التعليم بالمنافسة (5) الأحاديث التعليمية
يعقوب زروق
التعليم بالمنافسة (5) الأحاديث التعليمية
يعقوب زروق
مقدمة:
(خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) [المطففين: 26]
ما يحفز النفس البشرية على العمل والجد أن ترى الأقران يعملون ويجدون. فتقوم تنافسهم. لا ترضى أن تكون مع القاعدين. يخاطب امرؤ نفسه مستنهضا لها: “فاتك الرجال يا خسيسة”. على هذه الجبلة جبلت النفس، تعجب بداية بالخير وأهله فتحبهم ثم لا تهنأ حتى تقوم تزاحمهم بالركب. ولم لا تكون من السابقين.
“سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ” [الحديد: 21]
“وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(10) أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ” [الواقعة: 10-11]
“وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ” [آل عمران: 133]
يتكرر الحث القرآني على التنافس وتتنوع عباراته. ويقص علينا القرآن قصص العاملين تحفيزا وتحريضا.
الحديث التاسع: تنافس بين خيرين.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا ؟ “. قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَا. قَالَ : ” فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً ؟ “. قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَا. قَالَ : ” فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا ؟ “. قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَا. قَالَ : فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ[1] “.
وهذه رواية عبد الرحمن بن أبي بكر نوردها لما فيها من الزيادات الهامة:
عن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح ثم أقبل على أصحابه بوجهه فقال:
هل فيكم أحد أصبح اليوم صائما؟ فقال: عمر بن الخطاب: يا رسول الله لم أحدث نفسي بالصوم فأصبحت مفطرا، فقال أبو بكر: لكني حدثت نفسي بالصوم البارحة فأصبحت صائما. فقال رسول الله ﷺ: هل أحد منكم اليوم عاد مريضا؟ فقال: يا رسول الله، صلينا ثم لم نبرح فكيف نعود المرضى! فقال أبوبكر: بلغني أن أخي عبد الرحمن بن عوف شاكي، فجعلت طريقي عليه حين خرجت إلى المسجد فقال رسول الله ﷺ: هل تصدَّق أحد منكم اليوم بصدقة؟ فقال عمر يا رسول الله صلينا ثم لم نبرح. فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل، فو جدت كسرة خبز شعير في يد عبد الرحمن، فأخذتها فدفعتها إليه. فقال رسول الله ﷺ: أنت فأبشر بالجنة. فتنفس عمر: أوّه، أوّه، أوّه للجنة”.[2]
كان الجو العام بين الصحب الكرام جو تنافس وتسابق إلى الخيرات. تشتد المنافسة بين الأخيار، كما كان الحال دائما بين الخيرين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. فلا تكاد تجد عملا يختص به أحدهما عن الاخر.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا أُصَلِّي، فَقَالَ : ” سَلْ تُعْطَهْ يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ “. فَقَالَ عُمَرُ : فَابْتَدَرْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، فَسَبَقَنِي إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ، وَمَا اسْتَبَقْنَا إِلَى خَيْرٍ إِلَّا سَبَقَنِي إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ.” [3]
يثير المربي الحكيم صلى الله عليه وسلم هذا التنافس ويذكيه، في كل فرصة ومناسبة. وينوه بالسابقين ويبشرهم بالجزاء العظيم. كما في هذا الحديث. صلى بهم الصبح والنهار لم يبدأ بعد، حيث الأعمال لما تستأنف. ولكنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يبين لهم أن لله عبادا من خلقه لا يمنعهم ليل ولا نهار عن الخير. ولا يتركون فرصة إلا اغتنموها. لعل الوحي أطلعه بما فعله أبو بكر رضي الله عنه.
كانوا رضي الله عنهم في طور التربية. تجد سيدنا عمر رضي الله عنه يتحرى العذر لنفسه “لم نبرح”. يضعفون أحيانا ويخطئون تارة ثم يُقَوّمون ويقومون.
هذا الذي تراه الآن يلتمس عذر نفسه، هو نفسه من ستجده لاحقا، وقد استغلظ واستوى على سوقه، تبهرك أعماله وتبهتك مواقفه. يكفي أن أورد موقفين من ذلك لترى أثر التربية النبوية :
1 – عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ أحْدَثَ فِي زَمانِ الرَّمادَةِ أمْرًا ما كانَ يَفْعَلُهُ. لَقَدْ كانَ يُصَلِّي بِالنّاسِ العِشاءَ ثم يخرج حتى يَدْخُلُ بَيْتَهُ فَلا يَزالُ يُصَلِّي حَتّى يَكُونَ آخر الليل. ثم يخرج حتى يَدْخُلُ بَيْتَهُ فَلا يَزالُ يُصَلِّي حَتّى يَكُونَ آخِرُ اللَّيْلِ. ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَأْتِي الأنْقابَ فَيَطُوفُ عَلَيْها وإنِّي لأسْمَعُهُ لَيْلَةً فِي السَّحَرِ وهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ هَلاكَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلى يَدَيَّ[4].
2 – قال عكرمة بن خالد، وغيره: إن حفصة وعبد الله وغيرهما كلموا عمر، فقالوا: لو أكلت طعاما طيبا كان أقوى لك على الحق. قال: أكلكم على هذا الرأي؟ قالوا: نعم قال: قد علمت نصحكم ولكني تركت صاحبي على جادة، فإن تركت جادتهما لم أدركهما في المنزل[5].
الحديث العاشر: قرآن وجهاد.
عن أبي هريرة: بعث النبيُّ – ﷺ – بعثًا وهم ذوو عددٍ فاستقرأهم فقرأ كل رجلٍ ما معه من القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سنًا فقال: «ما معك أنت يا فلان؟» قال: معي كذا وكذا وسورة البقرة، قال: «أمعك سورةُ البقرة؟» قال: نعمْ، قال: «اذهب فأنت أميرهم، فإنّها إن كادت لتُحصى الدين كله»، فقال رجلٌ من أشرافهم: والله ما منعني يا رسُول الله أن أتعلَّمها إلا خشية أن لا أقوم بما فيها، فقال – ﷺ -: «تعلمُوا القرآن واقرءوهُ وقومُوا به، فإن مثل القرآن لمن تعلَّمه فقرأه وقام به كمثلِ جرابٍ محشوٍ مسكًا يفوحُ بريحه كلَّ مكانٍ، ومثل من تعلَّمهُ ويرقدُ وهو في جوفه كمثلٍ جرابٍ أوكى على مسكٍ».[6]
لم يكن التنافس مختصا بالخيرين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وإنما كان حالة عامة وكان أسلوبا نبويا تعليميا في الليل والنهار، في السلم والحرب، كما في هذا الحديث. فالسياق جهاد. والرسول صلى الله عليه وسلم يقدم درسا في حفظ القرآن والعمل به. جعل حفظ سورة البقرة معيارا للأفضلية، على أساسه اختار أمير الجيش.
قد يتعجب امرؤ من ذلك متعللا بأن للقائد مواصفات، وأن الحفظ قد لا يكون مؤهلا للإمارة التي تتطلب حنكة ودراية وهذا لا يتأتى مع حداثة السن. يعطي الرسول صلى الله عليه وسلم جوابا نستنبطه من قوله “اذهب فأنت أميرهم، فإنّها إن كادت لتُحصى الدين كله”. كادت أن تجمع الدين، بما فيها من أحكام وحكم. سيما ما يتعلق بالجهاد، والقيادة ومعالجة الناس. هذا من جانب، ومن جهة أخرى، فإن همة حفظت سورة البقرة في حداثة سن، لجدير بصاحبها أن يقود جيشا ولن يعوزه التقنيات والمهارات التي سيتعلمها حتما بأسرع مما تعلم البقرة.
حداثة سن صاحب البقرة استفزت أحد أشرافهم فراح يبرر :والله ما منعني يا رسُول الله أن أتعلَّمها إلا خشية أن لا أقوم بما فيها.” فيأتي الجواب من المعلم الحكيم فيصلا وفرقانا لا مداهنة فيه ولا محاباة، وإنما رفع همة وشحذ عزيمة: “تعلمُوا القرآن واقرءوهُ وقومُوا به” ما ينبغي تركه تخوفا من عدم القيام به. إنما المؤمن يطمح للكمالات وللمعالي . تعلم فقراءة فعمل به. فلست مخيرا بين أمرين: أن تحفظ البقرة فتقوم بها أو لا تقوم بها. أنت مدعو لحفظها والقيام بها لا غير. وفق خطة مدروسة، تعتمد التدرج عنوانا، والجد وسيلة، والصبر عونا، والمنافسة حافزا.
الهوامش:
[1] – صحيح مسلم | كِتَابٌ : الزَّكَاةُ. | بَابٌ : مَنْ جَمَعَ الصَّدَقَةَ، وَأَعْمَالَ الْبِرِّ. 1028
[2] – السنة لابن أبي عاصم- باب ما ذكر من فضائل أبي بكر رضي الله عنه . 1243
[3] – مسند أحمد |مُسْنَدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. 4165
[4] – الكتاب: الطبقات الكبرى. المؤلف: أبو عبد الله محمد بن سعد (المتوفى: 230هـ). المحقق: إحسان عباس. الناشر: دار صادر – بيروت. الطبعة: الأولى، 1968 م. ج 3 ص 312
[5] – الكتاب : سير أعلام النبلاء. المؤلف : شمس الدين أبو عبد الله محمد الذهبي (المتوفى : 748هـ). المحقق : مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط. الناشر : مؤسسة الرسالة. الطبعة : الثالثة ، 1405 هـ / 1985 م. ج الراشدون ص 82
[6] – سنن الترمذي | أبواب فضائل القرآن . 2876