التربية وأثرها في بناء شخصية الطفل
ذة: ليلى المساوي
تقديم
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن التربية من المنظور الإسلامي هي إعداد الإنسان وتنشئته تنشئة متوازنة من جميع الجوانب روحيا وأخلاقيا وعقليا، إن صناعة الرجال ليست وليدة اللحظة عند بلوغ سن الرشد، بل هي مسار تربوي متكامل يبدأ منذ الصغر، فالطفولة هي الحجر الأساس الذي يُبنى عليه خلق الإنسان، وشخصيته، ومسؤوليته تجاه نفسه ومجتمعه، إن التربية على غرس صفات الرجولة لدى الأطفال لا تقوم على القوة الجسدية وحدها، وإنما على الإيمان والأخلاق، وتحمل المسؤولية والشجاعة والصدق والرحمة، وقد قدم القرآن الكريم و السنة النبوية منهجا متكاملا في تنمية هذه الصفات”.
فما هي هذه الصفات التي ذكرها القرآن الكريم و حرص النبي صلى الله عليه وسلم على غرسها في نفوس الأطفال؟
أولاً: غرس العقيدة الصحيحة والارتباط بالله
إنّ أوّل مقومات رجولة الطفل هي “صلابته الإيمانية” وإذا استقر الإيمان في قلب الصغير، أورثه شجاعة وثباتاً لا يتأثران او يهتزان.
يقول الله تعالى على لسان لقمان وهو يعظ ابنه: {يا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [سورة لقمان 1].
بدأ لقمان الحكيم بترسيخ التوحيد والتنفير من الشرك؛ لأن العقيدة هي الحصن النفسي والعقلي الأقوى للطفل
وعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ:”يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ…»[1]
لننظر كيف يخاطب النبي ﷺ “غلاماً” صغيراً بمعانٍ عقدية عظمى، وهي تعلّقه بالله وزرع الشجاعة في قلبه والاعتماد على الله وحده.
ثانياً: تعويدهم على العبادة والمسؤولية:
الرجولة تتطلب انضباطاً والتزاماً، وأفضل طريق لتربية الطفل على الانضباط وهو ربطه بالمقدسات والعبادات
يقول الله تعالى: {يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [سورة لقمان 17]
لم يكتفِ القرآن بأمره بالصلاة، بل درّبه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسبق في الإصلاح، ثم علّمه الصبر على الصعاب.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {مرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ} [2]
الهدف من التدريب المبكر في سن السابعة ليس التضييق، بل إكساب الطفل عادة الالتزام وتحمل المسؤولية الذاتية قبل الوصول لسن التكليف.
ثالثاً: التربية على الأخلاق والشجاعة وعزة النفس:
تكتمل رجولة الطفل بتربيته على التواضع مع القوة، والبعد عن التكبر والمجاملة الفارغة.
تأتي وصايا لقمان لتضع خطوطاً عريضة لشخصية الصبي المتزن.
{ولَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فخور واقصد فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ} [سورة لقمان: 18-19].
وهي التربية على أدب التعامل، وتواضع الأقوياء، والوقار، واحترام الآخرين.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه :{أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ}[3]
سلام النبي ﷺ على الصبيان يمنحهم الثقة بالنفس، ويشعرهم بالاحترام والكرامة، مما ينعكس على نضجهم المبكر
رابعاً: بناء الشخصية من خلال قواعد عملية:
خطوات عملية لتحقيق صناعة الرجال:
– إعطاء الألقاب العالية: كنية الصبي بألقاب الرجال (مثل: “أبا فلان”) ليزداد لديه الشعور بالمسؤولية والنضج.
– إشراكهم في مجالس الكبار اصطحابهم للمساجد والمجالس النافعة لتتسع مداركهم ويتعلموا أدب الحديث.
– إسناد المهمات بتكليفهم بشراء احتياجات المنزل، أو قضاء حوائج بسيطة لتعويدهم الاعتماد على النفس.
– ممارسة الرياضة النافعة وتعليمهم السباحة، والرماية، والرياضات التي تبني الجسد وتشد العزيمة.
خلاصة:
إن صناعة الرجال في الطفولة ليست بالشدة أوالقسوة، بل بالحب، والغرس الإيماني، وإعطاء الثقة، وإسناد المسؤوليات تدريجياً. ومَن نَشَأَ في صغره على مراقبة الله تعالى، صار في كبره جَبَلاً يُعتمد عليه في بناء الأمة وتماسك الأسرة، إن التربية النبوية تقدم منهجا متوازنا لبناء شخصية الطفل، فهي تجمع بين الرحمة والحزم، وبين التربية الإيمانية والأخلاقية، حيث ينشأ الطفل على الرجولة الحقيقية التي تسهم في إعداد جيل صالح قادر على مواجهة تحديات الحياة وخدمة دينه ووطنه ومجتمعه.
[1] – رواه الترمذي
[2]– رواه أبو داود)
[3]– (رواه البخاري ومسلم)