الإيمان و أثره في تحرير الإنسان
بقلم : عبدالإله الزربة
بسم الله والحمد لله و الصلاة و السلام التامان الدائمان على رسول الهدى و إمام التقى المبعوث رحمة للعالمين و على آله وصحبه و تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
بهذه التدوينة التي لخصت فيها تلك العلاقة الثلاثية بين الإيمان و العقل و الفكر و الوجدان و التي عبرت فيها بأن: ” الوسيلة الكبرى لتحرير الإنسان في الفكر الإسلامي هو [ الإيمان ] على اعتبار أنه يحرر العقل و الوجدان و الضمير الإنساني” كان لابد من توضيح أكثر، إذ الاكتناز يحتاج إلى بسط و بيان، حتى يحصل مقصد الإفهام.
مسألة منهجية
لعل من الأجدر لبيان المقصود أن نبدأ أولا بتعريف الإيمان الذي ننطلق منه و نبني عليه ما بعده، ذلك أن تحديد المفهوم يعتبر أمرا غاية في الأهمية، لأنه ضرورة منهجية و خطوة علمية عملية، و كما يقال المفاهيم مفاتيح العلوم و نور للفهوم و بها يكون الحديث مجديا مع الخصوم، فإذا أحكمت صياغتها ابتداء كانت النتائج علمية في النهاية، مرضية لكل الأطراف.
و المفاهيم ليست من الجمادات كما يظن البعض ممن حرم حاسة الذوق العلمية، و ظن أن الحروف لا تنفعل، متجاهلا بقصد أو بغير قصد ما وهبت من حياة؛ و الأمر لا يقتصر على هذا الذي قلناه فقط، و إنما يتعداه إلى أكثر من ذلك بكثير، فهي – المفاهيم- قوالب للمعاني و الدلالات و تحمل بين حروفها الحياة، و هي الفلسفة لكل أمة من الأمم فهي قلبها النابض و لسانها الناطق و جوارحها التي تصنع بها حركة التحضر والرقي فلا تظن أن الأمر سهل هين.
من هذا المنطلق و بهذا الفهم نقول إن الإيمان- و لن نجد أفضل مما عرفه به المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل – حيث يقول : الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره.
و انطلاقا من استقراء معاني الوحي و فهم كلام الصادق المصدوق عرف علماؤنا هذا المصطلح فقالوا : هو التصديق القلبي اليقيني بالله و ملائكته و كتبه ورسله و اليوم الآخر و بالقدر خيره و شره.
أو قل هو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح و الأركان.
أو كما عرفه الدكتور عبدالمجيد النجار بقوله “ما وقر في القلب من تصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من حقائق الوحي مضافا إليه العمل السلوكي بمقتضيات ذلك التصديق من أفعال الجوارح، فإذا ما اختل هذا أو ذاك بالجحود انهدم الإيمان، و إذا ما اختل العمل السلوكي بالتقاعس أو الاستهتار انحدر الإيمان في سلم القيمة إلى تخوم تلامس الانهدام.
وهذه التعاريف لمن تأملها و تدبرها يجدها ترتبط ارتباط وثيقا بما قلناه؛ و إن اختلفت الصياغة و الأبعاد التحليلية، فذلك يعود لارتباط التعريف بالموضوع ، إذن نستطيع أن نقول بأن الإيمان يحرر العقلَ و الوجدان و الضمير الإنساني، و بيان ذلك نبسطه في مايلي :
تحرير الإيمان للعقل
مما لا شك فيه أن للعقل مكانة عالية، و منزلة رفيعة سامية، بوأها له ديننا الحنيف و جعله مناط التكليف، و الذم له كان من جهة الزيغ و التحريف، أما أصحاب العقول النقية المؤطرة بإطار الشرع؛ فقد و صفهم بأوصاف لن تجد في غير دين الله من وصفه بها، ولم يكتف بهذه الأوصاف بل حرم عليه كل ما قد يضر به أو يعطله من جهة الشريعة ، و حث على إعماله تفكرا و تدبرا حتى يستجلي بعقله ما غمض و خفى من أسرار الطبيعة، و بهذا جعله محللا مستنبطا متمهرا مبدعا، لا يقبل بالمسلمات إلا إذا كانت وفق المنهج العقلي المؤطر بالضوابط الشرعية، فسار بذلك عقلا ممحصا للمعرفة يقبل صحيحها و يرفض سقيمها و ضعيفها، و يطرد هذا على النقليات التي استوفت شروط النقل الصحيح، و هذا مما أبدع فيه علماؤنا و انفرد به فكرنا حتى أصبحنا القادة فيه، و منطلقه و غايته إيماني لا شك فيه ، و هاك نصا واحدا ولك أن تتبع نصوص الوحي تجد ذلك واضحا بينا، يقول ربنا عز وجل:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات الأية6 ].
و الإضافة إلى ما ذكرناه قبلُ، نجد تلك العلاقة بين الإيمان و العقل من خلال إجابة الإيمان على تلك الأسئلة الكبرى التي تحار فيها العقول و تشرد بها بعيدة سابحة في بحر الظلمات، و لولا الإيمان الذي يجعل لها بوصلة واضحة تحملها و تحمل الإنسان في قراب النجاة لضّل تائها طوال عمره و هذه الأسئلة الوجودية هي:
*مما خلقنا؟
*و ما غايتنا؟
*و ما هو مصيرنا؟
*و الإيمان أجاب عنها بنصوص واضحة يثق العقل فيها غاية الوثوق، و يطمئن لها القلب غاية الاطمئنان
وبهذا تبين لنا أن الإيمان فعلا حرر العقل و فك عنه تلك القيود و جعله حرا يسبح في ملكوت الله سبحانه وتعالى.
تحرير الإيمان للوجدان
لعل من أسمى غايات الإنسان في هذه الحياة أن يجد لذة العيش و الرضا و الاستقرار النفسي و السعادة و الطمأنينة و البعد عن كل ما قد يجعله مضطربا وهذا ما يجعله يبحث جاهدا عن كل ما يحقق القرب من السعادة، و نحن لا نقول بالسعادة المثالية فهذا شيئ لا يتحقق في هذه الحياة الفانية أبدا، و إنما تبقى السعادة التي نسعى إليها تلك السعادة النسبية الممزوجة ببعض الإكرهات الطبيعية التي هي من ضمن تلك السعادة الموصلة إلى الفوز الأبدي الخالد و نيل الجائزة في جنة الفردوس إن شاء الله .
و هذا الذي ذكرناه مبعثه شيء أكثر من مجرد الماديات التي تبقى لذتها لحظية آنية، و إنما موطنها و منبعها الإيمان بما هو إيمان محقق للتوازن الروحي الوجداني الذي يعالج الأمراض النفسية و يهدئ من روعها، و يجعل الإنسان يعيش بهدف في هذه الحياة، فيستطيع من خلاله أن يعرف ما بينه و بين خالقه و ما بينه و ما بين ذاته و ما بينه و بين غيره، فهذه المعرفة هي التي تعطي للوجدان الدواء و للجوارح الشفاء .
يقول تعالى: ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ [النمل: 60]
قال تعالى: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14] .
تحرير الإيمان للضمير الإنساني
قد يستغرب البعض إذا ما قلنا إن الإيمان يجعل الضمير الإنساني محررا من الكل القيود التي تكبل حركة الإنسان في آفاق الكون الواسع و تدفعه دفعا نحو الخير و العطاء، لكن هذا الاستغراب سرعان ما يزول و ينمحي عند أول وهلة، وخصوصا إذا ما مثلنا له بأمثلة حية و انتقلنا به من الجانب التنظري إلى الجانب التمثيلي و التنزيلي.
لقد استطاع الإنسان المؤمن أن ينطلق بفكره و روحه في شتى المجالات مبدعا أيما إبداع، سواء على المستوى الفكري أو غيره، فرأينا التشجيع على التفكير السوي الذي انتقل بالإنسان من الجاهلية المحطمة إلى التحضر الباني للحضارة النافعة للإنسانية جمعاء، و رأيناه يشيد العمران و يبدع فيه زخرفة و تفننا ليس لشيء و إنما استجابة للدفاع الإنساني العميق في النفس البشرية، و نقول بكل اطمئنان أن ذلك مرده إلى إظهار أثر قدرة الله الخالق جل شأنه، الذي خلق الإنسان وأودع فيه الضمير الحي ووجهه بالإيمان الصافي وأودع فيه القدرة على العطاء و الإبداع، فكان من هذا الإنسان إلا أن يوجه كل ذلك توجيها صحيحا فيسعد في الدنيا و الآخرة.
و بهذا الذي ذكرنا نستطيع أن نقول بأننا قد أجبنا عن تلك العلاقة بين الإيمان و العقل و بينه وبين الوجدان و الضمير و أن الإيمان بالله كان بحق أفضل السبل و أقواها في تحرير الإنسان و جعله أكثر فاعلية فهو بهذا ينشط العقل و يوجهه و يضبط النفس و يعدلها و يوجه السلوك نحو الأقوم.
و الحمد لله الذي أتم علينا نعمته و هدانا إلى صراطه المستقيم.