التربية بالتنويه (6) الأحاديث التعليمية
التربية بالتنويه (6) الأحاديث التعليمية/ يعقوب زروق
التربية بالتنويه (6) الأحاديث التعليمية
بقلم: الأستاذ يعقوب زروق
مقدمة:
التربية الإسلامية تربية متوازنة. يحكمها الميزان الذي وضعه من خلق الإنسان، وعلمه البيان، ومن خلق الشمس والقمر بحسبان. إذ لا اضطراب ولا طغيان، ولا زيغ ولا خسران. ميزان رباني يحكم الكون والأنفس.“اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ”[الرعد: 8]
من مظاهر هذا التوازن في التربية أنها تعتمد تقويم الأخطاء وتصحيح العيوب كما تعتمد تثمين الجميل والتنويه بالفضائل. ينوه المولى سبحانه في كتابه بالصالحين ويثني عليهم” وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ”[ص: 44]. هذا الثناء ليس خاصا بالأنبياء والرسل . تجده أيضا في حق الصحب الكرام “مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29) [الفتح: 29]. ” وفي حق الأنصار والمهاجرين وفي حق من جاء بعدهم إلى يوم الدين“وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ”[الحشر: 10]
هذا الأسلوب التربوي الفعال يحفز المرء على الاستمرار في فعل الخير ويدفعه إلى تجويد العمل. بل إن أثره يتعدى المنوه به إلى غيره ممن يرغبون في مزاحمته على خيره تنافسا واغتباطا.
الحديث الحادي عشر: أوسمة نبوية
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ “، وَقَالَ عَفَّانُ مَرَّةً : ” فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ. أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَإِنَّ أَمِينَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ [1]“.
وكما هو الرب سبحانه ينوه بأعمال عباده فهو الشكور الذي يعرف لأهل الفضل فضلهم، ويثيبهم على القليل، الثواب الكثير، فكذلك حبيبه صلى الله عليه وسلم الذي ليس سوى رحمة منه مهداة للخلق. كذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم تجده في مواقف كثيرة يشكر العاملين أفرادا وجماعات وأقواما. عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ “[2].
كان صلى الله عليه وسلم لا ينسى من أسدى إليه معروفا حتى يكافئه عليه. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَا لِأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إِلَّا وَقَدْ كَافَيْنَاهُ مَا خَلَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكَافِئُهُ اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا نَفَعَنِي مَالُ أَحَدٍ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا ؛ لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ [3]“.
في هذا الحديث – الحادي عشر – يعلق لهؤلاء المحظوظين أوسمة، طوبى لهم بها، جزاء ما عملوا وما اتصفوا به من عظيم الأخلاق. يذكر صلى الله عليه وسلم لكل صحابي خصلة فاق فيها الأمة جمعاء .
- أرحم الأمة بالأمة أبو بكر رضي الله عنه. من مظاهر هذه الرحمة ما أشار به رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن أسرى بدر . هذه الرحمة لم تتعارض مع الحزم الحكيم يوم تولى الخلافة وارتدت العرب فقام بما يقتضيه منصب الإمامة من الصرامة اللازمة التي هي عين الرحمة للأمة. وهذا هو الميزان الذي تمت الإشارة إليه.
- أشد الأمة في أمر الله عمر. فقد كان الحزم صفته. حتى كانت تخشاه شياطين الإنس والجن. وله في هذا مواقف كثيرة سواء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في خلافته. بيد أن هذه الشدة كانت موجهة لنفسه أولا ولقرابته ثانيا ثم الأبعد فالأبعد. عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عن أبِيهِ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ خَرَجَ فَقَعَدَ عَلى المِنبَرِ فَثابَ النّاسُ إلَيْهِ حَتّى سَمِعَ بِهِ أهْلُ العالِيَةِ فَنَزَلُوا فَعَلَّمَهُمْ حَتّى ما بَقِيَ وجْهٌ إلا عَلَّمَهُمْ. ثُمَّ أتى أهْلُهُ وقالَ: قَدْ سَمِعْتُمْ ما نَهَيْتُ عَنْهُ وإنِّي لا أعْرِفُ أنَّ أحَدًا مِنكُمْ يَأْتِي شَيْئًا مِمّا نَهَيْتُ عَنْهُ إلا ضاعَفْتُ لَهُ العَذابَ ضِعْفَيْنِ.[4]
عن عيسى ابن مَعْمَرٍ قالَ: نَظَرَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عامَ الرَّمادَةِ إلى بِطِّيخَةٍ فِي يَدِ بَعْضِ ولَدِهِ فَقالَ: بَخٍ بَخٍ يا ابْنَ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ. تَأْكُلُ الفاكِهَةَ وأمَةُ مُحَمَّدٍ هَزْلى؟ فَخَرَجَ الصَّبِيُّ هاربا وبكى فأسكت عمر بعد ما سَألَ عَنْ ذَلِكَ فَقالُوا اشْتَراها بِكَفٍّ مِن نَوًى[5].
- أصدق الأمة حياء عثمان رضي الله عنه
لم يختص التنويه النبوي بالثلاثة الكبار ولا بأعمالهم العظيمة: الرحمة والشدة، بهما يعتدل الميزان. والحياء خلق الإسلام. وإنما ذكر صلى الله عليه وسلم أعمالا أخرى تنبيها لفضلها وتنويها بأهلها:
- العلم بالفرائض.
- العلم بالحلال والحرام.
- قراءة القرآن الكريم.
- الأمانة.
إنها تخصصات مهمة. هي فروض كفاية في مستواها الأكمل. وفروض عين في حدها المقبول، مما يتحقق به أداء الواجبات العينية.
الحديث الثاني عشر: تنويه وتوجيه.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ : رَأَيْتُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّ بِيَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ، فَكَأَنِّي لَا أُرِيدُ مَكَانًا مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا طَارَتْ إِلَيْهِ، وَرَأَيْتُ كَأَنَّ اثْنَيْنِ أَتَيَانِي أَرَادَا أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَتَلَقَّاهُمَا مَلَكٌ، فَقَالَ : لَمْ تُرَعْ خَلِّيَا عَنْهُ.
فَقَصَّتْ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى رُؤْيَايَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ “. فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ[6]
الرؤيا حق، وهي جزء من ست وأربعين جزءا من النبوة. وقد شاع بين الصحابة الكرام رضي الله عنهم قصها. سيما بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيعبرها لهم ويوجههم من خلالها لما تشير إليه من العمل . كانت الرؤيا مناسبة للتعليم والحث على العمل. لم تكن للتسلية. هذا عبد الله بن عمر رضي الله عنه يرى رؤيتين، وقد ورد أنه كان يغبط الصحابة إذ يرون ولا يرى. فلما رأى قص ما رآه على أخته أم المؤمنين رضي الله عنها. لعله استحيى أن يقصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان صغيرا فالحياء كان طبعا له. فهو الذي علم الشجرة التي هي مثل المسلم حين سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحيى أن يقولها. لم يكن الحياء مانعا من التعلم. فكما أخبر أباه في حديث المسلم والنخلة، ها هو يخبر أخته برؤاه. فتوصل الأخت الأم رؤاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي سيثني عليه خيرا “نعم الرجل عبد الله” ثناء عظيم يحمل توجيها عظيما ” لو كان يصلي من الليل” . ماذا لو قصت هذه الرؤيا على معبر غير رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا شك أنه سيميل يمينا وشمالا متكلفا تأويلا ما، لن يزيد بالرائي خطوة في طريق القرب من الله. ولكن المعلم الرحيم الحكيم جعلها فرصة جعلت عبد الله لا يترك قيام الليل بعدها.
الهوامش:
[1] – مسند أحمد |مُسْنَدُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. 13990
[2] – صحيح البخاري | كِتَابٌ : الشَّرِكَةُ | بَابُ الشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ. 2486
[3] – سنن الترمذي | أَبْوَابُ الْمَنَاقِبِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 3661
[4] – الطبقات الكبرى – المؤلف: أبو عبد الله محمد بن سعد (المتوفى: ٢٣٠هـ) – المحقق: إحسان عباس
[5] – نفسه
[6] – صحيح البخاري | بَابُ التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ | بَابُ فَضْلِ مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى. 1156 – 1157