التعليم بالقدوة (3) الأحاديث التعليمية
التعليم بالقدوة (3) الأحاديث التعليمية/ يعقوب زروق
التعليم بالقدوة (3) الأحاديث التعليمية
بقلم: يعقوب زروق
مقدمة:
النفوس البشرية مجبولة على الإعجاب بالمثل، فطرة فطر الله الناس عليها. تحبها وتتأسى بها. فإن وجدت أمامها المثل الكاملة _أنبياء وعلماء_ وجدت ضالتها فاقتدت بها وفازت. وإن لم تجدها لسبب من الأسباب وغالبا ما يكون لكبر فيها أو عمى عماها، فإنها تسعى لصناعة مثل وهمية. لذلك كان تقديم المثل وسيلة تربوية عظيمة. تجد القرآن الكريم يزخر بتقديم النماذج العليا من أنبياء وصالحين، وتجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته يقدم القدوة من نفسه تارة ومن صحابته أخرى ومن إخوانه الذين من قبله والذين من بعده.
الحديث الخامس: القدوة الكاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عن أَنَس بْن مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: ” جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا ، فَقَالُوا : وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ : أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا. وَقَالَ آخَرُ : أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ. وَقَالَ آخَرُ : أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ : ” أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي “[1].
حماس البدايات إن لم يسدد ويوجه كان وبالا على أصحابه، تنطعا مهلكا أو فتورا مميتا. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ، فَأرْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ فَلَا تَعُدُّوهُ.[2] ”
ثلاثة رهط فارقوا جاهليتهم للتو. حديثو عهد بإسلام. كلهم حماس وحزم وإصرار. جاؤوا طلبا للعلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم. فتحقق لهم المطلوب ووجدوا الجواب فأخبروا بعبادته صلى الله عليه وسلم. لكن هل كان ذلك كافيا؟ إن حصول العلم مع ما معهم من حماس كان سيؤدي بهم إلى المحظور لولا أن تلقفتهم التربية النبوية الحكيمة. فأعطاهم القدوة الكاملة من نفسه صلى الله عليه وسلم.
بين لهم صلى الله عليه وسلم أن ما عزموا عليه من أعمال يعكفون عليها مخالف لما عليه سنته تماما. وذاك لأن السنة أسها الاعتدال، وعمادها التوازن، حتى يتأتى إعطاء كل ذي حق حقه، وأداء كل الواجبات. وهو ما غفل عنه أولئك الرهط ظانين أن العبادة قاصرة على الصلاة والصيام وترك الزواج.
إن القدوة الصالحة والكاملة ذات أهمية قصوى في التربية والتعليم. وجعل المتعلم يتعلق بها هو عمل المربي ينبغي أن يتعهده بالرحمة والمحبة.“فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ”[آل عمران: 159]
ورضي الله عن أمنا أم سلمة رضي الله عنها حين قدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة لأصحابه يوم أخطؤوا حين عجزوا عن فهم مقاصد صلح الحديبية ولم يطيعوا أمره بالنحر والحلق للتحلل من العمرة التي لم تتم. فشكا لها صلى الله عليه وسلم ما لاقاه منهم فأشارت عليه أن يخرج ولا يكلمهم وأن يحلق وينحر. فما كان منهم إلا أن قاموا يحلق بعضهم لبعض وينحرون هديهم ويتسابقون إلى شعره يتبركون به نادمين على ما بدر منهم.
وقد كان صلى الله عليه وسلم كثيرا ما ينبه أصحابه إلى الاقتداء به. عَنِ ابْنِ شِهابٍ: ” أنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ أرادَ أنْ يَخْتَصِي ويَسِيحَ فِي الأرْضِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألَيْسَ لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟ فَأنا آتِي النِّساءَ، وآكُلُ اللَّحْمَ، وأصُومُ وأُفْطِرُ، إنَّ خِصاءَ أُمَّتِي الصِّيامُ، ولَيْسَ مِن أُمَّتِي مَن خَصى أوِ اخْتَصى»[3]
في هذا الحديث الخامس جملة فوائد:
- لا بد من ترشيد حماس المبتدئ وتوجيهه بما لا يطفئ حماسته وبما لا يدعه ضحية للغلو والتنطع.
- القدوة الكاملة حاسمة في توجيه المتعلم.
- السنة النبوية سمتها الوسطية والتوازن، مراعاة لعمل الليل والنهار وحقوق الله والعباد.
- مخالفة السنة بما هي وسطية واعتدال براءة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- تقوى الله وخشيته في اتباع السنة وعدم مخالفتها.
الحديث السادس: أصحابه صلى الله عليه وسلم أئمة هدى يقتدى بهم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَا لِأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إِلَّا وَقَدْ كَافَيْنَاهُ مَا خَلَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكَافِئُهُ اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا نَفَعَنِي مَالُ أَحَدٍ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا ؛ لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ “[4].
يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ولنا معهم قدوة منهم، ليس نبيا رسولا فتتعلل النفوس قائلة كما قال الرهط الثلاثة في الحديث السابق: ” وأين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم” القدوة هنا رجل مثلهم. ما هو معصوم ولا هو يوحى إليه. إنما يخطئ ويتوب. يضعف ويحزم. إنه سيدنا أبو بكر رضي الله عنه. يذكر صلى الله عليه وسلم خدمته للدعوة وجهاده في سبيل نصرتها بنفسه وماله. فقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم دون تردد من أول يوم علم فيه ببعثته. وقام بواجبه تجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوته. كان يرافقه في جولاته. وكان نسابة يطلعه على معادن الناس. معروفا بين قبائل العرب، كان يستقبلهم بالكلام ويمهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم لينصتوا له. بذل ماله كله مرات في سبيل الدعوة. فضائله رضي الله عنه لا تحصى. وحسبه أن رسول الله صلى الله عليه يقدمه كل مرة قدوة للناس يزكيهم بخصاله. نقرأ هذا الحديث حيث يقدمه مع سيدنا عمر رضي الله عنهما قدوتان في باب التصديق بالغيب وبما يخبر به صلى الله عليه وسلم:
عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً لَهُ قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا، الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ الْبَقَرَةُ فَقَالَتْ : إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، وَلَكِنِّي إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ. فَقَالَ النَّاسُ : سُبْحَانَ اللَّهِ – تَعَجُّبًا وَفَزَعًا – أَبَقَرَةٌ تَكَلَّمُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ “. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” بَيْنَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي حَتَّى اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ فَقَالَ لَهُ : مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي ؟ فَقَالَ النَّاسُ : سُبْحَانَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” فَإِنِّي أُومِنُ بِذَلِكَ، أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ “[5].
في هذا الحديث السادس مبادئ تربوية عظيمة:
- التنويه بأهل الفضل وذكر حسناتهم. تشجيعا لهم على الاستمرار في خيرهم وتشجيعا للناس على الاقتداء بهم.
- الصحبة حاسمة في موضوع التربية. فما نال أبو بكر ما ناله إلا بقربه وصحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وق شهد الله له بذلك :إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: 40]
- مكافأة من أسدى إليك معروفا من شيم الكرام.
- البذل في سبيل الدعوة جهاد وأي جهاد.
الهوامش:
[1] – صحيح البخاري | كِتَابُ النِّكَاحِ | بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ. رقم الحديث: 5063
[2] – سنن الترمذي | أَبْوَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ وَالرَّقَائِقِ وَالْوَرَعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رقم الحديث: 2453
[3] – الطبقات الكبرى – المؤلف: أبو عبد الله محمد بن سعد البصري، البغدادي (ت: 230هـ) – المحقق: إحسان عباس – الناشر: دار صادر – بيروت) ج: 3 – ص 394
[4] – سنن الترمذي | أَبْوَابُ الْمَنَاقِبِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رقم الحديث: 3661
[5] – صحيح مسلم | كِتَابٌ : فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ | بَابٌ : مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. رقم الحديث: 2388