الأحاديث التعليمية: أولا التعليم بالرسم
الأحاديث التعليمية: أولا التعليم بالرسم/ يعقوب زروق
الأحاديث التعليمية: أولا التعليم بالرسم
بقلم: يعقوب زروق
مقدمة:
صلى الله وسلم على من أنزل عليه أول ما أنزل: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5( [العلق: 1-5].
وصلى الله وسلم على من امتن ربه على أمته ببعثته لهم معلما مزكيا فقال عز من قائل: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ[آل عمران: 164]
وصلى الله وسلم عليه إذ هو لنا بمنزلة الوالد المعلم فجمع بين رحمة الوالد وحكمة المعلم. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ”[1]
وصلى الله وسلم عليه ما تعلم متعلم واقتدى بهديه معلم.
تحاول هذه الحلقات إن شاء الله رصد جملة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم واكتشاف ما فيها من روعة التربية والتعليم النبويين. واستخلاص ما أمكن من مبادئ التزكية وفنون التعليم. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
1 – الحديث الأول: انتبه أيها الإنسان!
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَطَّ خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا وَسَطَ الْخَطِّ الْمُرَبَّعِ، وَخُطُوطًا إِلَى جَنْبِ الْخَطِّ الَّذِي وَسَطَ الْخَطِّ الْمُرَبَّعِ، وَخَطٌّ خَارِجٌ مِنَ الْخَطِّ الْمُرَبَّعِ قَالَ : ” هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا ؟ ” قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ : ” هَذَا الْإِنْسَانُ الْخَطُّ الْأَوْسَطُ، وَهَذِهِ الْخُطُوطُ الَّتِي إِلَى جَنْبِهِ الْأَعْرَاضُ تَنْهَشُهُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، إِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا أَصَابَهُ هَذَا، وَالْخَطُّ الْمُرَبَّعُ : الْأَجَلُ الْمُحِيطُ بِهِ، وَالْخَطُّ الْخَارِجُ : الْأَمَلُ [2]“.
يوصي التربويون بالبحث عن وسائل تعليمية، وبحسن استعمالها، كي تساعد على تلخيص المعلومة وتبسيطها بأسلوب علمي، يجعل المتعلم يقبل على التعلم بشوق وشغف، فتتحقق الأهداف المتوخاة منه.
ومن أهم تلك الوسائل الرسوم التعليمية، لما لها من قدرة على تذليل الصعوبات التي قد تعترض الطالب أثناء التعلم باللغة الكلامية اللفظية أو المقروءة . فرسم المعاني المجردة وتحويلها لعناصر مرئية أمر مفيد للطالب.
رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه ربه معلما ” يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ” التعليم والتزكية لا يفترقان . وأساس هذا التعليم وهذه التزكية كتاب الله. هو صلى الله عليه وسلم المعلم الرحيم الحريص على أمته أن تتعلم وتتزكى . لم يترك وسيلة تعلمهم إلا علمهم بها.
في هذا الحديث يعلمهم بالرسم. فالرسم يبقى راسخا في الأذهان. والعقول أسرع إلى فهم الصورة واستيعابها.
هذا الرسم يختزل فلسفة الإسلام ونظرته للوجود . الإنسان في هذه الحياة خلق للعمل والابتلاء ويعترض عمله أمران : أجله الذي يحيط به وعوارض الابتلاءات التي تصيبه تارة وتخطئه أخرى. فهو في كبد ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾[البلد: 4].
الإنسان في وسط هذا كله يلهيه الأمل فينسى العمل، ولا ينبغي له ذلك. يعيش يُمني نفسه بالآمال وتغره الأماني، يملي لنفسه ويمنيها بالتوبة والعمل غدا بعد غد. والمربع المحيط به يضيق عليه شيئا فشيئا، وتتقلص مساحته يوما بعد يوم. وهو في سكرة من الأماني، حتى تنفذ مساحة مربعه ويحين أجله. فيندم حيث كان ينبغي له أن يستغل الفرصة التي أعطيت له فيكد ويعمل. وكان ينبغي له أن يواجه التحديات والابتلاءات بعزيمة وقوة متوكلا على مولاه. وكان ينبغي له أن يعلم من كتاب الله أن الأمل ملهاة، وأن الأماني سلاح الشيطان
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) [الحجر: 3]. يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [النساء: 120]
2 – الحديث الثاني: سبيل الله وسبل الشيطان
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا، ثُمَّ قَالَ : ” هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ “. ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ : ” هَذِهِ سُبُلٌ – قَالَ يَزِيدُ : مُتَفَرِّقَةٌ – عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ “. ثُمَّ قَرَأَ : ” { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } “[3].
ما يفتأ صلى الله عليه وسلم يستعمل كل ما من شأنه أن يفيد أصحابه في تعلمهم فهو الحريص عليهم . يستعمل في هذا الحديث الرسم . فيرسم خطا هو سبيل الله، مستقيما لا عوج فيه. ويرسم إلى يمينه وشماله خطوطا، متفرقة، هي سبل الضلال على رأس كل واحد منها شيطان يدعو السائرين في سبيل الله إلى سلوك سبيل الشيطان. يزينه لهم، ويغويهم، ويعدهم ويمنيهم. يصطاد الغافلين. هذا الشيطان قد يكون جنيا وقد يكون إنسيا قد يكون فردا وقد يكون جماعة . قد يكون فكرة وقد يكون خرافة …
في هذا الحديث وسيلة تعليمية أخرى لا تقل أهمية عن الرسم ألا وهي التشبيه ( الاستعارة)
تشبيه الإسلام بالسبيل ( الطريق ) هذا التشبيه يعطينا جملة من المعاني العظيمة :
- أولا: أن الأمر سلوك وسفر لا قعود. والسفر يعني تغيير المكان. مما يدل على أن المؤمن يغير حاله إلى حال أفضل فهو لا يتوقف عن التوبة والترقي حتى يلقى الله.
- ثانيا: السبيل والسفر يقتضي حزما وعزما وإعدادا وتوكلا.
- ثالثا: السفر يتطلب ضبط الوقت واستغلاله
- رابعا: الصحبة ضرورية في السفر.
- خامسا: لا بد من الانتباه لمخاطر الطريق وأخطرها أن ينزاح السائر عن خط سيره إلى طريق أخرى فيصطاده شيطان إلى سبيله.
- سادسا: المسافر عليه أن ينتبه لمعالم الطريق.
- سابعا: المسافر لا تلهيه متعة الرحلة عن هدفه ولا تثبطه مشاقها كذلك.
[1] – سنن أبي داود | كِتَابُ الطَّهَارَةِ رقم الحديث: 8
[2] – مسند أحمد |مُسْنَدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. رقم الحديث: 3652
[3] – مسند أحمد _ مُسْنَدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ . رقم الحديث: 4437