى العزوف عن الزواج والأمر سيزداد سوء كلما ازداد تغول فئة لا هم لها إلا تحقيق مكاسب لجهة على حساب جهة أخرى، إن السعي إلى تعقيد إجراءات الطلاق بقصد تقليله هو فهم معكوس صادر عن عقل منكوس فالذي لا يضمن الخروج في أمر ما فإنه يتردد كثيرا قبل الدخول فيه وقد لا يدخل أبدا، إن تعقيد إجراءات الطلاق وتحميل الرجل مبالغ مالية فوق طاقته في المتعة والسكنى والنفقة ولاحقا ربما قسمة الأموال عند الطلاق دعوة صريحة إلى أن سبيل الزواج الموثق غير آمن فابحث لنفسك عن طرق أخرى.
4- النفقة أوجبها الشارع على الزوج لزوجته والأب لأبنائه والابن لولديه…الخ وفق ضوابط منصوص عليها في كتب الفقه قال تعالى: ” لِيُنفِقۡ ذُو سَعَةٖ مِّن سَعَتِهِۦۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيۡهِ رِزۡقُهُۥ فَلۡيُنفِقۡ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ سَيَجۡعَلُ ٱللَّهُ بَعۡدَ عُسۡرٖ يُسۡرٗا “ ولكن النفقة تكون وفق أولويات محددة فيبدأ المرء بحاجاته الشخصية فإن فضل عنه شيء فللزوجة فإن فضل شيء فللولد وهكذا، فعن أبي هريرة “أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال يومًا لأصحابِه تصدَّقوا فقال رجلٌ يا رسولَ اللهِ ! عندي دينارٌ قال أنفِقْه على نفسِك قال إنَّ عندي آخرَ قال أنفِقْه على زوجتِك قال إنَّ عندي آخرَ قال أنفِقْه على ولدِك قال إنَّ عندي آخرَ قال أنفِقْه على خادمِك قال عندي آخرُ قال أنت أبصَرُ به “.
لكن ما يجري اليوم داخل القضاء المغربي ووفق التشريعات الجاري بها العمل هو أن المرء يطالب بنفقة الزوجة والولد تحت طائلة التهديد بالسجن والغرامة في حالة الامتناع وهناك حالات كثيرة لا يبقى فيها للرجل من أجرته بعد أحكام النفقة ما يسد رمقه بله أن يفكر في الزواج وبناء أسرة مستقرة من جديد وهذا يتعارض مع أحكام الشرع التي منعت من القصاص من الأب إذا قتل ابنه لقوله عليه السلام: ” لا يُقتَلُ الوالِدُ بولدِه “، وهو مذهب الجمهور فكيف يسجن الوالد بولده بل كيف يسجن الزوج على نفقة زوجته، هذا هو التكريم الجلي للرجل عندما يخيره القانون بين السجن والتشرد، ومثل هذا كثير في الحضانة والولاية وغيرها.
لا شك أن على المرأة واجبات مسكوت عنها في النص القانوني والإطار النسوي النضالي كما أن لها حقوقا ولكن ليست كلها في ذمة الرجل فالرجل يعطي للمرأة بقدر طاقته حسب ما فرضه الله عليه فإن عجز فحقوق المرأة عند الدولة والمجتمع فلماذا لا نسمع للنسويات ركزا عندما تضيع حقوق المرأة بقوانين أخرى موغلة في الجور؟
ولماذا تفرق النسويات بين امرأة وامرأة فالأم امرأة والزوج امرأة والبنت امرأة والأخت امرأة ولكل واحدة منهن حقوق وواجبات.
إن المدونة ولدت عرجاء تمشي على رجل واحدة عندما توجب كل شيء على الزوج دون أن توجب له شيئا وبالتالي فإن الأسرة لن تستقر إلا في قعر بئر عميق من التفكك والشنآن والعزوف وتحول المودة والرحمة إلى مكر وتربص متبادل بين بني الإنسان.