الأخلاق في الحضارة الإسلامية: الرؤى و المبادئ و الخصائص
بقلم: حسن الإلياسي
لعل¹ الأخلاق _ وهي بنية سلوكية اجتماعية في طبيعتها _ تكون في طليعة مكونات المفهوم الحضاري المُحيل على جملة من النتاجات البشرية على الصعيدين المادي والمعنوي.. ولقد كانت الأخلاق من أوائل اللبنات التي انبنت عليها حضارة المسلمين طيلة أربعة عشر قرنا من الزمان برؤى و مبادئ و خصائص عدة.
المحور الأول: المفاهيم
1 – الأخلاق في اللغة والاصطلاح:
أ – الأخلاق في اللغة: ج.خُلُقٍ، ومعناها السجايا والطبائع على صيغة فعائل، فإذا قيل لامرئ: هذا خُلُقُك، فالمقصود: هاته طَبِيعَتُك و سَجِيَّتُك. قال الشاعر الكبير أحمد شوقي:
إِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلَاقُ مَا بَقِيَتْ.. فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْ ذَهَبُوا
ب – الأخلاق في الاصطلاح: مجموع القيم التي يتصف بها الإنسان، سواء أكانت من المحاسن أم المساوئ. ويعرفها الفيلسوف الألماني«إيمانويل كانط» (I.kant)، 1804 – 1724م، بأنها الواجب الإلزامي النابع من العقل، و القائم على فعل الخير وعدم اعتبار الذات أو الآخر وسيلة لتحقيق منافع شخصية. في حين يفرِّعها الألماني «فريدريك نيتشه» (F.Nietzsche)، 1900 – 1844م، إلى مجموعتين متناقضتين تنتميان لفئتين متناقضتين _ هما الأخريين _ وهما أخلاق القوة للأقوياء من قبيل الظلم و الاستعلاء، و أخلاق الضعف للعبيد مثل الرحمة والعدالة².
2 – الحضارة في اللغة و الاصطلاح:
أ – الحضارة لغة، من فعل حَضَرَ، يَحْضُرُ حُضُورا و حَضْرَةّ و حَضَارَةً، و من الحَاضِرَةِ وهي المدينة خلاف البادية. ومن الحضور نقيض الغياب. و الحضارة _ كما ذكرها مجد الدين الفيروز آبادي (ت817ه) في قاموسه _:«الحَضَارَةُ الإقامة في الحَضَر³».
ب – الحضارة اصطلاحا: هي نِتاج بشري شمولي، ينبني على ما هو معنوي و ما هو مادي، إذ يضم مجالات العمران و السياسة و الاقتصاد و القيم و الأخلاق و المعارف المختلفة… و لقد شهِد التاريخ البشري نشأة كثير من الحضارة بينها: الحضارة البابلية ببلاد العراق، و العتيرية بالشمال الإفريقي، و اليونانية التي كان مركزها الأساس المدينة التاريخية «أثينا»، و الإسلامية بإفريقيا وآسيا و أوروبا، و الغربية المادية القائمة حاليا… بالنسبة للمفكر الجزائري الكبير «مالك بن نبي» (1905 – 1973م) فيرى أن الحضارة Civilisation:«مجموع الشروط الأخلاقية و المادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدم لكل فرد من أفراده، في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه. فالمدرسة و المعمل و المستشفى و نظام شبكة المواصلات و الأمن، في جميع صوره عبر سائر تراب القطر، و احترام شخصية الفرد، تمثل جميعها أشكالا مختلفة للمساعدة التي يقدر المجتمع على تقديمها للفرد الذي ينتمي إليه⁴».
المحور الثاني: الأخلاق في الفلسفة الإسلامية (نماذج)
1 – الأخلاق عند الفارابي
الأخلاق عند الفيلسوف الإسلامي التركستاني⁵ أبي نصر الفارابي (ت339ه) هي اجتماع لأربع فضائل (كما يسميها) يتحقق به التكامل بينها مما يؤدي إلى امتلاك سعادة مزدوِجة: دنيا في الحياة الأولى، و قصوى في الحياة الآخرة. و هاته الفضائل الأربع هي العلم، أي المعرفة بالموجودات، و الحكمة، بمعنى إصابة الاختيار، ثم الإحسان، و المقصود به فعل ما يعود بالخير على النفس و الناس، و العمل أي تطبيق الأخلاق النظرية على أرض الواقع.
2 – الأخلاق عند ابن رشد
تتحدد أطروحة ابن رشد (ت595ه) بشأن الأخلاق في ثلاث نِقاط نذكرها فيما يأتي:
– الأخلاق فضائل بينها أربع رئيسة (الحكمة و العفة و العدالة و الشجاعة). من بين هذه الأربع المذكورة اثنتان متلازمتان في الدولة وهما العفة و العدالة. فالدولة تترفع عن العنف و التسلط من جهة أولى و هنا عفتها، و تعمل على خدمة الجماعة و فرض الالتزامات من جهة ثانية و في هذا عدالتها بين الناس.
– الفضيلة تحقق السعادة، و في هذا يتفق ابن رشد مع الفارابي.
– الأسرة (المرأة خصوصا) نواة الفضيلة بما أنها تحمل على عاتقها مهمة التنشئة القيمية للأفراد.
3 – الأخلاق عند الرازي
تقوم الأخلاق عند أبي بكر بن زكريا الرازي (ت311ه) على قاعدة «الإتيقا» أي فصلها عن الديانة. و بما أن الأخيرة مستبعدة وفق الأطروحة (الدهرانية) فالعقل البشري يبقى المشرِّع للأخلاق و المنبع الوحيد لها. وهنا التقاطع بين الرازي و الفكر الأخلاقي الكانطي. إن مسعى هذا النهج في ممارسة الأخلاق، بعامة، هو تحصيل الحياة الطيبة أو السعادة الدنيوية بتعبير آخر.
المحور الثالث: الأخلاق في الحضارة الإسلامية: مبادؤها و خصائصها
1 – المبادئ
- أ – المرجعية الشرعية:
أقصد بهذا الأساس أن السلوك الأخلاقي منصوص عليه شرعا. وبذلك فالعقل البشري (كمشرِّع أخلاقي) مستبعد.. وتأكيدا لما أسلفناه، نورِد عددا من الأمثلة المستخرَجَة من الخِطاب القرآني. قال تعالى:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَاتَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾(سورة المائدة، من الآية 2) كما قال عزَّ وجلَّ:﴿وَأَوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ (سورة الإسراء، من الآية 34) وقال أيضا جلَّ في عُلاه:﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾(سورة النساء، من الآية 58).
ب – الإيمان:
و هو ملازم لتبني أخلاق الإسلام، و ركيزة رئيسة لممارستها فمن غير المنطقي أن يكون تطبيق هاته الأخلاق سابقا على الاقتناع بالمعتقد و الإيمان به.
إن ترسيخ الإسلام لأخلاقه في النفس العربية، على سبيل المثال، لم يكن عملية مستقلة عن الإصلاح العقائدي بل متعلقة بها تمام التعلق. لذا، كان التبني الصادق للعقيدة التوحيدية شرطا لا مناص منه للخروج من رذائل الجاهلية (وهي انحرافات اجتماعية)⁶ إلى فضائل الدين الجديد..
2 – الخصائص
أ – السمو:
– شرَّع الإسلام نظاما أخلاقيا متكاملا رفيعا ساميا بالجملة. قال النبيﷺ:«إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ».
ب – الاستقرار:
– وذلك بفعل تجاوز الأعراق و الرؤى والأفكار والأزمنة و الأمكنة.
ج – الكونية⁸:
– الاتساع لكل أفراد العالم مع تبايناتهم العِرقية والثقافية و الإيديولوجية.
د – الاستمرارية:
– الديمومة رغم تغيُّر الزمان والمكان…
ذ – الخيرية:
– تحقق الخير و المنفعة للنفس وللآخر و للوسط الخارجي…
¹ ‐ هنا بمعنى الترجيح.
² ‐ يفيد هذا التفريع أن الأخلاق عند «نيتشه» هي نتيجة نظام قائم(ثنائية السيادة والعبودية) وليست نظاما بحد ذاتها.
³ – القاموس المحيط، مجد الدين الفيروز آبادي، ص 793، دار الفكر – بيروت.
⁴ – في الحركة التاريخية و تفسير التطور الحضاري عند مالك بن نبي، د. الأخضر شريط، ص 132، منشورات عالم المعرفة.
⁵ – نسبة إلى منطقة تركستان (كازاخستان حاليا).
⁶ – قال سيد قطب رحمه الله تعالى في ذلك:«كان التظالم فاشيا في المجتمع، تعبر عنه حكمة الشاعر زهير بن أبي سُلمى:
وَمَنْ لَمْ يَذُذْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلَاحِه
يُهَدَّمْ، وَمَنْ لَايَظْلِمِ النَّاسَ يُظْلَمِ
و يعبِّر عنه القول المتعارف في الجاهلية:«انصر أخاك ظالما أو مظلوما».
وكانت الخمر و الميسر من تقاليد المجتمع الفاشية، و من مفاخره كذلك! يعبر عن هذه الخصلة الشعر الجاهلي بجملته… وكانت الدعارة _ في صور شتى _ من معالم هذا المجتمع…»(معالم في الطريق، سيد قطب، ص 26 – 27، بتصرف، دار الشروق).
⁷ ‐ هاته الخصيصة نستشفُّها من قوله تعالى:﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ (سورة الأعراف، من الآية 158) فإن لم يكن من الناس صنف مخصوص بمجيء الرسالة المحمدية، وكانت لبني آدم أجمعين فما جاءت به ملزِم. ومن بين تلك الأمور الأخلاقُ.